شرح كتاب فريدريك نيتشه [هكذا تكلّم زرادشت]21 ((عَنْ الصنم الجديد))

إبراهيم جركس
2020 / 10 / 18

شرح كتاب فريدريك نيتشه
[هكذا تكلّم زرادشت]21
((عَنْ الصنم الجديد))

هذا القسم عبارة عن نقد لمفهوم الدولة التعددية الحديثة، إذ يُقارن زرادشت ذلك مقدّماً بكلٍ من "الشعب" و"القطيع". سنتحدّث عن الشعوب ومفهوم الشعب بمزيد من التفصيل لاحقاً. أمّا مصطلح نيتشه سيء السمعة "القطيع" فقد تمّ استخدامه في الديباجة في القسم الخامس. ونظراً لأنّ المصطلح المستخدم هناك كان وصفاً للبشر الأخيرين _لكن تمّ استبداله هنا "بالدولة" _من الواضح أنّ نقطة زرادشت هنا ليست تاريخية بشكل مباشر. وهذه المصطلحات الثلاثة ليست مجرّد فترات خلال مراحل تطوّر الإنسان في المقام الأول، بل ثلاث طرق لتوصيف الأنطولوجيا الاجتماعية للجماعات البشرية. يقول نيتشه عن مفهوم الدولة في الشذرات التي نُشِرَت بعد وفاته في الكرّاس 8NV، الشذرة100 ((أصدقائي، إنني أبغض الدولة: "أنا المعنى" تقول الدولة، المعنى الذي يلطّخ بالعار الإيمان بالحياة)). ويتابع المترجم علي مصباح في هامشه ((يعود نيتشه إلى مفهومه للدولة في سياق تحليله لنشأة تأنيب الضمير لدى الإنسان، في كتابه "جينيالوجيا الأخلاق"، المطارحة الثانية، فصل: الذنب وتأنيب الضمير وأشياء أخرى مشابهة، الفقرة 17: (إنّ تأطير مجموعات سكّانية كانت إلى حَدّ اللحظة غير مقيّدة وغير منتظمة داخل شكل قار، وكيف تاسّست بدايته في عملٍ عنيفٍ وكيف مضى به أصحابه إلى نهايته عبر أعمال عنف شديدة _بحيث أنّ أقدم "دولة" قد عرفت بدايتها وفقاً لذلك كشكل من الاستبداد الشنيع وآلة قَهر طاحنة لاتعرف الوَرَع، وعلى ذلك المنوال واصَلَت عَمَلَها إلى أن انتَهَت تلك المادة الخام للشعب، ذلك الصنف الشبيه بالحيوان لا إلى التحوّل إلى عجينٍ مُطاوِع ومطيع، بل أن غَدَت متشكّلة أيضاً... على هذه الشاكلة بدأ وجود الدولة فوق الأرض: لقد تخلّصنا على ما أعتقد من ذلك الحلم الموهوم الذي جعلها تبدأ بـــ"تعاقد" [يقصد العقد الاجتماعي عند روسو]).

يحتوي وصف زرادشت للدولة على أربع سمات رئيسية محورية: أولاً، الدولة تكذب، إنّها تتظاهر بأنّها شعب، لكنها تستخدم مزيجاً من "لسان الخير والشر". وهذا معناه أنّ الدولة لاتحتوي على مجموعة من القيم المحَدّدة ذات الجذور التاريخية والفيزيولوجية المشتركة، بل تقبلهم جميعاً (حالة تعددية) أو ربما تصيغ أو تشكّل مجموعة مصطنعة خالية من أي عقل (يمكننا أن نسمّي ذلك بالدولة المُستنيرة، أمّا المجموعة المصطنعة من الفضائل فقد جرى هجائها والسخرية منها في الجزء الأول، القسم الثاني)، لكنها _الدولة_ كانت تنادي طوال الوقت بأنّ هذه هي إرادة الشعب. وهذا جزء ممّا يدور في ذهن نيتشه لاحقاً في المقطع الذي يتحدّث فيه عن "سرقة الثقافة". ويقول عن الدولة واستلابها لمفهوم الشعب في شذراته، الفقرة88 ((يسمّون أنفسهم بالشرعيين وأصدقاء الشعب أو أهل الصلاح والعَدل، أو المستقلين... لكنهم جميعاً يفوحون عفونَةً)). ثمّ في الشذرة 8V: 90 ((إذا كانوا يمتلكون قوّةً فإنّهم يكذبون بضمير لايعرف القلق، أمّا إذا كانوا بفتقرون إلى القوة فإنّهم سيكذبون مع قلق في الضمير، ولكن كذباً أكثر)).

ثانياً، سواء أكانت الدولة تعددية أو مستنيرة، نظراً لأنّ هذه القيم لاتنبع من أي شكل حقيقي من أشكال الحياة، فإنّها تدلّ على المرض وإرادة الموت. وبالمثل، فإنّ الدولة موجودة لتجنيد و"ابتلاع" أكثر من اللازم، أولئك الذين سَئِموا الحياة والذين أسقَموها. وهكذا، يُقال أنّ ظاهرة الصحف والمجلّات ماهي إلا نتيجةً لعجز ما هو فائض عن اللزوم على أن يكون كائناً حياً فعّالاً ويعمل بشكل صحيح.

ثالثاً: إنّ الدولة لاتهتمّ فقط بالكثير أو الفائض عن اللزوم. فمن أجل أن ((يتدفّأ بشمس الضمير الهنيء _ذلك الوحش البارد)) وبالتالي "يستدرجهم" ويغويهم، أي أنّ الدولة/الوحش تسعى لرشوة حتى أولئك البشر من مرتبة أعلى: ((الأبطال والشرفاء)).

ثمّ يطرح نيتشه فكرته عن النسبية القيمية إذ يقول ((كلّ شهبٍ يتحدّث بلسان خيره وشرّه الخاص: وهذا اللسان لايفهمه جاره. فلُغَته قد صاغها لنفسه في الأعراف والشرائع)). هذه النسبية القيمية وآليات اشتغالها نجدها مفصّلة أكثر في شذرات سنة 1887: ((هناك إذاً إرادة قوّة هي التي تعبّر عن نفسها من خلال تاريخ الأخلاق، ويكون العبيد المُضطهدون تارةً، وتارةً الفاشلون والذين يعانون من تحمّل ذاتهم، وتارةً أخرى الرديئون، هم الذين يحاولون أن يفرضوا بواسطتها القيم التي تكون أكثر تلاؤماً مع مصالحهم)).
يضع نيتشه في ذهنه الطريقة التي سَعَت فيها النزعة القومية الألمانية البسماركية لإضفاء الشرعية على ذاتها عن طريق تتويج نفسها كراعية للفنون، حيث استدرجت أو أغوَت الموسيقار ريتشارد فاغنر (الذي كان نيتشه متأثّراً به كما تأثّر بشوبنهاور، ثمّ رفضهما رفضاً قاطعاً فما بعد). ليكون خادماً مطيعاً للدولة. كما يدّعي أيضاً أنّ الدولة الجديدة قد تكون علمانية، لكنّ هذه العلمانية هي مجرّد مظهر آخر لدُعاة الموت، الذين ظهروا في السابق كدين... هذا الإغواء أو الاستدراج للأرواح العظيمة هو شكل آخر من أشكال سرقة الدولة للثقافة.

رابعاً: تتميّز الدولة بالتوق العميق لنوع معيّن من الهيمنة: الهيمنة السياسية على الآخرين، ولا علاقة لها بأي حال بمراكمة الثروة (نتيجة لذلك، فإنّ "الفَقر الصغير" هو الطريق إلى الحرية: فامتلاك ممتلكات شخصية وخاصّة هو جزء من نظام القردة العليا التي تتسلّق فوق بعضها البعض للوصول إلى العَرش). ثمّ يقول في كتابه :إنساني مفرط في إنسانيته"، فصل المسافر وظلّه، فقرة 209: ((أنَخجَل من الثروة _إنّ زمننا لايسمح إلا بنوعٍ واحدٍ من الأغنياء وهم أولئك الذين يخجلون من ثَرَواتهم. وعندما يسمع المرء عن واحدٍ بأّنه "غنيّ" فإنّه يشعر مباشرةً بإحساسٍ تجاهه شبيه بذلك الذي ينتابه لرؤية مريض ذي وَرَم مقزّز أو سَمَانَة أو استسقاء [بالمعنى الطبّي])),

إلا أنّه يخبرنا زرادشت مرّةً أخرى أنّنا لم نضيّع كل شيءٍ بَعد: ((مايزال هناك مجال حياة للأنفس العظيمة)). كما جاء تماماً في الديباجة، القسم الخامس ((مازال لديكم شيءٌ من فوضى في داخلكم))، لذا فإنّ نقد الثقافة أو السياسة الحديثة ليس نقداً تشاؤمياً أو عَدَمياً كما يظنّ الكثيرون. في الحقيقة لقد اقترح زرادشت في الديباجة أنّ "السحابة الداكنة" التي فوق الإنسان هي التي تخلق الظروف والشروط المؤاتية للإنسان الأعلى. وبعيداً عن كون هذه الحقيقة سبباً لليأس والقنوط، إلا أنّه من الضروري أن يكون هناك قطعان وحشود ودُوَل ودُعاةَ للموت وبشر أخيرين، لأنّه من خلالهم فقط سينحدر الإنسان ويَنحَطّ/أفول الإنسان. هذه ظواهر ضرورية، لكنّ الأفراد غير ضروريين، إنّهم فائضون عن اللزوم. هناك حيث تنتهي الدولة فقط _إمّا بمعنى انعدام الدولة، أو انفلات الأنفس العظيمة من رَبقة الدولة_ تبدأ أغنية الفرد الضروري _"ضروري" بمعنى أنّه مطلوبٌ منه الإحساس بالأرض ليُدرك نفسه على أنّه الإنسان الأعلى. لاحِظ أنّه لم يَعُد لدينا قوس قزحٍ لــِ"الإنسان الأعلى"، بل إنّ قوس قزح مَمَرّ وجسر يعبر عليه الإنسان الأعلى. إنّ الإنسان الأعلى ليس وجهة أو هدف، إنّه عملية مستمرّة للتغلّب على الذات وتجاوزها، مرّةً بعد مرّة، ومراراً وتَكراراً.

إبراهيم قيس جركس 2020