مثلث العناوين الكبرى في صناعة الدعاية السوداء عربياً

مصعب قاسم عزاوي
2020 / 10 / 17

حوار أجراه فريق دار الأكاديمية مع مصعب قاسم عزاوي

فريق دار الأكاديمية: ما هو برأيك حجر الزاوية في صناعة الدعاية السوداء عربياً؟

مصعب قاسم عزاوي: ينتظم فعل الدعاية السوداء عربياً في النسق الوظيفي للدعاية السوداء وأهدافها الموضوعية المرتبطة عضوياً بتكوينها كأداة لتشويه الحقائق وتوطيد الاستبداد، وإن كانت على المستوى العربي لا زالت تراوح في غالب الأحيان في حيز أكثر بدائية في سلم تطور الدعاية السوداء عالمياً وتاريخياً؛ وهي أقرب في فجاجتها لنهج الكوميديا السوداء في كثير من الأحايين، ولما تبارح مستوى الدعاية السوداء في سياق الهيجان النازي والفاشي إبان الحرب العالمية الثانية.

وقد يستقيم القول بأن مثلث العناوين الكبرى للأهداف الموضوعية لصناعة الدعاية السوداء في سياق تكوين الاستبداد المهيمن عربياً يكمن في نقاط ثلاثة؛ أولها هو احتكار مفهوم الوطن والمواطنة في الخنوع لسلطة وهيمنة الاستبداد وممثليه من الطغاة والمرتزقين من تكوينه المستأسد على كل تفاصيل الحياة المجتمعية العربية، واعتبار كل مارق على ذلك القبول الضمني اللازم قناً مارقاً من عديد الكتلة البشرية حبيسة السجون الكبيرة التي يدعوها المستبدون أوطاناً، بعد أن سولت له نفسه «الأمَّارة بالسوء» ضمنياً أو فعلياً سواءً بالقول أو العمل لرفض التوصيف الاستبدادي الموطد يومياً عبر ماكينة الدعاية السوداء للوطن والمواطن الصالح، ليصبح ذلك القن المارق «إرهابياً لا دية له»، ومعادياً لمصلحة الوطن العليا والدنيا و كل ما يقع بينهما، والتي يجب أن تتطابق وفق قاموس الدعاية السوداء مع مصالح النظم الاستبدادية وأركانها من الطغاة والنهابين والمرتزقة والجلادين، و ردفائهم من فيالق المثقفين الطبالين على شاكلة أتياس مستعارة فكرياً واجبها الوطني تحليل وشرعنة الاستبداد، وتصوير تهشيم المجتمع المدني والبشر المحاصرين في حدوده الوطنية على أنه دفاع مقدس عن الوطن وسيادته.

والعنصر التكويني الثاني في مثلث الأهداف الموضوعية الكبرى لآلة الدعاية السوداء العربية، يتمثل في الاستئصال الجذري والكامل لكل إمكانيات الحراك الاجتماعي، واعتبار أي منها خيانة لمصالح الوطن العليا، وفعلاً يستحق التهشيم الكلياني قبل أن يتفاقم شره ويصبح شراً مستطيراً لا لجام له. ويدخل في هذا السياق شيطنة كل بنيات المجتمع المدني التي تحاول النهوض جنينياً في غير موضع عربي من بين رماد الهشيم الاجتماعي الشامل عمقاً وسطحاً في الخارطة العربية، فترى العدوان المستمر لتقزيم واحتلال كل الهيئات النقابية والجمعيات المدنية التي قد تكون عصية على الاستيلاء عليها بشكل خاطف ماحق؛ و هو ما أفضى لأن يصبح أس الحراك الاجتماعي العربي افتراضياً على شبكة الإنترنت، وهو واقع محسور إن دل على شيء فهو يدل على بؤس المجتمع العربي، إذ أن الحراك يجب أن يكون عيانياً مشخصاً ممثلاً ببشر قادرين على التواصل والتفكر جمعياً لصياغة فعل جمعي مفيد، و هو ما قد يتسحيل القيام في ظل معادلات و شروط الطغيان و الاستبداد الذي يرى في ذلك الاحتمال فعلاً شيطانياً يستحق الويل والثبور وعظائم السراديب و الدهاليز الأمنية وكل أدوات التعذيب المشرئبة فيها.

والمحور الثالث في منظومة الأهداف التكوينية العليا لماكينة الدعاية السوداء عربياً يتمثل في ضرورة خلق حالة من الشواش الفكري المتعمد على المستوى الوطني يجعل من شبه المستحيل على المواطن البسيط الذي لا يمتلك الأدوات الفكرية الضرورية لتفكيك طوفان الإغراق المعرفي بالحقائق المشوهة، فيصبح غير قادر على التفريق بين الغث والسمين، وبين الحق والباطل في حمأة تخرصات الدعاية السوداء وخبرائها الخلبيين، فيصبح خيار الاستقالة الاجتماعية أو الابتعاد عن أي احتمال للانخراط في أي فعل جمعي الخيار الأسلم في معمعة الغبار الفكري الذي يراد به اغتراس بصيرة عمياء لدى كل المواطنين الأقنان غير قادرة على التعرف على ملامح الصالح من الطالح، و يصبح خيارها الأوحد هو الاستكانة والخنوع والقبول بالأمر الواقع المر اعتقاداً بأنه شر مستطير أصغر تبزه شرور عظام أكبر هي في الواقع وعي زائف أشوه من تخليق آلة الدعاية السوداء و أبواقها التضليلية.