الأرض مقابل السلام

آرا دمبكجيان
2020 / 10 / 19

صيغة "الأرض مقابل السلام" معروفة في التاريخ الحديث و المعاصر، ففي اجتماع ضم ألمانيا النازية و بريطانيا و فرنسا و ايطاليا في 30 أيلول/ سبتمبر 1938 في ميونيخ قرروا تلبية طلب هتلر في ضم أراضي منطقة (السوديت لاند) ذات الأكثرية الناطقة بالألمانية و الواقعة ضمن جيكوسلوفاكيا الى ألمانيا درءاً للحرب المتوقعة.
ثم ارتبطت هذه الصيغة في حل القضية الفلسطينية، فبعد حرب 1948 كان الأعتراف هو شرط السلام، و استمرت صيغة "الأعتراف مقابل السلام" لغاية حرب 1967. و في اجتماع سري للحكومة الأسرائيلية بعد الحرب تبنَّت مبدأ "الأرض مقابل السلام"، أي الأعتراف أولاً ثم احلال السلام.
في اتفاق ترامب – نتنياهو – بن زايد الأخير أعلن رئيس الوزراء الأسرائيلي تخليه عن صيغة "الأرض مقابل السلام" لصالح صيغة جديدة هي "السلام مقابل السلام"، أي إسقاط الأرض من صيغة معادلة التطبيع.
أرادت باكو تطبيق الصيغة الأسرائيلية، ففي تصريح لحكومة أرمينيا أن "الآذربيجانيون طلبوا التنازل عن الأراضي ليس مقابل تحديد الوضع ... بل مقابل السلام، و هددت، خلاف ذلك بشن الحرب."
وصلت المفاوضات بشأن آرتساخ (غاراباغ) في السنوات الأخيرة الى فرض حالة مشابهة للقضية الفلسطينية هو تخلي الشعب الأرمني عن حقوقه، إذ كانت باكو تصر على تسليمها 5 من أصل 7 مناطق محيطة بغاراباغ سيطر عليها الجانب الأرمني خلال الحرب الأولى في التسعينات، ثم اعداد جدول زمني لتسليم المنطقتين الأُخريين و التعهد بأن أي وضع قانوني لمستقبل المنطقة المتنازع عليها سيحدد ضمن دولة آذربيجان حصراٍ.
و بإصرار آذربيجان على رفض مناقشة الوضع القانوني لآرتساخ (غاراباغ) مهَّدت الطريق لتفريغ المنطقة من سكانها الأرمن إذ أن القوى و المنظمات الدولية التي أعمى البترودولار الآذربيجاني بُعد نظرها تتجاهل هذا الأمر و تعتبر صيغة "السلام مقابل الأرض" مقبولة، و صمَّـتْ آذانها لئلا تسمع صوت الحق بل خرخشة أوراق البترودولار فقط.
من المعروف ان أي دولة احتلال لا يسمح لها القانون الدولي بتقسيم الأرض المحتَلَّة و منح أراضيها الى كل من هبَّ و دبَّ من الجيران. فعلها السوفييت في ايام سلطتهم و سطوتهم لكسب رضا مصطفى كمال لإدخال الشيوعية الفتية الى تركيا حين اقتطعوا أرض آرتساخ (غاراباغ) و دمجوها في آذربيجان بجرة قلم. فعلتها بريطانيا حين اخذت قضاء الكويت من بصرة العراق و اسست دولة جديدة و كيان جديد. و فعلتها بريطانيا ايضا حين أسست دولة اسرائيل حسب وعود إلهية نزلت على وزارة خارجيتها. فعلتها تركيا حين احتلت شمالي قبرص و أسست دولة و كيان تعترف هي فقط بوجودها. و الأمثلة كثيرة لا تُحصى.
تصدِّر اسرائيل الأسلحة الى آذربيجان التي اصبحت مثل التلميذ النشط يأخذ كل حرفٍ يخرج من فم مدرِّسه، فأضحت آذربيجان تطبق ما طبَّقته معلِّمهُا في حق المغبون حقه.
في تصريح لرئيس وزراء أرمينيا ان "صيغة الأرض مقابل السلام تشبه معاهدة ميونيخ التي شرعنت الأحتلال النازي لأجزاء من جيكوسلوفاكيا ... نتذكر جيداً ما أفضت اليه مؤامرة ميونيخ ... و السؤال، هل سيسمح العالم الآن بظهور هتلر جديد في آسيا الصغرى هذه المرة؟"