هل من حق الكاتبِ أنْ يتملكه اليأس؟

محمد عبد المجيد
2020 / 10 / 18

تظل تكتب في دائرةِ الأمان النفسي طالما لم تغادر المعلوماتِ، والعقلَ، والتحليلَ المحايدَ، والاهتمامَ، وأنتَ في البُعْدِ الاجتماعي حتى لو كنتَ في قلب الحَدَث!
وحالما انتقلتَ بروحِكَ، ووجدانِكَ، وعواطفِكَ، خاصةً إذا كنتَ تكتب عن قضية وطنِك، وأهلــِك، وأحبابـِك، وأصدقائِك، وطفولتٍك، وأحلامِك، ولو كنتَ مهاجراً أو مغترباً في مكان آخر، فإنك كالذي انتقل من سكن الاستقرار إلى مصحةٍ للعلاج، وتتحول الورقة التي تكتب فيها إلى وصفٍ للمرضِ، وروشتة للعِلاجِ، وآهاتِ وجعِ الاثنين: القضية و.. الوطن الأم.
ماذا لو أنَّ المريضَ يسخر منك، أو يضع أصابعًه في أُذُنيه كلما تكلمْت، أو يُدير لك ظــَهْرَه؛ فهل تستمر إلى ما لا نهاية مُخادعاً نفسك، ومتصوراً أنَّ اليومَ الذي ينُصِتْ إليك فيه آتٍ لا ريبَ فيه؟
يُطالبون الكاتبَ أنْ يستمر في طرح قضية أو قضايا في مجتمع أَصَمّ؛ تسيطر عليه مفاهيمُ سياسية، وسلطوية، وبوليسية، وفِقْهية تجعل حواسَه كلــَّـها أقربَ إلى كوكبٍ آخر منها إلى الأرض!
أزمةٌ موجعة عندما يلامس قلمُ الكاتبِ قضايا الوطن الأم فينزلق من الحيادِ إلى الانخراط في هموم إصلاحية كأنها رمالٌ متحركةٌ لا يخرج منها إلا مُنْهَكاً، أو مَيتــاً نصفه حياة، أو تضربه حالةُ يأسٍ؛ فهو ليس صاحبَ رسالة سماوية، ولا تشدّ الملائكةُ من أزْرِه، ولا تسنده دولة وإمبراطورية مالية وإعلام يدعمه أو .. ينافقه.
وعندما يصل إلى مرحلة الرفض التام من ذوي الشأن الذين يحمل همومَهم، يقابــَـل بخرسٍ أو صمم، أو ضعف إبصار كأنه دخل في ظلمات بحرٍ لُجّي يغشاه موجٌ من فوقه بركان.
يقف ليسأل نفسه: كل الدلائل تشير إلى أنني أتحدث إلى قوم يتمسكون بسلطة فاشية أو دينية رهيبة، فما الفائدة التي ستعود علي إذا صرختُ في صخرةٍ ما بقي لي من عُمْر.
كُتــّاب، وصحفيون، وفلاسفة، وثائرون كأنهم الفرعُ الثاني للأنبياء، في كل مكانٍ في العالــَم؛ لكن اليأسَ يمتنع عن الاقتراب منهم، فإذا لمَسَتْ أو لامَسَتْ الأفكارُ أوجاعَ الوطن الأم تحوّلوا إلى مُصلحين عن غير قصد!
ما هو الحدُّ الأقصى للوجع قبل الوصول بالسلامة إلى اليأس؛ وقبل الانهيار النفسي والعقلي والعصبي؟
لا أحد يستطيع أنْ يوافق أو يعترض على لحظات شفّافة في نهاية طريق قلمٍ يرى صاحبُه سَدّاً لا قِبَل لأحدٍ به، فهي رؤية بصرية داخلية كنتيجة طبيعية لمئات الكتابات أو الأحاديث التي من المفترض لأناسٍ طبيعيين أنْ تزلزل الأرضَ من تحت أقدامهم.
يعود ليسأل: هل من حقي أن أشعر باليأس من تحريك عادة أو فكرة لتستقيم وتتناغم مع التطور، والتحضُّر، والتمدُّن، والتنمية وتساهم في رِفعة المجتمع؟
في أول الطريق يظل كاتباً، لكنَّ الوصولَ إلى أن يصبح مصلحاً يُنْذِر بعواصف عاتية من الذين يدافعون عن العادات، والتقاليد، والموروثات، والمرويات، والمقدّسات، فلديهم يكون السكونُ هو الأصلَ، وأيّ حركة للأمام تبدو كأنها هجرة دائمة من المستنقع الذي يتدفئون فيه، وينعمون بسكونه، ولا يرتفعون أو.. يسقطون!
كل الشعوب تمر بهذه المرحلة في تاريخها، وتموت الجماعة وهي واقفة، وتتخلف وهي تظن أنها تسير بأسرع من الصوت.
كل الشعوب قد تتعرض لقيودٍ سلطوية ودينية تجتمع على التخويف والترهيب: واحدة من القصر و.. الثانية من السماء.
أعود إلى سؤالي: هل يملك الكاتبُ قرارَه في اليأس، أم أنها نقطة غليان المُصْلــِـح عندما يكتشف أن الصخر تنبجس منه عيونُ ماء وأن الناس تتحجر عند نقطة اللامبالاة؟
يأسُ الكاتب حالة إنسانية طبيعية؛ فيشج رأسَه في الحائط، أو يعتزل المجتمع، أو ينتحر، أو يمشي مع التيار فينقلب على مبادئه، وينضم إلى القطيع، أو يلجأ إلى السماء؛ ليس ليأخذ منها روحَ التحدي؛ إنما لتمدّه بالتطرف، والقسوة، والغلظة في ألسنة وكتابات رجال الدين.
يأسُ الكاتبِ يُطـــِل برأسِه عندما تنحو كتاباتُه، وأقوالــُه، وأفكارُه نحو الإصلاح مع مزيج من الثورة، والإيمان بالوطن.
يأسُ الكاتب يصل منتهاه في وقت يموت تأثيرُ الكلمة، المقروءة أو المسموعة، وتصبح فقّـاعات من فراغ صنعتها السُلطة، والمنبر، والبرلمان، والصحافة، والقضاء.
اليأس الحقيقي يأتي بعد سنوات من محاولات مُضْنية لوضع كشّافات مُبهرة أمام الاعوجاج المجتمعي، ثم يكتشف الكاتبُ أنَّ الجماعة والفرد في حالة إغماء، دائم أو مؤقت.
يأسُ الكاتبِ يصنعه ذبابٌ إلكتروني يهاجم الإصلاحَ، والعقلَ، والمنطقَ، ويرفع أمامهم التقاليدَ الباليةَ، والموروثاتِ الحمقاءَ، والفهمَ العقيمَ لقشور الدين.
يأسُ الكاتبِ يتضح بجلاء عندما تتحول سواعدُ المواطنين من بناء الوطن إلى الإنشغال بالأدعية، والبكاء، والدموع، والرجاء أن يحمل الله عنها ثقل المهمة الإنسانية، ويضع حلاً لمشاكلها، وأزماتها، ويرزقها من السماء والأرض، وهي تكتفي بالصلاة، والصوم، وأداء الشعائر، والطلب من رب العزة أن يُيَسِّر أحوالــَها وهي جالسة تنتظر رضا السماء.
يأس الكاتب حقٌّ له عندما تصبح النرجسية ديناً جديداً، ولا يكترث المواطنُ لعذابات ابن بلدِه في السجون والمعتقلات فهو خائف من سُلطة جاءتْ لتخدمه؛ فقرر هو خدمتـــَها.
أنت يائسٌ؛ إذاً فأنت موجود بعد طول محاولات لإيقاظ القوم، فإذا بالحاكم، والقاضي، والإعلامي، والداعية الديني، ورجل الأمن، والعسكر يرفضون وقف التخدير المجتمعي.
قمةُ اليأسِ قد تكون أسمى، وأرفع، وأقدس، وأعمق درجات الحب للوطن عندما يتحول الكاتب إلى مصلح، وتصبح الكتابةُ الفضفاضةُ عن الدنيا مخصصةً للوطن الأم.

طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 17 أكتوبر 2020