الماركسية والخيال العلمي... خطأ في النظرية؟! أم حملة رأسمالية؟!

حسين محمود التلاوي
2020 / 10 / 15

يرى الكثير من النقاد والمتخصصين أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الماركسية العلمية والخيال العلمي؛ فيقولون إن الهدف الرئيسي من كلا الاتجاهين هو تأسيس مجتمع طوباوي Utopian Society تسود فيه العدالة الاجتماعية، ولا يعاني فيه البشر من الفوارق الطبقية، ويصير فيه الجميع سواءً يعيشون في سعادة أبدية.
لكن هناك من يرى أن الاتجاهين "يبيعان الوهم"؛ فلا يمكن للبشر أن يعيشوا في مجتمع بلا مشكلات، ولا يمكن أن يكون هناك مجتمع تسود فيه العدالة الاجتماعية، ويعيش في سعادة أبدية؛ لأن ذلك يخالف الطبيعة البشرية التي تسعى دومًا إلى التطور؛ بما يتناقض مع العيش في مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية، والسعادة الأبدية؛ حيث ينتهي طموح الإنسان في التطور والارتقاء. لذلك أطلقوا على هذا المجتمع مسمى المجتمع الفاسد أو غير الطوباوي Dystopian Society.
تبدو وجهة النظر هذه ذات حجية؛ فالعيش في سعادة ربما يقضي على الطموح الإنساني، لكن... هل الماركسية فعلًا "تبيع الوهم" بالقول بضرورة القضاء على الفوارق الطبقية؟ وهل تشبه الخيال العلمي في ذلك؟ وهل الخيال العلمي من الأساس يسعى إلى ذلك؟ حسنًا، سوف نحاول في عجالة سريعة أن نقدم ما يمكن اعتباره إجابات مبسطة لتلك الأسئلة.

الماركسية... بيع للوهم؟!
يقول الادعاء إن الماركسية "تبيع الوهم" مثلها في ذلك مثل الخيال العلمي؛ حيث إن السعي للقضاء على الفوارق الطبقية يعني أن طموح الفرد سوف ينتهي، وسوف تذوب الفردية وسط الجماعية، وتتلاشى شخصية الفرد لمصلحة شخصية المجتمع. وفي مرحلة تالية سوف يحاول المجتمع حماية نفسه، وهويته من أية محاولات يقدم عليها الأفراد لكي يحققوا طموحات فردية.
وفي المقابل قدم الغرب نموذجًا للخيال العلمي تنتهي فيه الأفلام دومًا بالسعي وراء منجز جديد؛ وهو في مرة حماية كوكب الأرض من الغزو، وفي مرة أخرى استكشاف عوالم جديدة. تختلف النهايات لكن الفكرة هي أن هناك مسعىً جديدًا يجب العمل على تحقيقه في مقابل "الجمود" و"الخمول" وغياب الطموح" و"عالم المسخ الواحد" في النسخة الأولى من الخيال العلمي التي جرى اتهامها بالماركسية.
حسنًا هذا الادعاء هو في ذاته وهم بعينه، لم يصدر إلا على سبيل الدعاية الرأسمالية ضد الماركسية، عندما رأى منظرو الرأسمالية أن الخيال العلمي الرامي إلى تأسيس المجتمع الطوباوي يمثل دعاية للشيوعية؛ ومن ثم يتعين تصويره على أن هذه الأفكار الطوباوية تمثل أفيونًا، وسوف يتحول المجتمع نتيجتها إلى كيان شرير يأكل أبناءه Dystopian Society؛ مثلما صورته قصة 1984، وغيرها من القصص.

التناقض... والثورة مستمرة...
إذن، لماذا نقول إن هذا الادعاء وهم؟! من يقول به يتناسى حقيقة مهمة للغاية في الماركسية؛ وهي مبدأ "التناقض". كيف؟! هذا المبدأ ينص على أن كل شيء يحمل في طياته بذور الضد منه؛ أي أن كل شيء يحمل في طياته تناقضًا، ويظل هذا التناقض يكبر، ويكبر إلى أن يصل حد الانفجار. وبعد أن يحدث هذا الانفجار، يظهر شيء جديد يعيش مرحلة استقرار، لكنه يحمل كذلك في طياته تناقضًا يظل يكبر، ويكبر، وهكذا. من هذا المبدأ ظهر مبدأ آخر هو "الثورة مستمرة"؛ حيث إن الثورة مستمرة؛ لأنه لا يوجد استقرار دائم، ومن الطبيعي أن تظهر تناقضات تستحق الثورة ضدها.
هذا المبدأ — "التناقض" — والمبدأ المنبثق منه — الثورة مستمرة" — يضربان في الصميم فكرة أن الطموح الإنساني سوف يتلاشى، وأن المجتمع سوف يبقى ساكنًا بما يتناقض مع طبيعة الإنسان وطبيعة المجتمع؛ فالماركسية والشيوعية إجمالًا تهدفان إلى تأسيس مجتمع بلا فوارق طبقية، وبلا آلام التي تترتب على الطبقات، لكنه مجتمع لا يخلو من الطموح الإنساني، والدليل على ذلك أن الأبطال السوفييت كانوا يكتسحون أبطال أوروبا والولايات المتحدة في الألعاب الأولمبية، وكذلك فرقة باليه البولشوي السوفييتية كانت من أفضل بل أفضل فرق الباليه في العالم. أين قتل الطموح؟!
الأمر لا يعدو أن يكون دعاية رأسمالية سعى إليها منظرو الرأسمالية بعد أن رأوا أن الخيال العلمي يمثل خير دعاية للفكرة الشيوعية في المجتمع الخالي من الطبقات والذي يكفل حياة كريمة لأفراده، بعيدًا عن "حياة اللهاث" التي يعيشها الإنسان في ظل الرأسمالية، والتي تجعل منه كائنًا راكضًا طوال الوقت وراء لقمة عيشه، ولا إمكانية للتوقف عن ذلك الركض؛ لأن التوقف يعني أن تدهسه عجلات الحياة، وتلقي به على قارعة الطريق متسولًا.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار