هل البورجوازية الوطنية ذات راهنية في زمن كورونا ملاحظات نظرية تمهيدية.

أحمد زوبدي
2020 / 10 / 17

هل البورجوازية الوطنية ذات راهنية في زمن كورونا ?
ملاحظات نظرية تمهيدية.

عاد مفهوم البورجوازية الوطنية إلى الواجهة مع تفشي أزمة كورونافيروس. وقد رأى فيها البعض على أنه يمكن لها أن تقف إلى جنب الدولة لتجاوز هذه المحنة, بل هناك من رأى في هذه الطبقة على أنه يمكن لها أن تفتح أوراش استثمار كبيرة بشقيها الاقتصادي والاجتماعي تضاهي أوراش الدولة.
لا أحد ينكر , وقد أكد على ذلك كارل ماركس, أن الطبقة البورجوازية هي طبقة ثورية تاريخيا. هذه الطبقة رأت النور في إطار الصراع التاريخي الطاحن الذي دار بين طبقة الأسياد في المرحلة الفيودالية والطبقة الصاعدة النقيض لطبقة الأسياد أي البورجوازية. هذه الأخيرة هي إذن نتيجة صراع تاريخي وبالتالي ستكون مؤهلة لتغيير الذهنية السائدة المبنية على الخضوع والاسترقاق لمد جسور ثقافة جديدة تتأسس على منظومة مفهومية جديدة أي اقتصاد السوق ( بالمعنى الذي يعطيه له الاقتصادي الفرنسي -السويسري ليون فالراس(Léon Walras) وليس اقتصاد السوق المبتذل الذي يسوق له النيوليبراليون أمثال لوكاس (Lucas)وبارو(Barro) وغيرهما) مثل الإنتاج المنتج والربح المشروع والمنافسة الشريفة والابتكار والتكوين, إلخ. وبالتالي فالطبقة هذه هي طبقة وطنية تساهم بشكل أساسي وفعال في التنمية (الوطنية). الاقتصادي الشهير جوزيف ألوا شومبتير Joseph Aloi Schumpeter) (1950-1883)), المنظر الكبير في مجال المقاول وذهنية المقاول والابتكار, رأى في هذه النخبة المقاولة على أنها هي الفئة التي يمكن أن توفر شروط استمرار الرأسمالية شريطة أن تتخلص من تركيز الثروة ومن إقصاء العمال الذين يعتبرون القلب النابض للإنتاج.
لكن الخطيئة التي وقعت فيها البورجوازية هي أنها انقلبت على الطبقة العاملة, الطبقة النقيض, بشكل جعل هذه الأخيرة تفقد كل حقوقها من المنتوج الاجتماعي( produit social) وبالتالي تضاعف الاستغلال المنضاف إلى الإستغلال المعياري (exploitation standard) بالمعنى الماركسي أي المترتب عن الاستلاب السلعي (aliénation marchande ).
في دول الجنوب, وضع الطبقة البورجوازية مختلف تماما عما هو عليه في دول الشمال ذلك أن نشأة الطبقات في الأولى كان نتيجة سيرورة الإستعمار بمعنى أن الطبقات لم تكن نتيجة الصراعات السياسية المحلية لكن كانت حصيلة الثقل الذي نزلت به القوة الاستعمارية على السلطة المحلية الشكلية التي توجد رهن السلطة الاستعمارية وبالتالي فالطبقة البورجوازية لم تتوفر لها شروط التطور وبالتالي لم يتوفر لها مناخ المساهمة في الإنتاج, كما تقوم به الطبقة البورجوازية في الشمال. الطبقة البورجوازية في دول الجنوب هي طبقة ذيلية أو قل بالقاموس الماركسي هي طبقة كومبرادوربة وليست طبقة وطنية, كما هو الشأن بالنسبة للطبقة في دول الشمال.
الطبقة البورجوازية في دول الأطراف هي الوريث "الشرعي" للبورجوازية المتروبولية أي أن موقعها موقع ذيلي وطفيلي, دورها دور طبقة خاضعة وكومبرادورية. هذا الوضع استمر إلى اليوم وعرفت هذه الطبقة الغنية تجديد زيها الكومبرادوري من خلال إدماجها في سلسلات القيمة وشبكات الإنتاج العالمية التي تلعب فيها دور الطبقة المسيطرة التي حولت الطبقة العاملة إلى طبقة رثة.
في المغرب, كان هناك نقاش ذكي في ما يخص دور الطبقة البورجوازية في الاقتصاد الوطني بين مجموعة من الاقتصاديين في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات ساهم فيه كل من الفقيد عزيز بلال والحبيب المالكي ومحمد برادة وعبد الحق الخياري, حتى لا أذكر إلا هؤلاء.
الراحل بلال أكد على أن البورجوازية في المغرب هي طبقة تابعة للمتروبول وبالتالي فارتباطها العضوي بالاقتصاد الفرنسي يحول دون أن توفر لها الشروط لتساهم في تنمية الإقتصاد الوطني. هي طبقة بورجوازية, أكيد, يقول عزيز بلال, لأنها تملك وسائل الإنتاج وتقوم باقتطاع قسط من الناتج الاجتماعي إلا أنها تقوم بتسويقه إلى الخارج مما يقصيها من مساهمتها في التراكم الداخلي أي الوطني المستقل لصالح التراكم الخارجي الذي تستفيد منه الإقتصاديات المتطورة. الحبيب المالكي في نقاش غير مباشر لأطروحة بلال قال أن البورجوازية المغربية تفتقد للحس الوطني وبالتالي فهي تفتقد لصفة البورجوازية أو قل فهي بورجوازية غير بورجوازية(bourgeoisie non-bourgeoise )أو اللابورجوازبة (التاكيد مني, أ. ز). وقد عقب عليه بلال منبها إياه على أن مكانة البورجوازية في التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية لا تتوقف عن كونها الطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج, لكن هناك آليات أخرى لها تأثير في دورها كطبقة في مسلسل الإنتاج ومنه أنها أي الطبقة البورجوازية تقوم بالاستحواذ على جزء من الإنتاج على مستوى التراكم العالمي ولو أن حصة الأسد تستحوذ عليها الطبقة المسيطرة في دول الشمال, مما يحول الطبقة البورجوازية في دول الجنوب إلى بورجوازية كومبرادورية وطفيلية .في إحدى مقالاته, كتب الفقيد عبدالحق الخياري منبها المالكي قصوره في ما يخص قراءته للماركسية على أن مفهوم البورجوازية غير البورجوازية يطابقه بروليتاريا غير بروليتارية (prolétariat non-prolétaire ). وهو ليس بالصحيح يقول الراحل الخياري لأن الطبقة العاملة موجودة كما وتبيع قوة عملها ويقوم صاحب المعمل بإعادة إنتاج قوة عملها على المستوى الاجتماعي ولو أن مستوى الوعي لديها ضعيف وربما منعدم ( التأكيد مني, أ. ز).
في مستوى آخر من التحليل للبورجوازية المغربية ناقش محمد برادة ( وزير المالية الأسبق ) في رسالته لدكتوراه الدولة (جامعة بوردو, 1968) دور المقاول كنخبة للانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد العصري على أساس أن تتوفر لديه أي المقاول ذهنية المخاطرة (esprit de risque). وهو ما حاول الكاتب أي برادة تأكيده بعد مرور 46 سنة أي بعد نشر أطروحته سنة 2014 في كتاب قدم له إدغار موراه( صاحب نظرية التعقيد). قال محمد برادة, وهو الاقتصادي الليبرالي,أن المقاول المغربي لم يرق بعد إلى مستوى مد جسور التنمية والتحديث بسبب هيمنة سلوك البيروقراطية والعراقيل الإدارية وبالتالي فالسبيل لنجاح المقاول الشومبتيري (entrepreneur schumpéterien, نسبة إلى العالم الاقتصادي شومبتير, المشار أعلاه) هو إعداد المناخ السوسيوسياسي (التأكيد مني, أ . ز) والتكوين والتربية.
في انتظار تعميق هذا الموضوع البالغ الأهمية, أقول أن المعضلة الكبرى مغربيا تكمن في النظام السياسي القائم والذي يجب إصلاحه جذريا وتحديثه لتصبح الدولة دولة المؤسسات وحقوق الإنسان. في هذا المناخ أي مناخ الدولة الوطنية الديموقراطية تكون فيه البورجوازية المغربية مجبرة على تغيير ذهنيتها لتحدو حدو زميلتها في الغرب من خلال قطع الحبل السري الذي يربطها بهذه الأخيرة. لكن من جانب آخر, يمكن القول على أن البورجوازية قد أدت وظيفتها التاريخية, كما نلاحظ في الانتكاسة غير المسبوقة التي تعرفها الديموقراطية الغربية. وهذا يعني أن تناقضات الرأسمالية, ومنها فيروس كورونا, قد دشنت بداية انهيارها أي تجاوزها في أفق بلورة شروط الانتقال إلى اشتراكية جديدة, مختلفة عن الإشتراكية الفعلية.

د. أ حمد زوبدي, أكاديمي من المغرب.