من المسؤول عن الوضع العام في الصحراء ؟

سعيد الوجاني
2020 / 10 / 17

صرح مؤخرا سفير البوليساريو بالجزائر عبد القادر الطالب عمر ، " انه في حالة استمرار الفراغ والجمود ، فان الأمور ستتجه نحو التوتر والتصعيد الذي يتحمل مسؤوليته المغرب " .. الخ .
ولنا ان نطرح السؤال . اذا كانت البوليساريو تتحدث عن الجمود ، الذي تعرفه قضية الصحراء منذ ابرام اتفاق وقف اطلاق النار في سنة 1991 . فمن المسؤول عن هذا الفراغ الذي تدعي البوليساريو وتتشكى منه ؟ هل حقا ان المسؤول هو المغرب ، ام ان المسؤول هو البوليساريو الذي استطاب العيش والسكينة بعد ان طلق الكفاح المسلح لما يقارب الثلاثين سنة ؟
ام ان المسؤول الى جانب البوليساريو ، هو مجلس الامن ، والجمعية العامة للأمم المتحدة ، الذين حنّطوا النزاع عندما تخلوا عن القرارات التي يصدرونها بمناسبة او غير مناسبة ، وخاصة ان اتفاق وقف اطلاق النار قد تم ابرامه تحت مسؤوليتهما كضامنين لكل النتائج التي انبثقت عن الاتفاق ، خاصة دور المينورسو الرئيسي في تنظيم الاستفتاء الذي اضحى متجاوزا من قبل ضامني الاتفاق انفسهم ؟
فكيف للبوليساريو ان تحمل مسؤولية الوضع المستمر منذ ثلاثين سنة للمغرب ، في حين ان هذا ليس هو من كان يصدر القرارات المتعاقبة منذ 1960 بالنسبة للجمعية العامة ، ومنذ 1975 بالنسبة لمجلس الامن ، كما انه ليس هو الجبهة التي وقعت اتفاق 1991 ؟
فهل القرارات التي صدرت في النزاع كانت قرارات مغربية ، ام انها كانت قرارات اممية ، وهنا كيف تحميل جهة المسؤولية عن اشياء لم تصدرها ، والتغاضي عن الجهة المسؤولة عن الوضع الذي هي مجلس الامن والجمعية العامة للأمم المتحدة ، ونسيان بل ربما تجاهل المسؤولية المباشرة لجبهة البوليساريو عندما انتظرت حوالي ثلاثين سنة لتنوب عنها الأمم المتحدة في تنظيم استفتاء فقد كل شروطه ودواعيه ، وبقناعة مجلس الامن والأمم المتحدة اللذان تخليا عن اتفاق ابرم تحت شرفهما ، وضمنا تنفيذ كل البنود التي نتجت عن الاتفاق ، والتي أصبحت بفعل مرور الزمن فاقدة لرمزيتها ، ولدلالتها التي انشات من اجلها ؟
المغرب غير مسؤول كما جاء في اتهام سفير البوليساريو له ، بعرقلة الحل الذي ترغب به الجبهة وعرابها الجزائر ، فهو الى الآن يتجاوب مع قرارات الأمم المتحدة في صياغتها التي تحمل في طياتها أسباب استحالة تنفيذها ، ومن جهة يبقى المسؤول عن الوضع الذي لا يروق الجبهة ، ولا يروق الجزائر وحلفاءهما كجنوب افريقيا ، الأمم المتحدة ، ومجلس الامن اللذان ترجع لهما ولوحدهما كل القرارات المتخذة .. لكن يبقى المسؤول الأول والأخير جبهة البوليساريو التي سقطت في مقلب اكبر منها ، فكان رصاصة الرحمة التي صوبتها الجبهة على راسها بمحض ارادتها ....
فهل بوادر عودة الى الكفاح المسلح تلوح في الأفق ؟ وان افترضنا جدلا ان الحرب حتمية ، فهل تعتقد الجبهة التي غطت في سبات سنوي دام ثلاثين سنة ، وليس فصلي شتوي ، انها قادرة على تكرار الحرب التي دامت ستة عشر سنة ، وبنفس القوة ، والضبط والحماسة ؟
بعد ان فقدت الجبهة زخمها واشعاعها الدولي الذي نفخت فيه الحرب الباردة التي انتهت ، وكان من المفروض ان ينتهي معه صراع الصحراء المفتعل بنهاية الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفياتي ، ومعه كل المعسكر ( الاشتراكي ) ، لم تجد الجبهة من وسيلة للتعبير المزيف عن استمرارها في الوجود ، غير استغلال دورات اجتماعات مجلس الامن لبحث نزاع الصحراء ، للتهديد بالعودة الى الحرب مرات ، ودفع انفصالي الداخل للقيام بخرجات مضبوطة ، علهم يؤثرون في قرارات مجلس الامن حتى تستجيب لطموحاتهم بالانفصال ... وهنا فان مبادرة اميناتو حيدر بإنشائها ISACOM ، وتجديد CODESA ، کان من صنع المخابرات الجزائرية للتاثير بالمنطقة بخلق مشاكل للرباط ، ومن ثم النجاح في التاثير على القرار الذي سيصدره مجلس الامن في موضوع النزاع المطروح ، رغم ان التقرير الذي اعده الامين العام عرى عن حقيقة البوليساريو امام اعضاء مجلس الامن ..
هكذا سنجد ان استراتيجية الكفاح المسلح التي اعتمدتها الجبهة وبدعم من الجزائر، قد اعطت اكلها طيلة ستة عشر سنة ، اي حتى سنة 1991 الذي سقطت فيها الجبهة في مقلب اتفاق وقف اطلاق النار ... لكن بعد الاتفاق ، وبعد مرور حوالي ثلاثين سنة من توقيعه ، واضحى فارغا من شروطه التي اضحت متجاوزة بفعل مرور الوقت الذي يذيب الحجر قبل البشر ، حتى اصبحت الجبهة تعيش على الاطلال ، وعلى ذكريات اصبحت من الماضي ، وليس الحاضر الذي تحكمه شروط وقوانين ، فرضت نفسها مع التغيير الذي عرفه العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي ...
ان تحريض جنوب افريقيا الجبهة بالعودة الى الحرب ، وان القول بابرام اتفاقيات دفاعية بين البوليساريو وبين الجزائر وجنوب افريقيا ، او مع غيرها من الدول الافريقية المساندة لانفصال الصحراء ، وبالتزامن مع انعقاد دورة مجلس الامن لبحث نزاع الصحراء ، تبقى عبارة عن فقاعة ، وصيحة في واد لا ولن تؤثر في الوضع العام الذي فرضه اتفاق وقف اطلاق النار منذ سنة 1991 ...
اّذن كان على الجبهة عوض توجيه اتهامها الى العنوان الخطأ ، ان تسائل نفسها اولا ، لماذا استطابت الوضع كما هوعليه منذ ثلاثين سنة خلت ، وما هي الاسباب التي جعلتها تقبل بالوضع رغم ان مجلس الامن ضرب عرض الحائط بنتائج اتفاق 1991 ، ومن اهمها افراغ المينورسو من وظيفتها الاساسية التي هي تنظيم الاستفتاء ، الذي لم يعد احد من اعضاء مجلس الامن يطالب به كما كان الحال قبل 1991 ... فاذاكانت الجبهة التي ابرمت عن طيب خاطرها الاتفاق المذكور ، ونتائج الاتفاق تعثرت ، فماذا يجبرها البقاء متمسكة بالسراب و تعلن انسحابها منه ، وتعود الى لغة الحرب التي سادت لستة عشر سنة قبل سنة 1991 ...
وكان على الجبهة كذلك عوض توجيه الاتهام الى المغرب ، عن ما سمته بالجمود والعرقلة التي تقف وراء مشروعها ، ان توجه الاتهام الى مجاس الامن الذي اصدر القرارات التي هي قراراته ، وليس بقرارات مغربية ، فتسائل المجلس عن عجزه في تنفيذ ما تم التوقيع باشرافة ، وبضماناته .
بالنسبة للمغرب الذي وقع اتفاق وقف اطلاق النار ، الى الآن لا يزال يحترم الاتفاق ، سواء من خلال احترام وقف اطلاق النار ، وسواء من حيث ازالة الالغام التي توقفت بعض التشنج الذي لاحت بوادره من قبل الجبهة ، خاصة وانها عانت من ظاهرة فرار الصحراويين من تندوف الى المغرب .. فترك الالغام مزروعة يفيدها اكثر في مشكل فرار الصحراويين وعودتهم الى المغرب ...
اذن ما المشكل بالنسبة للمغرب في تحميله المسؤولية عن واقع ، المسؤول الاول عنه جبهة البوليساريو التي استكانت مع الوضع ثلاثين سنة، ومجلس الامن الذي عجز في تنفيذ قراراته المستحيلة التطبيق ، لانها تحمل من حيث المضمون وليس الشكل ، النقيض والنقيض له ..
ومرة اخرى . هل المغرب من افرغ المينورسو من مهمتها السياسية ؟
ان الوضع الذي اضحت عليه الجبهة منذ ثلاثين سنة من الانتظار في غرفة الانتظار ، وهي تعلم انها تنتظر السراب ، ليس بفعل المغرب ، بل بفعل مجلس الامن الذي ضمن اتفاق 1991 ، لا يختلف من حيث الجوهر عن النهاية التي وصلت اليها منظمة ( التحرير الفلسطينية ) التي انتظرت منذ 1982 ( مؤتمر مدريد ) ، وانتظرت منذ 1993 ( مؤتمر أسلو ) لتجد نفسها قد فقدت كل فلسطين ، بتاييد وبتزكية الدول العربية ، والاتحاد الاوربي ، والولايات المتحدة الامريكية ....
ومرة اخرى السؤال لقيادة الجبهة : ماذا انتم فاعلون اذا طالت دعواتكم ، ولم يصغي اليها مجلس الامن ، ولا اعارها الاهتمام ؟
هل تستطيعون الرجوع الى الكفاح المسلح الذي دام سنة عشر سنة ، وانتهى بتوقيعكم على اتفاق وقف اطلاق النار ؟
وهل تستطيعون اطلاق رصاصة واحدة ، دون اوامر الجزائر ، فعندها ستصبح الحرب مفتوحة مع الجزائر ، وهذه الذي اصبحت بمثابة الرجل المريض بالمنطقة ، بسبب سقوط الاتحاد السوفياتي ، وسقوط جدار برلين ، وتراجع اثمنة الغاز والبترول ... والازمة التي ضربت الدولة ... قادرة على تدبير اقتصاد الحرب ، الى جانب الاقتصاد المدني الاكثر من المتعثر ...
الحصيلة التي وصلت اليها جبهة البوليساريو منذ ثلاثين سنة من الانتظارية الفاشلة ، انتظارية السراب ، ولا تزال تنظر وهي تعلم انها تنتظر السراب ... هي نفس الحصيلة وصلت اليها منظمة ( التحرير الفلسطينية ) بعد انتظارها ثمانية وثلاثين سنة لحل الدولتين ، وللاسف لا تزال تنظر ، وهي تعلم انها تنتظر مجرد السراب ، لان الضم المنتظر سينهي مع شيء كان يسمى بفلسطين ، مثل ان اتفاق 1991 انهى مع حلم كان يسمى ( الجمهورية الصحراوية ) ...