منى سعيد: جمر وندى 3 من 4

عبدالحميد برتو
2020 / 10 / 18

سامي العتابي يُغَيَّبَ دون وداع:

شغل الشهيد سامي العتابي ـ أبو يمام حيزاً واسعاً من كتاب جمر وندى. هذا أمر لا يحتاج الى تبرر أو تفسير. هو زميل الكاتبة منى سعيد في العمل، صديقها، زوجها، أبو إبنتها وهو شهيد مظلوم راح غيلة، تحت شهوة الإنتقام السادي لهواة التعذيب حتى الموت.

أليس مفارقة أن يمر طريقها الى مطبعة الرواد، التي ستشهد بداية حياتها الصحافية، وأول لقاء لها على الإطلاق مع زميلها سامي العتابي في قسم التصميم بالمطبعة، عبر شارع تقع عليه مديرية الأمن العام سيئة السمعة والسيرة والدور. كما ستكون نهاية سفر سامي الشاب الحيوي والصادق والموهوب في المديرية الجارة. إن ذلك الموقع ألهبت سخرية وتندر كل العاملين في المطبعة. ظلت إهزوجة "إحنا والأمن جيران" حية في ذاكرة كل العاملين وأصدقائهم، وربما أبعد من ذلك.

إِنْطَبَعَت هيئةُ سامي وملامحه، من أول لقاءٍ، في ذاكرة الشابة المتحمسة القادمة للعمل. أحبت عملها الجديد، لأنه يعبر عن طموحاتها الخاصة والعامة. كان ذلك اليوم يوم السعد بالنسبة لها. يوم إنفتاح أفاق رحبة في عالم الصحافة، من جانبها الفني، بل حتى من بعض جوانب الإبداع في الحرفة أو الفن. تسعى صوب عالم الكلمة والحرف وبيت الكتابة الصحفية، من باب الترجمة الغني. هناك في ذلك المكان ـ المطبعة، كانت طبيعة العلاقات مختلفة عن الجامعة، بل عن جميع الأماكن الأخرى، إنه أكثر أُلفة وتضامناً. بددت ضحكات سامي المُرَحِبَة بالضيفة الجديدة إنفعالات اللحظة الأولى، التي تجتاح كل إنسان عندما يدخل مكاناً لأول مرة. دونت في كتابها: "نشأت بيننا علاقات محبة، وتضامن وانسجام، يعج القسم بالمرح والضحك عالياً بإطلاق النكات من قبل المشرفين الفنيين بحضور الخطاطين سامي وأخويه جمال وصفاء العتابي...".

أثارت عائلة العتابي إهتمام منى سعيد، وربما غيرها أيضاً. العم حسن العتابي مناضل قديم ومسؤول صفحة التعليم والمعلم في الصحيفة. والبقية في أركانها: الأبن الكبير جمال فنان وأفضل خطاط، سامي مصمم الصحيفة الأول ومسؤول القسم الفني وخطاط أيضاً، وأخيراً الأبن الأصغر صفاء خطاط ومتابع فني للصحيفة.

تتراكم مؤشرات الإهتمام المتبادل، وإن كانت في البدء من طرف واحد، هو سامي. تتابع العاملة الجديدة في القسم الإنتقالات والخطوات الجديدة في حياة سامي. كما جاء على لسانها: مرة دخل علينا سامي يرتدي ربطة عنق على غير عادته، والأغرب لاحظنا قصاصة ورق معلقة عليها، لم ينتظر سامي استفسارنا بل قفز ضاحكاً معلناً بصوت عال: يا جماعة نجحت وتخرجت من الجامعة وهذه شهادتي. تضيف: أخذ سامي بعد ذلك يطيل الوقوف عند طاولة عملي، يقترب مني كثيراً أثناء تعديل خط ما، أو رسم منحنى "كيرف" على صفحتي، يعبر عن إعجابه بدرجة مبالغة حين أحسن عملي وأتقنه.

يحمل كتاب جمر وندى فيضاً عن حالات تودّد سامي إليها، في الحفلات العامرة في تلك الأيام، الدعوة لإصطحابها إلى السينما. خلال تمشيهما سوية في شارع السعدون، لمحهما شقيقها باسم. عند عودتها الى البيت ثارت ثائرته عليها. أخبرت صديقها سامي بما تعرضت له من أخيها. كان وقع الخبر على سامي طيباً على الضد من توقعاتها. جاءت الفرصة الحقيقية لنيل المباركة العائلية. كالعادة في مثل هذه المواقف المهمة، تدخل القضية في موافقات هنا ورفض هناك، الى أن يصل الطريق الى نهايته الظافرة. ذكرت التحضيرات، الزفة التي وصفتها بالفنطازية، السفر بالطائرة الى الموصل، تعثر حجز الفندق، شهر العسل، ووصف عش الزوجية.

عاد المناخ السياسي في البلاد يتلبد بغيوم موحشة. تقلّص حجم العمل في الجريدة. بدأت رحلة البحث عن عمل جديدة. تزايدت المخاطر السياسية التي تحيط بحياة الزوجين، وكل الذين معهم وحولهم. ربما سؤال واحد إختزل الأهوال اللاحقة، تقول الكاتبة منى سعيد: لا يطيق سامي مشاهد الألم، يهرب حين أمرض، لا أدري كيف تحمَّل أهوال السجن والتعذيب بعد ذلك، وفي أيام طلقي الثلاث كان هارباً، وإن حضر يراقبني عن بعد، ثم يسرع باتجاه الحديقة بصحبة صديق، حتى بعد ولادتي لم يجرؤ على حمل طفلته أول مرة، إذ كان يرتجف تخنقه العبرات، فحملها بدلاً عنه صديق.

أغلقت أبوابُ الجريدةِ في عام 1979. نُقل سامي من وظيفته الصباحية في التعليم إلى وزارة المالية. لم يلتحق بالعمل الجديد، بعدما ضاق الخناق على الشيوعيين. بات كل يوم جديد يعني عمراً جديداً، مع إنتظار الإحتمالات الأسوأ. تمر الأيام وحتى الساعات ثقيلة، موحشة وبطيئة. لابد من تدابير جديدة تضمن حماية أفضل. بدأت رحلة الإختفاء والتنقل بعيداً عن أنظار العيون المفتوحة للأجهزة الأمنية. أول خطوة هروب أو إختفاء، كانت من بغداد الى الحلة، بعدها الى الشطرة ربما تكون أكثر أماناً، لا الإتجاه الى البصرة أحسن، يمكن العودة الى بغداد أفضل من البقاء خارجها. كم هو بشع أن يتحول الوطن الى سجن كبير.

تصف الكاتبة اليوم الذي تأخرت فيه عودة سامي الى البيت باليوم الأغبر. هي حين تصف يوم السبت 14/3/1981 بالأسود والأغبر. إستوحت الوصف من الطبيعة نفسها، التي تضامنت مع عناصر النظام وأجهزة الأمنية، حين حوّلت لون السماء الى أصفر مغبر. لم يعجل في عودة سامي وقوفها حتى الصباح عند مدخل البيت. ولا متابعة كل سيارة تمر بالشارع، لعلها توصل سامي. تعلل النفس بإحتمال حدوث عطل في سيارته. كان في تلك الساعات الرهيبة خيط الأمل أضعف من خيط اليأس. فجعت عائلة الكاتبة بالخبر، عندما إتصلت بهم صباحاً. سارعت العائلة للإتصال ببيت العتابي وإعلامهم. بعد لحظات وصل العم حسن العتابي الى بيت سامي وعائلته مَصْقوعاً. تخيلوا مرارة الموقف، عندما يقوّم الأب حال إبنه بتلك العبارة، التي تبكي حتى أقسى القلوب، قال العتابي الأب: "راح سامي".

اختفى سامي بعد أن أنهى عمله في اتحاد الصناعات العراقي بساحة الخلاني. توافد الأصدقاء إلى بيته، وبدلاً من بث بصيص أمل لدى منى سعيد زوجته، أكد الجميع ألّا عودة لسامي من حلق السبع. بث النظام المخبرين بين الناس كالذباب ينقلون الشاردة والواردة عن عوائل السجناء والمعتقلين والضحايا.

جاء الآن دور تصفية الحساب مع منى سعيد زوجة سامي. تبدأ بالمراقبة المكشوفة لغرض التخويف، الى سؤال المحيطين وتكليف وكلائهم بتبلغ الضحية بأن الأمن سأل عنها، الى الدعوة الرسمية المباشرة للحضور في مقراتهم. وأخيراً جاؤوا الى موقع العمل، أخذوها. سلمت الى صديقتها وقريبتها في العمل مفاتيح سيارتها، وأوصتها بإخبار أهلها. تتوالى ساعات التحقيق في غرفة مظلمة تمارس فيها أبشع ضغوط الألم النفسي. سألها المحقق عن أمور كانت ذكرتها أمام زوارها من أصدقاء مفترضين في أثناء زياراتهم الى بيتها بعد إعتقال سامي. يسألونها بصيغة اتهامات، توحي بأنها ستلتحق بمصير سامي.

تمر الأيام والسنوات لتزداد حياتها عتمة بانتظار المصير المجهول لسامي. كثُرت زيارات الأمن إلى بيتها الصغير، الذي وصفته بعربات قطار. امتدت تحقيقاتهم لتشمل أصحاب البيت أيضا، فما كان منهم إلا أن يطالبوها بالإخلاء. وهبت أغراض البيت لمن يشاء من الجيران والأصدقاء، فلا مجال للتصرف بالبيع. ولا أحد يشتري. رجعت إلى غرفتها في منزل أهلها، مع طفلتها التي لم يتجاوز عمرها عامين إثنين.

شهد خريف عام 1984 تصريحات لكبار المسؤولين الأمنيين في البلاد، تؤكد على خلو العراق من السجناء السياسيين. هذه الدعاية الفجة شجعت أهالي السجناء والمفقودين لخوض جولة جديدة في رحلة البحث عن أبنائهم لمعرفة مصيرهم. بلغت الوقاحة في الصحافة الرسمية حد نشر مقالات وتحقيقات عنوان أحدها، يقول: (العالم المضطرب والعراق المستقر). توجهت منى سعيد في آخر محاولاتها الى استعلامات مبنى الأمن العامة، وعلى غير توقعاتي لم يدخلوني هذه المرة إلى دهاليز البيوت وأزقتها، بل اصطحبوها إلى قاعة كبيرة بأثاث فخم وثريات كرستال. فجأة ومن مكان قصي في القاعة، سمعت صوتاً يناديها من شخص جالس خلف مكتب مذهَّب ضخم. أنقل لكم المشهد:
• تفضلي ست منى.
• دهشت لهذا الإستقبال العجيب ونفضت الرعدة بدني.
ـ هل تذكريني؟
ـ لا ، لا أتذكر.
ـ قبل 6 سنوات جئتك في بيت حسن العتابي، وأجريت تحقيقاً معك، كيف لا تذكرين؟!
ـ لا أنسى التحقيق، لكنك تغيرت كثيراً.

في التحقيق الأول كان الضابط شاباً نحِيْفَاً. بات اليوم رجلاً سميناً. ترقى (بفضل الضحايا). نُصب مديراً للشعبة الخاصة بمعالجة قضايا الشيوعيين. لم يسرح أو يتجاهل مصدر رفاهيته وطبيعة عمله. حاول استمالتها لتعمل وكيلة أمن. ولكن نسى أن السيدة التي أمامه جاءت لطلب شهادة وفاة زوجها وأب إبنتها، التي يتمت ظلماً وعدواناً. تسلمت الوثيقة وغادرت المكان على عجل. تجرأت في سيارة الأجرة وقرأت تلك الورقة المفجعة، بعد انتظار دام أكثر من أربع سنوات. كلمات شنيعة لم تصدقها: الإعدام شنقاً.
المكان: مستشفى الرشيد العسكري.
التاريخ: 20/5/1984.

هكذا يطوي القمع حياة فنان مبدع شاب، بقرار من مديرية الأمن العامة، وليس من محكمة حتى ولو كانت مزيفة. تواصل الضغط على الكاتبة. منعت من النشر. نقلت من دار ثقافة الأطفال إلى المكتبة الوطنية. المحزن أن المكان الجديد ينعت بـ (مقبرة وزارة الثقافة والإعلام) يُنقل لها نوعان من المغضوب عليهم: السياسيون، وبائعات الهوى.

تصبح الحياة قاسية من جميع الجوانب. منعها من الكتابة قلص المواد الضرورية لحياتها، هي وطفلتها اليتيمة. عند إستجاب مسؤول لطلب نقلها من المكتبة الوطنية الى دائرة أخرى، أبعد موقعاً ولكنها ربما أرطب نفسياً. متوهمة أن النقل سيفتح آفاقا رحبة جديدة. عند دخولها لمقر وظيفتها الجديدة صادفها مدير عام الشؤون الثقافية في الممر المؤدي إلى مكتبه، وسألها عن حاجتها، قدمت له كتاب نقلها، وبدلاً من الترحاب طردها شر طردة. لم يجد حرجاً في قوله: إنه غير قادر على ضم عناصر مشبوهة إلى دائرته!

بديهي أن القمع والإنتهازية وعدم إحترام حقوق الآخرين، لا تعدم إمكانية بقاء مَنْ هم على إستعداد لتقديم المساعد. بعد جهود مضنية تسلمت أمر نقلها إلى مجلة ألف باء، وكتاب اشتغالها في مجلة وعي العمال على مبدأ المكافأة الشهرية، وبعد أقل من شهر تسلمت مهام رئاسة قسم الترجمة في مجلة ألف باء.

مهما تكن محاولات تفهم معاناة سيدة مع إبنتها، لا تصل إلاّ الى إدراك جزءٍ ضئيل من تلك المعاناة. حتى العيش مع عائلتها أو عائلة زوجها، يصبح إما صعباً أو لا توجد مبررات كافية له. وعند الإضطرار للعمل خارج البلاد فأمر ليس سهلاً. إن غربتها التي دامت أكثر من عقدين تحتاج الى وقفة طويلة لتبيان بعضاً من صعوباتها. وعند العودة كل شيء في الوطن يذكرها بالشهيد والمرارات التي عانتها.

من أولى نشاطات الطير العائد الى وطنه، كانت المشاركة في حفل تأبين زوجها الشهيد سامي، من قبل زملاء ورفاق وعائلة الشهيد. ومن فقرات الحفل المؤثرة كانت كلمة العائلة التي ألقاها شقيقه جمال. ثم جاءت مشاركة والده حسن العتابي مؤثرة للغاية. ألقى قصيدة ومشاهد وحالات استذكار من سيرة إبنه الشاب، الذي فُرض عليه الموت عنوة. ترك العتاة لزوجته ومحبيه تخيل أكثر من طريقة لصياغة النهاية المؤلمة لسامي، ولا يقلل من الفجيعة إنها مشرفة.