تشريح الجهاز المناعي الفكري لبني البشر

مصعب قاسم عزاوي
2020 / 10 / 18

حوار أجراه فريق دار الأكاديمية مع مصعب قاسم عزاوي

فريق دار الأكاديمية: ما هي الطريقة الأكثر نجاعة في تقوية الجهاز المناعي الفكر للمواطن العربي بحيث يتمكن من تفكيك أدوات الدعاية السوداء، وإبطال مفاعيلها من قبيل استقالة العقل الفردي والجمعي التي أشرت إليها؟

مصعب قاسم عزاوي: من الصعب دائماً تقديم نصيحة شاملة جامعة مانعة، فالواقع اليومي المعاش يختلف حسب كل حالة فردية وشروطها الذاتية والموضوعية المرافقة لها. ومن الصعب أيضاً في الكثير من الأحايين الحفاظ على العقل السليم حينما يعم الجنون، فيصبح الخطل والشواه الحالة العمومية الطبيعية في المنظار الجمعي، وخاصة حينما يتعلق ذلك بالغرائز البدائية الانفعالية التي يعززها إحساس الفرد بالخطر الوجودي الداهم المرافق له كظله ممثلاً بهراوات العسس ووشايات البصاصين وأحابيل مرتزقة الدول الأمينة.

وقد يستقيم للإجابة على ذلك السؤال المتعرج الاتكاء جوهرياً على مبدأي الصبر والمصابرة في الحقل الفكري، كما هو الحال الذي أدمنه كل المواطنين العرب مشارقاً ومغارباً في حيواتهم اليومية المضنية على اختلاف أشكال وتلاوين ذلك الضنى المقيم. ويهدف نهج الصبر والمصابرة هنا على تبني نموذج من التفكير النقدي الرافض لمبدأ استقالة العقل، والتحول إلى مواطن مُرَوَّض عمقاً وسطحاً، منهجه العرفاني الأسمى «المشي بجوار الحائط والدعوة بالستر» فقط. وذلك فعل إرادي واع لا خيار بديل عنه في مقاومة أي سلطة فكرية تحاول السيطرة على النهج الفكري لأي فرد بغض النظر عن ظروفه الذاتية والموضوعية الخاصة. وذلك المنهج هو حجر الزاوية في المدرسة الأكثر نجاعة في العلاج السلوكي على المستوى الكوني ممثلة بمدرسة العلاج المعرفي السلوكي Cognitive Behavioural Therapy والتي تستند في جوهر منهجها على مبدأ عمومي وعلمي فحواه أن العقل البشري يمتلك حمولة استثنائية من قدرات التكيف مع الضغوطات النفسية والمعرفية والفكرية، والسبيل الوحيد لاستنهاض تلك القدرات هو حض العقل بشكل واع على التفكر والتأمل في كل مسألة ومعضلة وقرار يتوجب اتخاذه بشكل عميق يمكن العقل نفسه من إيجاد الحلول للمشكلات التي يواجهها بالشكل الأمثل له، ولصحته النفسية، دون الوقوع في أسر الانفعالية والاستكانة لما قد يبدو بأنه السلوك المقبول أو الأشيع اجتماعياً لمواجهة تلك المعضلة.

وفي الحقل الاجتماعي العياني المشخص، لا بد من اتخاذ قرار إرادي بالخروج من شرنقة الذات الضيقة التي يمثل الانحباس فيها ضالة كل النظم الاستبدادية الأمنية سواء بشكلها الفظ الفج عربياً أو بنموذجها المزوق المنمق غربياً، ومحاولة إعادة تلمس قيمة ومعنى التواصل الإنساني الفعال والإيجابي المعطاء بين الفرد ومحيطه الاجتماعي، والتي تمثل الجوهر الفطري لكل البشر، والوسيلة الوحيدة التي تمكن بها الجنس البشري من التغلب على هزاله الجسدي في مواجهة ضواري الطبيعة وعسف ظروفها البيئية. وكمثال مبسط على الأهمية القصوى لتلك الأطروحة الفكرية العلمية في آن معاً، لا بد من الإشارة إلى أن المليارات من البشر في كل أرجاء الأرضين يدمنون على التدخين ضالتهم الوصول إلى حالة من «المزاج المرتفع» عبر زيادة مستوى الناقل العصبي الدماغي «الدوبامين» من خلال فعل النيكوتين الموجود في التبغ على أدمغتهم، وهو «الدوبامين» نفسه الذي يرتفع بشكل طبيعي وإلى مستويات أعلى من تلك التي يحققها التدخين في دماغ المدخن عند قيام أي إنسان بفعل إيجابي على المستوى الاجتماعي، كمساعدة ملهوف، أو أي فعل يقع في دائرة التعاضد الاجتماعي، و هو الفعل الذي يتمتع بقدرة استثنائية على مساعدة من يقوم به على التلمس بشكل عياني مشخص لمعنى وجوده الإنساني، وتحقيق تلك الحالة من الرضا المعنوي و«المزاج المرتفع» التي يفتقدها كل أولئك المليارات من مدمني التدخين، لأنها ضالة البشر عضوياً وبيولوجياً خلال صيرورة تطور الجنس البشري عبر ملايين السنين، و التي إن لم يقدر لهم تلمس و تكشف قدراتها الاستثنائية المرتبطة عضوياً بمفاعيل التعاضد الاجتماعي بين بني البشر على المستوى النفسي، يصبحون فريسة سهلة و لقمة سائغة للإدمان على التدخين وغيره من العناصر الإدمانية الكارثية، لتلبية حاجة بيولوجية عضوية متبناة في أس تكوين الدماغ البشري و صيرورة الإنسان التطورية كحيوان اجتماعي بامتياز.

وعند تكشف الفرد سواء بشكل جنيني أو معمق للقدرة الهائلة للتعاضد الاجتماعي على مساعدة الفرد في إدراك معنى الوجود الاجتماعي للفرد وتحقيق ذاته معنوياً بشكل ملموس، مع الصبر والمصابرة على الالتزام بذلك المبدأ وعدم الارتكاس إلى الآليات المرضية الذاتية المبسطة في إشباع الحاجة العضوية المستمرة «للدوبامين» بالشكل السالف الذكر، تأتي المرحلة اللاحقة وهي الانخراط في سياق عقل جمعي، ونموذج تفكير جمعي مع أقران يتعاضد الفرد معهم اجتماعياً ويتفقون فيما بينهم حول منظار معين لتفسير علاقتهم بالمجتمع الأكبر الذي يعيشون فيه، وحدود التزاماتهم تجاه ذلك الأخير، وهو ما يعني بشكل مبسط انخراط الفرد في منظومة لمجتمع مدني يتفاعل فيها الفرد لحماية وتحقيق أهداف تلك المنظومة، بغض النظر عن بساطتها أو تعقيدها، و تقوم المنظومة بدورها في تشكيل سياج الحماية الفكري للفرد، و ميدان تحقيق ذاته بشكل عياني مشخص وحمايتها من التنكس.

وعلى المستوى الشخصي، يمكن للفرد أن ينخرط في محاولة لازمة ومبسطة للقبول فعلياً بأن «العقل الحر والمنطق سيدا كل الأحكام»، في علاقاته الأسرية و المهنية و الاجتماعية، وتدريب الذات على منهج فكري نقدي انعتاقي، لا يضيره الاعتراف بالخطأ، والتعلم منه، جوهره استدماج الحوار الحر حجر زاوية في كل أقنية التواصل مع الآخرين، دون التمترس أو التلطي بين تلافيف ما قد يبدو صحيحاً من الناحية الشكلية الاجتماعية، أو العرفية، أو غيرها؛ وهي خبرة ومنهج في مقاربة العالم بشكل نقدي حر من المفترض أن يكون للنظام التعليمي الدور الأساسي في توطيدها، ولكنه مع الأسف الشديد دور شبه معدوم التحقق في كل الأنظمة التعليمية على المستوى العالمي بدرجات مختلفة، لأسباب إيديولوجية تتعلق بتناقضها مع مصالح الفئات المهيمنة سواء بشكل استبدادي فج كما هو في الحالة العربية، أو بلبوس ديمقراطي شكلي كما هو الحالة في الغرب، و التي تعتبر «استنهاض العقل الحر وأدواته» الخطر الوجودي الأكبر على ديمومتها، إذ أنه الأداة الوحيدة التي تمكن الفرد الاجتماعي، من اكتشاف أسباب البؤس في حياته اليومية، والأدوات الاجتماعية الهائلة التي بمقدوره الإمساك بتلابيبها حينما يتحول إلى فرد اجتماعي ضمن «كتلة تاريخية» قادرة على إلغاء وتحييد كل أسباب وأدوات الهيمنة عبر فعلها الجمعي الذي أثبت التاريخ بأنه الطاقة الجبارة الوحيدة القادرة على إحداث التغيير الاجتماعي المنسجم مع مصالح البشر المتشاركين زمانياً ومكانياً في حدود ذلك المجتمع.