تسريبات هيلارى: لئلا يرقص البيض مع الحجارة

محمد السعدنى
2020 / 10 / 17

بالأمس البعيد، أرادت لنا الولايات المتحدة الأمريكية أن نضع كل بيض المنطقة العربية فى سلة واحدة هى تملكها، واليوم يريد ترامب لهذا البيض أن يراقص الحجارة.
أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع هذا الأسبوع برفع السرية عن قضية تسريبات هيلاري كلينتون صخباً كبيراً لا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما فى منطقة الشرق الأوسط والعالم،
وأعاد ملف البريد الإلكتروني الذي كانت تستخدمه وزيرة الخارجية السابقة، للأضواء مرة أخرى، ربما كورقة ضغط أخيره على الديمقراطيين، فى سباقه الإنتخابى الذى بدا له خاسراً فى معظم استطلاعات الرأى، حيث كشفت رسائل البريد الخاص الذي كانت تستخدمه هيلاري أسراراً وتفاصيلاً كثيرة عن مخططات إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لنشر الفوضي فى الشرق الأوسط.
وقد أعاد قرار نشر تسريبات كلينتون للأذهان والميديا كل الأجواء التى سادت فى هذا الشأن أثناء التنافس الانتخابى الذى خسرته أمام ترامب فى 2016، وأكد على خطورة الفضاء السيبرانى، وما يمكن أن ينتج عنه من تفاعلات وآثار وتداعيات خصوصاً فى محيطنا العربى، وأحيا من جديد كل الفضائح التى أبداً لا تموت فى ذلك الفضاء الافتراضى الذى تحول واقعاً مجنوناً فى عالمنا المعاصر.
والمتابع للميديا الأمريكية سوف تدهشه أن جاءت طلقات ترامب "فشنك"، ولم يتلقفها منه إلا قناة فوكس نيوز التى امتطاها وزير خارجيته وعرابه "بومبيو" مصرحاً: "سننشر هذه المعلومات حتى يتمكن ‏الأميركيون من رؤيتها لمعرفة الحقيقة"‏. ولا أعرف أى حقيقة تبناها هو أورئيسه أو دافعا عنها منذ دخولهما البيت الأبيض، اللهم إلا الخداغ والغش والتطاول وقلة القيمة والابتزاز الذى راحت تمارسه إدارتهم على محيطنا العربى والتآمر ضد مصالح شعوبنا وبلداننا.
وتابعت طوال الأسبوع الواشنطون بوست والنيويورك تايمز وأخبار الكونجرس ونوابه، فلم أجد صدىً يذكر فيهما عن التسريبات والإيميلات حتى ولا النذر اليسير، غاية انشغالهم كانت تغطيات ومقالات ومقابلات عن كورونا وسياسات ترامب الخائبة بشأنها، وهل شفى بالفعل أم هو يغامر بإعادة نشرها وفريقه غير الملتزمين بالإجراءات الوقائية سواء فى البيت الأبيض أو مؤتمراتهم الانتخابية، وكذلك عن جلسات الاستماع والإجراءات القانونية بشأن تعيين القاضية "إيمى كوناى باريت" فى المحكمة العليا، أو تأجيل القرار لما بعد الانتخابات كما حدث مع أوباما عندما طلب تعيين القاضي "ميريك جارلاند" ليحل محل القاضي الراحل أنتونين سكاليا بعد وفاته في فبراير 2016، ولم يوافق الجمهوريون حينها، وطلبوا تأجيل التعيين لما بعد السباق الانتخابى. وكان انشغالهم الأخير بشأن إلغاء المناظرة الثانية بين المرشحين الرئاسيين، لا أكثر.
ويبدوا أن رصاصة ترامب الطائشة لم تصب هدفها فى الولايات المتحدة، وإنما أخطأته إلى عالمنا العربى، فأصابت إعلامه بالحمى وطاشت الاتهامات من هنا وهناك وتعالى الصياح والتلاسن بين بارونات الإعلام المفلسين. لكأن ترامب أراد أن يكون الختام باستخدام نظرية الأرض المحروقة، وأن يخلف ورائه معارك للديمقراطيين إن كسب بايدن لا يستطيعون السيطرة على تداعياتها بسهولة. فقد أزعجنا بوجوده الثقيل، واليوم يريد أن يكون رحيله تدشيناً لمحرقة كبرى وحرب سياسية لا تخمد نيرانها بين بلداننا العربية وبعضها، وفى داخل كل بلد وقواها السياسية المتناظرة والمتنافسة، وأيضاً المتنابذة بالألقاب والنعوت وأساليب كيد النسا والسباب. وفى هذا ليس تقليلاً من أهمية التسريبات والإيميلات، بل علينا دراستها وتحليلها والاستفادة منها، بشرط عدم إبتلاع الطعم حتى الثمالة، فنحقق لهم أغراضهم فى تحكيم ماضينا البعيد فى مستقبلنا القريب، ذلك إذا صحت التسريبات.
يا سادة، لا تنساقوا وراء غواية ترامب المدمرة بالتسريبات والإيميلات، ولا تجعلوها مدخلاً أوسع للشقاق والخلاف وحرب الإعلام الغشيم الفارغ من كل معنى أو قيمة. فلا الديمقراطيين هم المجرمون وحدهم يريدون نشر الفوضى الخلاقة فى بلادنا، ولا الجمهوريون ملائكة منزلون، فقد بدأوا تنفيذ فوضاهم هم أيضاً مع جورج بوش الصغير وكوناليزا رايس. وكانت سياسات الحزبين ضد مصالحنا على طول الخط، رغم ادعاءاتهم طوال الوقت بالصداقة والشراكة الاستراتيجية والتعاون المشترك.
ياسادة إنه منطق محركى الدمى الكبار والمتلاعبين بالعقول، وهم من اخترع نظرياتها.
ياسادة لا تلتقطوا الطعم، واحذروا أن تسمحوا لترامب أو بايدن ومن ورائهم بأن يشغلوكم ويشاغلوكم ليتلاعبوا بكم فى سيرك إعلامى تمرح فيه الضباع الضالة، ولا تسمحوا للبيض على مسارحكم السياسية والإعلامية أن يرقص مع الحجلرة، لئلا ينكسر البيض ولا تبقى لنا سوى الحجارة.