فلاسفة أهملناهم

منسى موريس
2020 / 10 / 16

إن دور الفلسفة والتفلسف ضرورى ومهم لتقدم المجتمعات وتطورها لأن موضوع الفلسفة الرئيس هو الفكر ولايمكن أن ينتقل الإنسان من من المرحلة البدائية القبلية التي تسود فيها روح التعصب والعواطف والخرافة واللاعقل إلى مرحلة الحضارة التي تقوم على المنطق والعقلانية والعلم بدون دراسة الفكر والفلسفة ، لأن الفلسفة دورها يكمن في تحليل الأفكار وطرح الأسئلة حول كل شيء والوصول إلى نتائج أكثر عقلانية ، ومن هنا يجب علينا الإنصات لصوت الفلاسفة والإنصات الذى أقصده هنا ليس التسليم الكامل والإيمان بكل ما يقوله الفلاسفة بصورة عمياء لأننا لو فعلنا ذلك لرجعنا إلى المرحلة البدائية مرة أخرى لكن علينا الإطلاع على ماكتبوه ومناقشة أطروحاتهم الفكرية مناقشة عقلية لكى نصل إلى نتائج تُفيدنا في واقعنا الحاضر لأن الحاضر هو عبارة عن فكر ولا يمكن أن يتغير إلا بتغيير الفكر نفسه ولذلك فمن الضرورى إحياء و إستحضار التراث الفلسفى لهؤلاء الفلاسفة لتكوين عقلية تتكلم بلغة العقل وتشكيل نظرة أعمق للحياة.
ومن هم هؤلاء الفلاسفة الذين أهملناهم؟ في الحقيقة هناك عشرات الفلاسفة الذين لم يأخذوا حظهم وحقهم من الشهرة ولم تُدرس حتى أفكارهم داخل أقسام الفلسفة رغم أن ما قدموه يستحق الدراسة والتأمل والوقوف عنده كثيراً نظراً لأهمية أطروحاتهم الفكرية والفلسفية ، وفى هذا المقال سأختار ثلاثة فلاسفة هم " يوسف كرم ، زكريا إبراهيم ، مراد وهبة " وللأسف الشديد رغم حصولى على الليسانس في الفلسفة لم أسمع عن هؤلاء داخل قسم الفلسفة لكن إهتمامى بالقراءة دفعنى لتجاوز المناهج المعتمدة والرسمية وجعلنى أبحث خارج كل الصناديق ، ولماذا هؤلاء الثلاثة بالتحديد ؟ لأن هؤلاء أقرب لنا في الزمان والمكان والثقافة وعانوا ما نعانيه نحن وعاشوا مشاكلنا وكل منهم كتب وحلل وفق منظوره الخاص وفى نفس ذات الوقت هم أبعد عنا فكراً فنحن السبب في هذا الإبتعاد ، وهذا التناقض بين قربهم في المكان والزمان والثقافة وبعدهم عنا في الفكر هو الذى دفعنى لأن أكتب هذا المقال وربما في المستقبل أقوم بتقديم وعرض فلسفة كل منهم بشكل مسهب لكن سأكتفى في هذا المقال بتقديم نظرة عامة عن هؤلاء الثلاثة .
1- " يوسف بطرس كرم 1886 – 1959" ولد في مصر وأصل عائلته من لبنان وهو مسيحي المعتقد لم يتزوج عاش مع أخته و كرس حياته لدراسة الفلسفة والفكر ، ومن مؤلفاته ثلاثة كتب في تاريخ الفلسفة " اليونانية والأوربية والحديثة " وفى تأريخه للفلسفة لايقل عن فلاسفة كبار مثل " برتراند راسل أو غيره " فأسلوبه دقيق للغاية فكراً ولغةً وعمقاً وله كتابين يعرض فيهما فيلسوفنا فلسفته الخاصة ونتاج بحثه الدؤوب وهما " العقل والوجود و الطبيعة وما بعد الطبيعة " وله كتاب ثالث لكن للأسف الشديد لم يظهر إلى النور عن " الأخلاق" بسبب إنهيار منزله و ضاع هذا المؤلف الثمين ، عندما تقرأ لفيلسوفنا " يوسف كرم " فأنت تقرأ لفيلسوف لايقل لغةً ولا منهجاً ولا أسلوباً عن الفلاسفة الكبار أمثال " أرسطو ، ابن سينا ، ابن رشد ، توما الأكوينى " فهو فيلسوف من الطراز الرفيع وهذا واضح كل الوضوح لمن قرأ كتابه " العقل والوجود " والذى صاغ فيه فلسفته بنمط عقلى فهو فيلسوف عقلى يؤكد دائماً على المبادئ العقلية وعلى قدرة العقل في إكتشاف حقائق الوجود فهو يختلف مع السوفسطائيين الذين نادوا بنسبية المعرفة ويُفند مزاعمهم ويختلف أيضاً مع قول اللاأدريين بأن العقل غير مؤهل لإقتناص المعرفة ، يرى فيلسوفنا أن وجود الله هو ضرورة عقلية وأن الإيمان أكثر منطقية من الإلحاد بحسب فلسفته العقلية وهذا يتضح في كتابه الثانى " الطبيعة وما بعد الطبيعة " الذى إنتقد فيه الفلاسفة الذين نادوا بمادية العالم ووحدة الوجود ، إن إبداع فيلسوفنا في مؤلفاته لايتمثل فقط بعرض آراء الفلاسفة عبر العصور بل لإخضاعها إلى مبادئ الفلسفة العقلية ونقدها نقداً منطقياً فهو فيلسوف حقيقى أعلى من شأن الفلسفة والعقل ، وهذا ما نحتاجه اليوم أن نُرسخ لثقافة عقلية تؤمن بالعقل ومبادئه وقوانيه إذا أردنا التقدم والتطور .
2- " زكريا إبراهيم 1924- 27 أبريل 1976" فيلسوف مسيحي قبطى له مؤلفات كثيرة فقد كان غزير الإنتاج وله أعمال ودراسات متعدده ومتشعبه في الفلسفة ، هو فيلسوف المشكلات " فالإنسان مشكلة ، والحب مشكلة ، والحرية مشكلة ، والفلسفة مشكلة ، والحياة مشكلة ، والأخلاق مشكلة " وكل مشكلة صاغها في كتاب مستقل عرض فيها آراء الأقدمين والمحدثين في الشرق والغرب من فلاسفة وعلماء ومتصوفة ثم في الأخير يدلي بدلوه ويعقب على كل رأي أنه مجهود جبار خرافى بكل المقاييس وكانت تجربتى الأولى مع فيلسوفنا حين قرأت له كتاب " مشكلة الحياة " إستغربت من كم المعلومات وطريقة تفكيره في الإستدلال ومدى موسوعية هذا الإنسان فقرأت له الكثير بعد ذلك أما عن دراساته فكتب عن " الفلسفة المعاصرة " و " الفلسفة الوجودية " وفى الحقيقة لايمكننا إلا أن نقول أن هذا الرجل فيلسوف بكل معنى الكلمة نتعلم منه أن كل ما هو عادى بالنسبة لنا هو في الأصل مشكلة أي شيء يستحق الدراسة والتأمل والتفكير وعلينا نُعيد النظر في كل ما حولنا من جديد لكى نبنى واقع جديد وفكر جديد وهنا تكمن براعة فيلسوفنا.
3- " مراد وهبة " فيلسوف قبطى معاصر له مؤلفات عديدة منها " قصة الفلسفة ، المعجم الفلسفى ، جرثومة التخلف ، مُلاك الحقيقة المُطلقة ، الأصولية والعلمانية " كان أول كتاب قرأته لفيلسوفنا "مُلاك الحقيقة المُطلقة " ثم بعد ذلك قرأت أغلب مؤلفاته ، تتمحور فلسفته حول الترابط بين وهم إمتلاك الإنسان للحقيقة المُطلقة وبين ظهور الأصوليات و أفول العقل ففيلسوفنا يرى أن الأصوليات الدينية هي التي تؤثر بالسلب على عملية التفكير الإنسانى وكلما إعتقد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة المُطلقة كلما كان أبعد عن الحقيقة وأصبح أقرب للدوجماطيقية والتعصب الأعمى ، ويدافع فيلسوفنا عن العلمانية وينادى بضرورة الفصل بين الزمنى والأبدى وبين المُطلق والنسبى ، وفيلسوفنا متأثر بفلسفة " ابن رشد " لأنه يرى أن فلسفته تقتضى تدخل العقل الإنسانى في النص الدينى وتأويله بشكل حداثى يتناسب مع قيم العلم والحضارة ، ويدافع فيلسوفنا عن الفلسفة كونها تجعل عقل الإنسان في يقظة تامة ، ويعتبر فيلسوفنا أكثر شهرة من " يوسف كرم و زكريا إبراهيم " بسبب مؤتمراته الفلسفية وظهوره القليل على بعض القنوات الفضائية لكن الجانب المشترك بين كل هؤلاء عدم ذكر مجهوداتهم الفكرية داخل الجامعات وأقسام الفلسفة ، وفى الحقيقة صُدمت عندما وجدت الكثير من الشباب الذى يقرأ في الفلسفة سواء كان متخصص أم لا لايعرف هؤلاء الثلاثة .
في الأخير لا أعتقد أن هذه السطور القليلة التي كتبتها كفيلة أن تُلخص أفكارهؤلاء الفلاسفة الكبار لكن هدفى هو محاولة لتسليط الضوء على أفكارهم وشخوصهم وأتمنى في المستقبل أن تُدرس فلسفتهم في أقسام الفلسفة لأنه من المحزن جداً أن يحصل طالب على الليسانس أو الماجستير في الفلسفة ولايعرف من هم هؤلاء .