النمط الإيطالي من بناء الدولة القومية في التاريخ الحديث (1)

عبدالله تركماني
2020 / 10 / 19

جاءت الوحدة الإيطالية كرد فعل مباشر على الأطماع النمساوية في شمال إيطاليا، فبعد هزيمة نابوليون بونابرت استرجعت النمسا مقاطعة لمبارديا التي كانت إمارة إيطالية منذ عام1713، وحصلت على البندقية أيضاً، وبذلك أصبحت النمسا، بفضل استيلائها على ساحل كبير من شاطئ الأدرياتيك، دولة بحرية. أما بقية الإمارات الإيطالية، فقد كانت في واقع الأمر تحت النفوذ النمساوي. ولما كان مترنيخ يحارب الوحدة الإيطالية ويعمل على أن تبقى إيطاليا تعبيراً جغرافياً فقط، فقد سعى لعودة حقوق الحكم إلى أصحابها الشرعيين، فأعاد ملك بيدمونت إلى مملكته، وضم إليه جمهورية جنوى القديمة، وأُعيدت نابولي إلى ملكها القديم فريدناند الرابع الذي تربطه بالنمسا روابط سياسية ومذهبية. وهكذا، نجح مترنيخ في أن يقضي- إلى حين – على المطامح القومية في إيطاليا، ولكنه لم يستطع أن ينتزع الفكرة من رؤوس الوطنيين الإيطاليين.
وقامت ثورات تطالب بالإصلاح في مختلف الإمارات الإيطالية في عام 1848، ولكنها لم تصادف نجاحاً كاملاً، لأنها لم تكن ثورة موحَّدة، بل كانت عدة ثورات يقود كلاً منها زعماء محليون لأغراض محلية. ثم أخذت النزعة القومية الإيطالية تنمو باضطراد، حتى تولت إمارة بيدمونت زعامة الحركة، وكان ملكها شارل ألبرت من أسرة سافوي، يميل إلى شعبه، فمنحه لوناً من الحكم الدستوري، وقاده لمحاربة النمساويين الذين كانوا يحكمون لمبارديا على حدوده الشرقية، وعندما انهزم تخلّى عن العرش لابنه فكتور إيمانويل.
لقد تعاون الملك الجديد مع الزعيم السياسي كافور (1810-1861) (1) الذي تولى قيادة حركة الوحدة الإيطالية، فاتجهت سياسته إلى توحيد إيطاليا تحت تاج آ ل سافوي. وقد درس كافور أخطاء الثورات التي قامت في إيطاليا، واستخلص منها أنّ الوحدة لن تتم إلا بتحقيق ثلاثة أهداف: أولها، تقوية إيطاليا. وثانيها، الاستعانة بدولة من الدول الكبرى في تأييد الحركة الإيطالية تأييداً فعالاً (2). وثالثها، أن يعمل على ضمان أمن الإيطاليين الذين كانوا يهدفون إلى تأسيس جمهورية إيطالية.
حقق كافور هدفه الأول بتقوية بيدمنت من الناحية الاقتصادية، ونشطت فيها حركة التجارة والصناعة والزراعة، وأبرم عدة معاهدات تجارية مع الدول الأخرى، واعتنى بتسليح الجيش وتدريب ضباطه، وسهّل للأحرار اللاجئين من أنحاء إيطاليا أن يلوذوا بحكومة بيدمنت فراراً من الاضطهاد.
كما حقق هدفه الثاني بضمان تأييد فرنسا، وعلى رأسها الإمبراطور نابوليون الثالث، لحركة الوحدة الإيطالية، وعقد معاهدة مع فرنسا في شهر ديسمبر/كانون الأول 1858، تعهدت بموجبها:
(أ)- أن تساند مملكة بيدمونت بـ 100 ألف جندي إذا أعلنت النمسا عليها الحرب، خلال الأشهر الثلاثة القادمة، بما يعنيه ذلك من أنّ على بيدمونت استفزاز النمسا قبل أن تنتهي المدة المتفق عليها.
(ب)- أن تتنازل بيدمنت لفرنسا، مقابل هذه المساعدة، عن نيس وسافوي.
(ج)- أن تتابع الدولتان الحرب حتى تتحرر إيطاليا من النمسا.
وفي أوائل عام 1859 تمكّن كافور من إثارة النمسا واستفزازها، فأرسلت إنذاراً إلى بيدمنت، فأعلن نابوليون الثالث الحرب على النمسا، واحتلت الجيوش الفرنسية لمبارديا، ونتج عن ذلك صلحاً فرنسياً - نمساوياً ينص على ضم لمبارديا، فيما عدا فينيسيا، إلى مملكة بيدمنت. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل قامت ثورات في الإمارات الصغيرة في وسط إيطاليا تطالب كلها بالاتحاد مع بيدمنت.
أما بالنسبة للهدف الثالث، فقد استطاع كافور أن يضمن دعم الزعيمين مازيني وغاريبالدي. إذ إنّ مازيني كان قد أسّس حزب " إيطاليا الفتاة "، ونادى بالقومية الإيطالية الواحدة، وكان دائما يقول: " إنّ النمسا لا تستطيع أن تستمر في حكم أمة تتألف من عشرين مليون نفس "، وعلى الرغم من أنه لم يوفَّقْ إلى تطبيق مبادئه، إلا أنه ظل يقول للشباب " بشّروا بالفكرة، أظهروا نورها للشعب، عوّدوه على تقديسها "(3).
وفي عام 1860 قاد غاريبالدي أتباعه، من لابسي القمصان الحمراء، لتحقيق الوحدة الإيطالية، وسرعان ما انضمت جميع الإمارات الجنوبية إلى الحركة ونادت كلها بوحدة إيطاليا. وبعد أن كان غاريبالدي زعيماً للجمهوريين أصبح من دعاة الملكية الإيطالية، وأعلن ولاءه وولاء الجهات الإيطالية كلها للملك فيكتور إيمانويل، الذي أصبح ملكاً على إيطاليا الموحَّدة في عام 1860.
بقيت روما والبندقية وحدهما بعيدتين عن المملكة الإيطالية الجديدة، ولكن لم يستمر هذا الابتعاد طويلاً. ففي سنة 1866 أعلنت بروسيا الحرب على النمسا، فانضمت إيطاليا إلى بروسيا ضد عدوتها القديمة، ونالت البندقية مكافأة لها بعد النصر البروسي على النمسا. وفي عام 1870 بدأت الحرب البروسية - الفرنسية، فسحب نابوليون الثالث الحامية الفرنسية التي كانت تضعها فرنسا في روما لحماية بقايا ممتلكات البابا، وسرعان ما دخلت القوات الإيطالية روما، وأعلنتها العاصمة الكبرى للدولة القومية الإيطالية.
وبسبب الأهمية الكبيرة لأفكار مازيني (1805-1872) ودورها في تحقيق الوحدة الإيطالية، فإننا نتوقف عندها للتعرّف على سماتها الرئيسية. إذ يُعتبر أحد خيرة ممثلي المدرسة القومية الليبرالية والرومانسية، إنه قومي إيطالي، ومنفي أبدي، ومتآمر عنيد. ظل وفيّاً لقناعاته الجمهورية، وما فتئ يندد بمكيافيلية كافور، حتى بعد تحقيق الوحدة الإيطالية.
لقد كان مازيني قومياً إيطالياً، ولكنه ذو هوى أوروبي (4). وهو يدعو إلى الاعتماد على الشعوب، وليس على الملوك، من أجل بناء عهد العدالة والسلام. فقد كان فكر مازيني مثالياً ودينياً بعمق، فهو يعتقد بالتقدم والإنسانية وانصهار الطبقات الاجتماعية والإخاء الانساني وكرامة الشعب السامية، ولا يعتقد بصراع الطبقات ولا بالتناقضات بين الأمم ولا بتأثير الاقتصاد على السياسة، مما جعله يتناقض مع الماركسية بشكل واضح. ومما كتبه: " إنّ الدين والسياسة لا يفترقان، فالعلم السياسي بلا دين لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الاستبداد أو الفوضى" (5).
لقد انتمى مازيني إلى عصر الرومانسية، وكانت ثورات عام 1848 في أوروبا عامة، وفي إيطاليا خاصة، أمله الأسمى وهزيمته الكبرى في آن واحد. فقد انقضى زمان الأحلام الرومانسية في الإخاء الإنساني الشامل، وتكونت الدول القومية وتجابهت، وبدأ عصر جديد من المجابهات القومية، إنه عصر القوة. وهكذا، فإنّ إيطاليا حققت استكمال وحدتها القومية، خلال الأعوام 1861-1889، بإرادة شعبها وبالدور الذي لعبه مثقفوها، وبمقاومة العدو الخارجي الذي كان يحتل جزءاً من أراضيها، وبالاستفادة من التناقضات الأوروبية، وبصياغة مفاهيم جديدة للنهضة، تتيح للأمة أن تتوحد على أسس حضارية ديمقراطية وعلمانية (6).
الهوامش
1- ولد كافور من أسرة عريقة في مملكة سردينيا، تعلّم بالمدارس الحربية، وسافر إلى سويسرا وفرنسا وانكلترا، فوسّع السفر أفقه الفكري، وسرعان ما أصبح من الزعماء الأحرار الذين يعملون من أجل استقلال إيطاليا والقضاء على الحكم النمساوي لأراضيها، وأسّس صحيفة اسمها " البعث "، وفي سنة 1852 أصبح رئيساً للوزراء في سردينيا.
2 - من أجل ذلك انضم إلى بريطانيا وفرنسا في الكفاح ضد روسيا في حرب القرم، مما سمح له أن يطرح في مؤتمر الصلح، الذي أعقب حرب القرم، ما تلقاه إيطاليا من عسف وظلم النمسا.
3 - د. البطريق، عبد الحميد: التيارات السياسية...، المرجع السابق، ص 34.
4 - يتضح ذلك من كتابه المنشور في سنة 1849 تحت عنوان " التحالف المقدس للشعوب ".
5- توشار، جان: تاريخ الأفكار...، المرجع السابق، ص 228.
6- د. حاطوم، نور الدين: (التجارب الوحدوية والتكاملية في العالم) - عن: مجلة شؤون عربية - جامعة الدول العربية - تونس، العدد (43) -سبتمبر/أيلول 1985، ص 215.