كيراز العبقري الذي أبهر مدينة النور

عطا درغام
2020 / 10 / 17

يُمثل الأرمن رافدًا مُهمًا من روافد القوي الناعمة، الأمر الذي ميّز إنسانية مصر علي مدار تاريخها في احتوائها للآخر ومزجه داخل بوتقتها الثقافية والحضارية.
وتأتي الفنون كإحدي الأدوات المهمة التي وثّقت لتاريخ مصر الحديث والمعاصر، ومنها الكاريكاتير الذي أبدع فيه الأرمن بداية من المؤسس الحقيقي ألكسندر صاروخان.
أما عن مبدعنا كيراز، الذي رحل في الحادي عشر من أغسطس الماضي، وبرحيله أُسدل الستار عن عبقرية أبحرت بروائعها في عالم الكاريكاتير، وأبهرت برسومها المجتمع الباريسي، وحازت إعجاب نسائه الجميلات الأنيقات.
ولد أدموند كيراز في مصر الجديدة في 25 أغسطس 1923، وتلقي تعليمه الأولي في مدرسة نوباريان الأرمنية ،ثم مدرسة الفرير، وبدأت موهبته في الرسم تظهر في سن مبكرة.
بدأ كيراز في نشر رسوماته في السابعة عشر من عمره، بمساعدة الفنان الأرمني ألكسندر صاروخان، الذي آمن بموهبته وبدأ في رعايتها.
نشررسوماته ككارتون وكاريكاتير سياسي في مجلات مصرية عديدة، منها المصور وإيماج.
قدم كيراز بعض الرسومات الكاريكاتيرية إلى المجتمع المصري في بداياته بمصر، في“مجلة الاثنين والدنيا” رسوماته وهي مجلة أسبوعية كانت تصدرعن مؤسسة دار الهلال التي يُدير تحريرها الأخوان إميل وشكري زيدان.
وفي هذه الأثناء ، ما بين عامي 1942-1944 ، حضر بعض دروس الفن في مدرسة الاستوديو الخاصة بأشود زوريان، وفي هذه المدرسة، تعلم العديد من التلاميذ الشباب من الجنسين أساسيات الفن، تم إغلاقها في عام 1968 ، بسبب تدهور حالته الصحية.
في عام 1945 ، شارك بـثمانية رسومات كاريكاتورية ملونة في المعرض الجماعي الأول الكبير للفنانين الأرمن المصريين ، الذي أقامته جمعية ثقافية تُسمى (أصدقاء الثقافة الأرمنية في مصر) ، وفي الفترة من 25 مارس إلى 15 أبريل من نفس العام شارك في معرض أُقيم في الجمعية الشرقية للدعاية.
وفي عام 1946 زار كيراز باريس لأول مرة ، ومكث هناك حوالي عامين. وفي عام 1948 عاد إلى القاهرة ،وأقام معرضه الفردي الأول خلال شهر يونيو 1948 في "غاليري آدم" .
تميز كيراز بأسلوبه الخاص في الرسم الذي حقق فيه تقدمًا كبيرًا ، والذي يصعب تصنيفه ضمن الاتجاهات الأسلوبية الحالية.
عمل كيراز علي صقّل موهبته بنفسه من خلال تردده على بعض الفنانين فى مصر، ثم فى باريس التى زارها لأول مرة عام 1946 ،ومكث فيها عامَين ، وبعدها رجع إلى مصر ، وشارك فى بعض المعارض المشتركة ،ونالت رسوماته إعجاب النقاد وأهل الفن.
وفى عام 1952 ،ذهب إلى باريس ،ولكن هذه المرة ليستقر ويعيش فيها ،ومن مدينة النور انطلقت موهبته العالمية ، واستطاع بروائعه أن يُبهر عُشاق الفن والرسم فى كثير من بلدان العالم منها فرنسا و في أوروبا وأمريكا.
في عام 1959؛ ابتكر كيراز (شخصية الفتاة الباريسية) التي أصبحت حديث المجتمع الباريسي ، واستمر في تقديم تلك الشخصية لأكثر من 28 عامًا، كما نجح في رسم العديد من الحملات الإعلانية الناجحة في فترة الستينيات.
عمل كيراز أيضًا مع العديد من وكالات الإعلان موضحًا مع نظرائه البارزين حملات العلامات التجارية مثل رينو (لكليو شيبي) أو بيرييه أو كاندريل أو مونوبريكس أو حتى نيڤيا.
في عام 2008 ، قام متحف "كارناڤاليه" في باريس بتكريمه بمناسبة المعرض الذي أٌقيم ليستعيد فيه مسيرته المهنية.
اشتهر كيراز، ولسنوات طويلة بأنه كان مبدع رسومات عُرفت بـ «Parisiennes» ـ الباريسيات- نساء باريس ممشوقات القوام وبعيون كبيرة، أنيقات واهتمامهن الأكبر غالبًا مُنصَب على الأزياء والتسوق ، وهن دائمًا فى مَشاهد مختلفة وفى مواقف عديدة ،يقلن ما يقلن ويكشفن عن أنفسهن.
كان كيراز لماحًا ودقيق الملاحظة ؛ حيث تتبع سير وتطور الموضة في باريس من خلال مشاهدة الشابات الباريسيات في الشارع ، مما كان له أكبر الأثر علي رسوماته ، وتثبيت ذلك على رسوماته الخاصة ، فجرب تناغم النغمات ،وتناسق الألوان، باحثًا دائمًا عن العذوبة والرقة كاشفًا عن روعة الجمال الباريسي .
أبهرت رسوماته المجتمع الباريسي بعد أن أكمل مسيرته المهنية في مدينة النور ويلفت انتباه الحسنوات الأنيقات اللائي رسمهن في الصحف والمجالات الفرنسية .
و عكست رسوم كيراز عبق مصر وأناقة باريس بأجوائهما المتميزة ، فخلقت تلك الذاكرة الإبداعية الواعية ،وخلبت ألباب متذوقي الفن وعاشقي الإبداع؛ ليتأملوا بإعجاب كل ما هوباريسي وجذاب،تظهر فيه البصمة الكيرازية بأسلوبه المتميزالذي لا مثيل له، وتظهر فيه الخفة الواضحة ، وجاء كل ذلك نتيجة المثابرة والتخطيط الجيد وإحساس الفنان والنظرة الثاقبة و العمل الجاد.