فُجْرَة رأسمالية الدولة

فؤاد النمري
2020 / 10 / 17

"رأسمالية الدولة" إنما هي صرخة فجور ؛ صرخة الفجور لا يصرخها إلا فاجرون ؛ فمن هم أولئك الفاجرون الذين فجروا فجْرة "رأسمالية الدولة" ؟ الوقائع التاريخية التالية تشير إلى من هم أولئك الفاجرون . .
في العام 1953 تمكنت البورجوازية الوضيعة السوفياتية، وقد اشتد عودها بفعل الحرب، من القيام بانقلاب ضد الإشتراكية بدءاً باغتيال ستالين بالسم من قبل قادة الحزب في المكتب السياسي الذين تهددهم ستالين بالإحالة على التقاعد ؛ ورغم أن شواهد الإنقلاب كانت مفضوحة إلا أن كافة الشيوعيين دون استثناء تساوقوا مع الإنقلابيين . نجح قادة الحزب المجرمون في إخفاء جريمتهم باغتيال "أعظم قائد في كل العصور" حسب تشيرتشل، غير أن شواهد كثيرة أخري لم تترك فرصة للشك في عداء القيادة الجديدة للإشتراكية رغم تقديم عداءهم للإشتراكية للعالم على أنه عداء للستالينية .
فاضت روح ستالين في الساعة 9 مساء 5 مارس وفي صباح 6 مارس اجتمع الأعضاء السبعة في المكتب السياسي المهددون بالإحالة إلى التقاعد وقرروا إلغاء إنتخاب المؤتمر العام التاسع عشر للحزب 12 عضوا جديداً للمكتب السياسي وهو قرار مخالف للقانون ولأـنظمة الحزب .
وفي سبتمبر من نفس العام اجتمعت اللجنة المركزية وقررت إلغاء الخطة الخمسية الخامسة من أجل الإنصراف إلى التسلح وهو قرار منافٍ للإشتراكية ويفضح الأهداف الحقيقية للإنقلاب، خليك عن أن مقررات المؤتمر العام للحزب لا تجوز مراجعتها أو التعديل فيها من قبل أية جهة مهما علا شأنها والخطة الخمسية كانت أهم قرار لمؤتمر الجزب التاسع عشر – كرست القيادة الجديدة كل موارد الاتحاد السوفياتي ل6666666لتسلح دون أن يكون هناك في العالم أدنى جنوح للتسلح وعلماً أن قوى الحرب السوفياتية كانت أكثر من ثلاثة أضعاف قوى الحرب في الدول الغربية مجتمعة ؛ كان تعداد الجيوش السوفياتية لدى نهاية الحرب 6.5 مليون جندياً وجيوش الدول العربية،أميركا وبريطانيا وفرنسا الحرة، أقل من 1.4 مليون جندياًوبخصوص الأسلحة فلم يكن هناك وجه للمقارنة – هذه الحقائق تكذب حكاية سباق التسلح المفروض على الدولة السوفياتية . كانت حمّى التسلح السوفياتية ضد الإتحاد السوفياتي نفسه وليست ضد الولايات المتحدة .
في العام 54 استبدل الأمين العام للحزب مالنكوف برجل الجيش المتعاون خروشتشوف واستعيد المارشال جوكوف إلى قيادة الحزب والدولة بعد أن كان مرذولاً في بيته نظراً لاقترافه جريمة السرقة حين كان الحاكم العسكري لبرلين .
في العام 56 شن خروشتشوف بأمر من الجيش هجوما فاجراً وقحاً على ايقونة المثل الشيوعية يوسف ستالين دون موافقة الحزب، من نافلة القول أن بناء الإشتراكية في الإتحاد السوفياتي ارتبط باسم ستالين .
في يونيو 57 قام جوكوف وخروشتشوف بانقلاب عسكري ضد الحزب وتم طرد 7 من مجموع 9 أعضاء من الكتب السياسي . الأعضاء السبعة المطرودون كانوا من البلاشفة الذين قاموا بثورة آكتوبر 1917 ولم يكن منهم خروشتشوف وميكويان وهما البقية الباقية في المكتب السياسي . جرى الإنقلاب لأن الجيش رفض قرار المكتب السياسي بإقالة خروشتشوف من منصب الأمين العام للحزب .
في العام 59 قرر الحزب فصل الثورة الإشتراكية عن ثورة التحرر الوطني ملغين بذلك مبدأ لينيني جوهري يؤكد الوحدة العضوية بين الثورة الإشتراكية والثورة الوطنية . وكانت نتيجة ذلك القرار قيام المخابرات الأميركية بعشرات الإنقلابات العسكرية في الدول المستقلة حديثا في عقد الستينيات وقتل مئات ألوف الشيوعيين كما في أندونيسيا والعراق والأرجنتين وتشيلي، وهزيمة مصر 67 وقد وقف الاتحاد السوفياتي يتفرج على الهزيمة بتعبير عبد الناصر .
في العام 61 قرر الحزب تفكيك دولة دكتاتورية البروليتاريا والاستعاضة عنها بما سماه "دولة الشعب كله" وهو ما يعني بصورة فاضحة إلغاء الإشتراكية، كما قرر تشريع المرابحة في توزيع المنتوجات .

إزاء تلك الوقائع المشهودة في النظام السوفياتي في خمسينيات القرن الماضي لا يجوز بحال من الأحوال اعتبار الاتحاد السوفياتي دولة اشتراكية منذ العام 1954 وحتى العام 1991 حين أعلن تفكيك الإتحاد السوفياتي ونبذ الإشتراكية علانية والعداء لها، لا يجوز اعتباره دولة اشتراكية بأي معنى من المعاني . قد يسكت الشيوعيون على قيام اللص المارشال جوكوف بانقلاب عسكري وطرد أعضاء المكتب السياسي من الحزب بحجة النقص بالمعلومات علماً بأن عضو المكتب السياسي لا يمكن اسقاط عضويته بغير حكم إدانة بمحاكمة علنية . لكن كيف يمكن السكوت على حزب شيوعي بسقط دولة دكتاتورية البروليتاريا وقد جعلها ماركس الدمغة الوحيدة للإشتراكية حين كتب في "نقد برامج غوتا" يقول ..
Between capitalist and communist society lies the period of the revolutionary transformation of the one into the other.There corresponds to this also a political transition period in which the state can be nothing but the revolutionary dictatorship of the proletariat.
خلال فترة العبور الثوري من النظام الرأـسمالي إلى الحياة الشيوعية ترافقها فترة عبور سياسي حين لا تكون الدولة غير دولة دكتاتورية البروليتاريا الثورية .

في العقود الثلاثة الأخيرة من حياة الدولة السوفياتية لم يكن الاتحاد السوفياتي شيوعياً وبالتبعية فالشيوعيون في مختلف أركان الأرض وقد رحبوا بالغبي خروشتشوف وهللوا به كدعي بالديموقراطية، كما هللوا ورحبوا بابنه بالمعمودية غورباتشوف لم يعودوا شيوعيين بل باتوا تجار سياسة أو العث الذي ينخر في جسد الشيوعية . تجار السياسة والعث الشيوعي هم الفجَرَه الذين يفاجرون بفجرة "رأسمالية الدولة" وهي الفجرة الوحيدة التي تغطي على إجرامهم كونهم دفعوا بالمشروع اللينيني لتحرير الانسانية بالثورة الإشتراكية الدائمة مضمونة النجاح كما أعلنها لينين في العام 1919، وقادها ستالين إلى نجاح متفوق حتى العام 1952 ، دفعوا به إلى التهلكة في العام 1991 . تجار السياسة والعث في جسد القوى الشيوعية يفاجرون اليوم بفجرة "رأسمالية الدولة" ليبرروا خيانتهم بالإدعاء الكاذب أن انهيار المشروع لم يكن بسببهم بل بسبب العيب في المشروع نفسه الذي اكتنه في الأساس رأسمالية الدولة . كان لينين في العام 1922 قد سخر من أولئك الذين أدعوا بأن الخطة الاقتصادية الجديدة (النيب) هي رأسمالية الدولة، متسائلاً .. كيف يمكن أن يكون هناك رأسمالية الدولة والدولة هي دكتاتورية البروليتاريا !؟ وقال أيضاً .. عمل ماركس طيلة حياته في تحليل النظام الرأسمالي بمختلف مظاهره ومات دون أن يذكر شيئاً اسمه "رأسمالية الدولة" .

"رأسمالية الدولة" هي فجرة لا معنى لها أو دالة لا مدلولاً لها . ليس في التاريخ الاجتماعي أي علاقات للإنتاج يمكن أن توصف برأسمالية الدولة، وليس هناك في قواميس علم الاقتصاد مفردة باسم رأسمالية الدولة . يستحيل الإفتراض، مجرد الإفتراض، أن هناك دولة غير رأسمالية أتاها الوحي من السماء أم من الأرض لأن تبني دولتها نظاما رأسمالياً في بلادها !! مثل هذا الوحي يعتمد على افتراضين لا يجوز افتراضهما وهما.. أن النظام الإجتماعي تبنيه الدولة بينما العكس هو الصحيح، أي أن المجتمع هو الذي يبني الدولة، يبنيها بمستوى تطوره لكي تحافظ عبر أدوات القمع التي تمتلكهاعلى علاقات الإنتاج القائمة – باستثناء دولة دكتاتورية البروليناريا المختلفة وظيفياً حيث وظيفتها الرئيسية تتمثل بإلغاء مختلف مصفوفات الحقوق بما في ذلك علاقات الإنتاح القائمة دون إقامة أية علاقات إنتاج أخرى ؟
أما الإفتراض الثاني فهو موغل في المثالية إذ يقول أن الفكر يسبق الواقع وأن الشعب يمكن أن يختار النظام الإجتماعي الذي ينظم حياته، لكن التاريخ لم يسعف المثاليين بشيء . كل ألأموال الطائلة التي ورثها عن زوجته خديجة ليقيم التراحم والعدل في الحجاز قبل ـربعة عشر قرناُ وما إن توفي حتى انقلب خلفاؤه إلى غزاة يستعبدون شعوب المجتمعات المحيطة . الدولة تبنيها وسائل الانتاج المعتمدة في المجتمع وخاصة قوى الإنتاج الغالبة في المجتمع .
فُجْرة رأسمالية الدولة تقول أن مجتمعا يخلو تماما من الرأسماليين إلا أن الدولة فيه غير الرأسمالية بالطبع أعجبت بالنظام الرأسمالي في دولة محيطة فقررت أن تخون وظيفتها وتهدم علاقات الإنتاج القائمة في بلادها لتبني بدلاً عنها نظامًاً رأسمالياً . تلكم هي من أساطير أعداء الماركسية اللينينية .