رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب

محمد ناجي
2020 / 10 / 18

رأي وحوار عن المثقف العراقي … الدور والمسؤولية والخطاب (١)

واجه العراق ويواجه اليوم أزمات وتحديات خطيرة سياسية/اجتماعية/اقتصادية/ثقافية ، تهدد حتى وجوده ، وفي كل هذا لاشك أن للمثقف دور وعليه مسؤولية ، فهو المنتج للفكر والأدب والفن والعلوم والرأي أيضا ، وليس عبثا أن يسمى (ضمير الأمة - صانع الرأي) . ولتجاوز الدخول في موضوع تعدد وتغيّر (تعريف المثقف) ، لذا نوجه السؤال انطلاقا من تعريفك وفهمك للمثقف ودوره ،

١ هل ترى أن المثقف العراقي اليوم بمستوى دوره ومسؤوليته ؟
٢ بعيدا عن تأطير الابداع ، هل ترى ضرورة لوجود خطاب ثقافي عراقي عام في ظل فوضى المواقف والمفاهيم المشوهة ؟

(١) المشاركة عامة ومفتوحة ، نستهلها بوجهة نظر الباحث والصحفي يوسف محسن

محمد ناجي
[email protected]

********



يوسف محسن / باحث من العراق

التعريف الاولي للمثقفين/ المثقف انهم لا يشكلون طبقة اجتماعية أو مؤسسة سياسية، وإنما هم منتجوا الأفكار وصانعوا الرأي العام وممثلو التيارات الفكرية، والأدبية، والثقافية، أو هو الإنسان المنتج للمعرفة المنظمة . الذي يهدف ، وعبر هذه المعرفة إلى تحقيق دور ثلاثي الأبعاد : بعد معرفي محض يتعلق بتخصصه الحقلي ، وبعد نخبوي يتعلق بمجتمع التخصص أو مجتمع الحقل المعرفي الذي يشتغل فيه المثقف تماثلاً مع أقرانه ، وبعد مجتمعي واسع يتحرك المثقف عبره داخل المجتمع العام ليتداول خطاب معرفته في أوساط هذا المجتمع بالانطلاق من مرجعيات فكرية ، أو اعتقادية ، أو أيديولوجية ، أو جمالية . والان دعنا نقول هل يوجد في المجتمع العراقي فئة مثقفون ؟ أو مثقف ؟ انا اشك في الامر برمته ؟ أما تكرار مفردة ( العراق ) في السؤال اذن انت تسأل عن اي عراق ؟ العراق مكان غامض غير مكتمل الوجود والكيان .

بعد العام 2003 وانهيار الدولة الشمولية حدث انفراج نسبي وتنازل الدولة عن الهيمنة على المنظمات الثقافية ، ولكن ما جرى كان (بغيض) حيث تماهي المثقفون العراقيون مع الأيديولوجيات القومية والطائفية والاثنية والتركيبات الاجتماعية السفلى من المجتمع العراقي وهو انعكاس للخطابات السياسية التي تشكل الفضاء العام للمجتمع العراقي ، فقد حددت طبيعة المجال السياسي أن الديمقراطية كمفهوم وآليات تعني تماثل الدولة مع أصالة المجتمع العراقي (المخترع سياسيا) من قبل هذه الجماعات وتم إعادة هيكلة المجتمع عبر آليات الهوية والأصالة والتفرد في المخيلة الأيديولوجية والتمركز حول الذات .
حيث أن هذا المثقف إنتاج مجتمع يعاني أزمة التكوين والتشظي الشديد والتمركز حول هويات ومرجعيات فكرية تتراوح بين التعايش والنزاع منغمساً في شبكة الروابط القبلية والأسرية والدينية الأصولية .
نتساءل هنا عن السبب الكامن حول عدم تشكل المثقفين العراقيين كقوة تنويرية في المجتمع العراقي على الرغم من التمزق السياسي والانهيارات الاقتصادية والاجتماعية والولادة العسيرة للدولة الطائفية ؟ ولماذا لم يظهروا مشروعاً أو نسقاً ثقافياً أو سياسياً للخروج من هذه الأزمات الدورية للمجتمع العراقي ؟ قد نجد الإجابة بشأن هذه الأسئلة ضمن سيرورات تكوين فئة المثقفين العراقيين والمرتبطة بشكل ما بأزمة تكوين البنيات الاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية ، وهشاشة الدولة العراقية منذ التأسيس الأول ، وعدم تبلور الطبقات الاجتماعية ، والبنى المؤسساتية ، فقد استقر تاريخ المثقفين العراقيين منذ وقت مبكر على تقريظ الدولة ، قانعين بتحمل السلطة الاستبدادية أو الفاشية باسم الضرورات التاريخية أو باسم الهوية أو باسم الأعداء المفترضين للدولة ، وأخذت هذه الفئة الاجتماعية تردد الكلام الأسطوري للسياسي العراقي وهذا مرتبط بوظيفتها التبريرية فمن العسير الاعتقاد بأن تاريخ المثقفين العراقيين ، يتعارض جذرياً مع السلطة السياسية التي عرفها تاريخ العراق ، إنما كانوا يتماهون معها مشكلين قوتها الأيديولوجية المسلحة ، ولم تجر حتى الآن عملية تدوين أو جرد حساب أولي للتاريخ الحقيقي لهذه الفئة والتي هي عملية مزدوجة تأخذ مسارين ، المسار الأول : قراءة البنيات الاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية للمجتمع العراقي . والمسار الثاني : نقد الأوهام ، والأساطير التي قامت هذه الفئة بصناعتها ، وأدت إلى تزوير واختلاق وتحريف في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي للمكونات العراقية ، والتي لا يمكن تبريرها طوال ثلاثة عقود وعلى المدى القصير في الحكايات التاريخية والجغرافية والسياسية والشعرية والقصصية والروائية والمسرحية والاجتماعية ، ونقد الجذور النظرية والمعرفية لهذا الكتابات ذات الأبعاد الفاشية والتي تم إنتاجها داخل تمثيلات النظام الثقافي العراقي .

حدث 2003 يمثل زلزالا هز منطقة شاسعة من العالم . صاحبت هذه العملية تغيرات فكرية وسياسية في أنماط الهيمنة ، وتحديث التاريخ العالمي . لم يستطع المثقفون العراقيون إقامة منظومة منهاجية متمركزة حول الذات ، ولم يخضعوا لهذه التحولات الضخمة وهم يفتقدوا للهويات المتعددة للعالم الواقعي والسياسي حيث أنهم مرهونون إلى الآباء والأسلاف والأخلاقيات الريفية والترهات اللاعقلانية والعصبيات العتيقة وخرافات الدولة الريعية .
هل استطاع المثقفون العراقيون فحص السياسات والبرامج والمناهج الثقافية والتربوية أو مراجعة النموذج الثقافي التداولي ؟
أو تفحص القيم السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والممارسات اللاعقلانية للطوائف والأديان والأحزاب السياسية ؟
هل استطاع المثقفون والنخب الفكرية ، تقديم أطروحات بشأن صياغة الدولة الدستور ، المجتمع ؟
هل استطاع المثقفون أن يتشكلوا كقوة سياسية ، معرفية ، ثقافية ؟
هذا باعتقادي يعود إلى اضمحلال الوعي السياسي النقدي لفئة المثقفين العراقيين ، فبقي المثقف العراقي يلعب دور المروّج السياسي والشارح الثانوي لخطاب السلطة السياسية أكثر من أن يكون منتجاً للمعرفة الفكرية والسياسية والاقتصادية . فالمثقف العراقي يدافع عن سلطة الحزب أو الجماعة الاثنية أو القومية أو الطائفية بوصفها الحقيقة المطلقة ، مندمجاً بقوة مع التاريخية التقليدية للقوى الاجتماعية العراقية وتحت وطأة التكوينات ما قبل الدولة ، والتي هيمنت على المشروع السياسي العراقي . اختفى الدور الكبير للمثقفين العراقيين ، اقصد (الدور التنويري) فهم اخذوا يقدمون توصيفات دينية أو طائفية ويشكلون أساطير أخرى وكاريزمات أخرى ليدافعوا عن مجتمع افتراضي وأهداف افتراضية أسطورية ، ولم يمارسوا الدور النقدي للمؤسسات الطوطمية الدوغمائية الكامنة في النسيج الاجتماعي للمجتمع السياسي العراقي ، لكون العراق دولة ريعية فهو المفتاح لفهم ظهور ظاهرة المثقفين الرعويين في المجتمع العراقي واضمحلال النزعات النقدية . إن هذه الظاهرة واقعة اجتماعية – عينية ملموسة متجذرة في التاريخ العراقي ، حيث ان استجلاء تأثيرات المجتمع العراقي مرتبطة بمعرفة أوليات ومكونات التاريخ الذهني للمثقفين العراقيين ومصادر تكوينهم المعرفي ، والتي هي خليط من الثقافات العتيقة – والأساطير والمعارف التقليدية والاستعارات الثقافية الغربية والتركيبات والصور التي تكونت عبر التنشئة الاجتماعية القهرية . هذه المصادر لم يتم إخضاعها إلى الفحوصات النقدية ، حيث تحمل داخلها عنصر الانشقاقات في حقل الوعي الاجتماعي ، وهي التي تحكم البنى الذهنية لجماعة المثقفين العراقيين ، فهم دائمي التمحور حول شخصية كاريزمية أو تحت ظل جماعة عصبوية ، غير متمكنين من إنتاج ذاتيتهم الفردية ، (انه جزء من قطيع غير مكتمل) يفتقد للمولد المنهجي للانشاءات المعرفية . تسود داخل هذه الأوساط جميع الأشكال البنيوية للعصبيات (الطائفية – القرابات – المحسوبية – المناطقية) أو هي رواسب بدوية معقدة ذات طبيعة استحواذية . ان هذه البنية الذهنية المهيمنة أصبحت مفهومة وبشكل عقلاني لأنها مشفوعة بكل تسويغات التاريخ ، فبعض منهم يعول على مؤسسات الدولة الرعوية في تخصيص مكارم ومكافآت وهبات ، وبعض آخر يجد تطميناته في القائد المخلص الذي يقود القطيع نحو النور السماوي ، وثمة آخر يعيد إنتاج المستبد العادل ، والذي تحفل به التراثيات العربية والإسلامية . وقد يبدو التساؤل مريباً ويحمل كثيراُ من المكر التاريخي ، لماذا لم يحقق المثقفون العراقيون قطيعة معرفية أو فطاماً مع المؤسسة الثقافية السياسية ؟ ولماذا تقوت هذه الفئة نفسها على مكارم السياسة العراقية ؟ ولماذا لم تكن تلك القطيعة ممكنة نسبياً في الحقل التاريخي للمجتمع العراقي ؟