زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثالث عشر/ 2

دلور ميقري
2020 / 10 / 18

آل " شيخي "، فرع من عشيرة جمّو؛ مثلما الأمر مع ذلك الفرع، " عليكي "، المنتمية له زوجته. صبيح ( ابن عمة جمّو )، ينتمي للفرع الأول من ناحية الأب. ابنتا عمه، لم تكونا سوى الشقيقتين، بدرو وفاطي. عندما كان عازباً، توقع الأقاربُ أن يتقدم لخطبة الكبيرة فيهما. لكن قلبه مال آنذاك إلى رابعة، ابنة خاله، التي تكبره بنحو خمسة أعوام ومتفتحة عن جمال رائع. وكانت هيَ تعتبرُ ميله لها بمثابة دعابة سمجة، فلا تطيق سماعها على لسان أمها أو شقيقتها. طيبته، لعلها كانت خصلته الايجابية، الوحيدة. برغم أنها أحيلت من البعض، أحياناً، لما فيه من سذاجة وخفّة. ربما كان يعوّلُ، بشأن رابعة،على صداقته الوثيقة لشقيقها الأصغر. ما كان آنذاك يعلمُ هذه الحقيقة، التي انتقلت همساً بين العديد من الأقارب؛ وهيَ أن الفتاة لو تُرك لها الاختيار، لما تمنّت غير ابن الجيران الأقرب، بَدو. وعلى أيّ حال، طويت القصة برمتها حينَ رُفضَ هذا الأخيرُ من قبل الحاج حسن. ثم أسرع الحاج بتزويج ابنته لأجيرٍ يعمل في النول، المملوك لابنه سلو. قنع بَدو بنصيبه، فانسحبَ من الحلبة خائباً، وما عتم أن وجد شريكة حياته في إحدى قرى القلمون، أينَ خدمَ كعنصر في سلاح الدرك. وهذا كان حال زميله في السلاح، صبيح، الذي خطبوا له فتاة من الصالحية؛ ويُقال أنها كانت آية في الجمال.
ثمة قصة أخرى، محزنة، تواشجت مع ذلك الفرع من العائلة. نظيرة، الخالة الكبرى لبيان، والتي توفيت قبل ولادتها بنحو ثلاثة عقود، سبقَ أن سببت انشقاقاً خطيراً في العشيرة لخاطر شخصٍ أحبته. ونعني رفضها لموسي ابن زعيم الحي، وكان من نتيجته رحيل أسرتها إلى موطن الأسلاف؛ ثمة أين قضت جميعاً في جائحة الريح الأصفر باستثناء آكو وريما. أما حبيب نظيرة، ابن شيخي، الذي اقترن بها لاحقاً، فإنه ما أبطأ بالكشف عن شخصيته، المتسمة بالتطفل والغل والكسل. توفيت قبيل وضعها الابن الأول، فما لبث الرجل أن اهتدى إلى ضحية أخرى؛ وهيَ زَري، الشقيقة الوحيدة للحاج. هذا الأخير، كما قيل، رضيَ بذلك الشخص المشبوه السيرة انتقاماً من كرامته، المهانة من لدُن الراحلة نظيرة. حياة كلها شقاء وذل، عاشتها زَري مع زوجٍ لم يشعر نحوها بالحب قط. لولا عملها في قطعة أرض بحوران، يملكها آل شمدين، لكانت ماتت جوعاً مع ابنيها. لكن نصيب الأسد من دخلها كان يقع بيد الزوج، المعتاد على صرفه على الغواني والحشيش أو يخسره في القمار. ثم ما لبث أن انتزع أسرته من مجال رزقها، ليعود بها إلى الشام بعدما اشتاق لرفقة السوء. غبَّ مقابلة عاصفة مع شقيق زوجته، سار بأسرته إلى الجبل، ليقيموا في المغارة السوداء. درءاً للفضيحة، اضطر الحاج إلى شراء بيت في الزقاق، يلم الأسرة العاثرة الحظ. ابن شيخي، توفي بعد فترة قصيرة، فكفلها الشقيقُ زَري مع طفليها لحين أن رحل بدوره عن الدنيا.

***
الفرع الآخر من آل شيخي، بقيَ عميدُهُ بمنأى تقريباً عن بقية العشيرة. علاوة على بدور وفاطي، رُزق الرجلُ بصبيين، " أحمي " و" معمو "، بفارق عامين بينهما. امرأته، جاءت أسرتها من مدينة بوطان إلى الشام الشريف، كون رأسها من علماء الدين. وقد تحدى أندادَهُ في المغترب بمزاعم انتساب سلالته، المباشر، للسلطان صلاح الدين؛ متخذاً كنية " الأيوبي ". الأنداد، من ناحيتهم، عُرفوا في الشام ب " الأشراف "، بما أنّ كلاً منهم ادعى صلة أسلافه بالدوحة النبوية. لكن أبناء عم سليل السلطان، احتفظوا بكنيةٍ تُحيل لاسم مدينتهم. كان منهم الشيخ " عبد الجليل البوطي "، الذي استقر في القسم الشرقيّ من الحي، كمؤذن وخطيب لمسجد سعيد باشا. فيما الشيخ " رمضان البوطي "، شغل نفس الوظيفة الدينية في غرب الحي، في مسجدٍ عُرفَ بكنيته. هذا الأخير، كان ما يزال في مبتدأ عقد الخمسينات على همّته في وعظ المريدين. وقد ترجم ونشر في دمشق، لاحقاً، مجموعةَ قصائدٍ صوفية لأمير الشعر الكرديّ، " أحمدي خاني ". ابنه، " محمد سعيد "، أخذ على عاتقه ترجمةَ ونشر ملحمة " ممو زين "، لنفس الشاعر.
بذرةُ الإلحاد، كان غريباً أن تظهرَ في أسرة ابن شيخي، بما علمناه عن المركز الدينيّ لأبي زوجته. استقلالية الابنتين وتفكيرهما الحر، توافقتا مع نشاط شقيقهما الأصغر، معمو، سواءً في النوادي القومية أو في الحركة الشيوعية. تحدي بدور وفاطي للتقاليد في مجتمع محافظ نوعاً ما، يُجيز لنا الافتراض بأن والدهما كان ضعيف الشخصية أو ربما العقل. وهذا في الوسع تتبعه إلى ابنه البكر، أحمي، الذي نشأ على شيء وافرٍ من السذاجة. ويلوح أنّ ثمة خللاً ما في جينات هذا الفرع من العشيرة، ما لو تذكّرنا أن صبيح ينتمي إليه من ناحية الأب. وسنضطر لاستباق الأحداث، لتأكيد فرضيتنا، بالاشارة إلى كون كلّ من الشقيقين، أحمي ومعمو، وُجِدَ بين أبنائه من عانى المرضَ النفسيّ: أكبر أبناء أحمي، تعايش لفترة طويلة من شبابه مع عقدة نفسية عميقة، قيل أن سببها ما نمّ إليه عن مسلك الأم. بينما أصغر أبناء معمو، دمّرَ صحتَهُ النفسية بالسطو على الحبوب، الخاصة بعلاج ابن عمه نفسه ( وكان يعيش معهم في البيت )، لينتهي به الأمر إلى الانتحار بطلقة من مسدس الأب.