من منظور تشومسكي

حسن مدن
2020 / 10 / 17

يعتقد المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي أن الأزمات الاقتصادية العالمية القادمة، التي ستنجم عن جائحة «كورونا» وتداعياتها، ستكون أخطر وأوسع بكثير من تلك الأزمة التي اجتاحت العالم في عام 2008، وأمكن، ولو بعد حين، احتواء بعض تداعياتها، أو الحدّ منها، رغم أن اقتصاد العالم لم يشف منها تماماً حتى هذه اللحظة. وكأن لسان حال تشومسكي يقول إن ما سيترتب على الجائحة يمكن أن يجهز على ما تبقى من تدبير اقتصادي راهن على علاته.
انشغالات تشومسكي البحثية والفكرية هي من الاتساع والتنوع بحيث يصعب تغطيتها في مقابلة واحدة معه، أو في كتاب واحد عنه، فهو عالم لغويات مرموق، تعدّ مؤلفاته مرجعاً أساسياً في دراسة هذا العلم، وهو فيلسوف إليه يعود فضل كبير في إحداث تغيير مناهج البحث في العلوم الإنسانية، خاصة بسبب انخراطه في مناقشات وسجالات مع أبرز الاسماء المشتغلة بهذه العلوم.
وهو، إلى ذلك كله، منخرط في الشان السياسي، منافح عما يؤمن به من قيم وأفكار تتصل بالعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، والدفاع عن دور الدولة كمظلة للرعاية الاجتماعية، كما تتصل بضرورة قيام نظام دولي مختلف. وهو في هذا يذكرنا بإدوارد سعيد ومن هم على طرازه من المفكرين والناشطين.
في حوار أجرته معه قناة «آر.تي» الناطقة بالإنجليزية تركز الحديث بدرجة أساسية على التداعيات المحتملة لجائحة «كورونا»، وفي المقابلة ذكر تشومسكي أنه على خلاف أزمة 2008، فإن الاكتفاء بضخ أموال إلى أسواق البورصة لن يحلّ المشكلة، وأنه آن الأوان لتأسيس نظام اقتصادي جديد قائم على توفير الوظائف للناس، وصون البيئة المحيطة من المخاطر المحدقة بها، وإيجاد بيئة اجتماعية مختلفة عن السائدة، وإلا فإن المسافة بيننا وبين شروط النجاة ستظل شاسعة.
لا يوافق تشومسكي على أن كافة قطاعات الاقتصاد قد تضررت من جائحة «كورونا». هنا أيضاً تبدو التمايزات الطبقية حادة وصارخة، ففي حين فقد الملايين وظائفهم، سواء كان ذلك في الولايات المتحدة نفسها أو في أوروبا أو القارات الأخرى، فإن شركات عملاقة مثل «أمازون» حققت أرباحاً مليارية في ظروف الجائحة، مستفيدة من الخدمات التي آلت إليها أمام تراجع قطاعات اقتصادية أخرى، فكأننا إزاء ما وصفه تشومسكي بـ «أرقام قياسية للفقر.. أرقام قياسية للربح».
النظام الاقتصادي الجديد الذي يدعو إليه تشومسكي يتطلب إعادة النظر في فلسفة التنمية، بالكف عن هدف: الربح وليس الحاجة، وأن تصبح غاية التنمية تلبية حاجات الناس، لا الاكتفاء بتحقيق الأرباح.