الاستلاب للآخر وتسريبات هيلاري: لا الجمهوريون أصدقاء ولا الديمقراطيون أعداء

حاتم الجوهرى
2020 / 10 / 15

مؤخرا ظهر حدث وإشغال جديد للناس يسعى له تيار "الاستلاب للآخر" الصهيوني والخضوع له، تهميشا لما هو أساسي وحيوي ويخص ما يدور حول الناس ويدبر للمنطقة العربية، خاصة ما يجري تنفيذه بعد توقيع الإمارات والبحرين على الاتفاقية مع "إسرائيل"، وهو انتقال خطاب الاستلاب لمرحلة جديدة تماما، المرحلة الأولى كانت الترويج له بين النخب الثقافية والسياسية، والثانية كانت انتقاله لمستوى الدول مع الإمارات باتفاقية "إبراهيم"، أما المرحلة الثالثة والأخطر فتجري الآن على قدم وساق لوصول خطاب الاستلاب للمستوى الجماهيري والتعميم، مع الدعوة لنشر ما يسمى بـ"الإبراهيمية" كغطاء فكري شامل لموضوع استلاب الشخصية العربية، وإخضاعها تماما للتصورات الصهيونية ومشاريعها وأفكارها، وفرض سرديتها الكبرى عن الصراع العربي الصهيوني والسيطرة على المنطقة.

تسريبات "هيلاري كلينتون"
إنما في هذا المقال أريد الإشارة إلى إشغال جديد وزائف يمارسه أنصار تيار "الاستلاب للآخر" الصهيوني، الذي خرج به يوسف زيدان للمرة الأولى في نهاية عام 2015، وهو موضوع التسريبات الخاصة بهيلاري كلينتون حين كانت وزيرة للخارجية في إدارة الرئيس أوباما، التي تنتمي للحزب الديمقراطي الأمريكي، خاصة ما يتعلق فيها بعلاقة هيلاري وإدارة أوباما بفصائل الدين السياسي وعلى رأسهم الإخوان في مصر، ليسعى تيار الاستلاب لتوظيف الأمر في صالح مشروعهم لـ"الاستلاب للآخر" الصهيوني والأمريكي، ويقدمون المسألة في سياق دعم ترامب في حملته الانتخابية، وأن نجاح منافسه بايدن قد يعني عودة سياسات الديمقراطيين ودعمهم لفصائل الدين السياسي وتنظيماتها الإرهابية!

تمثل جديد لتيار الاستلاب
الحقيقة أن تيار الاستلاب لم يكن في حاجة لتسريبات إدارة أوباما، ليبدي المزيد من الخضوع للخطاب السياسي الأمريكي في مرحلته "الامبراطورية" مع ترامب، هم "مستلبون" بالفعل، وكل "مستلب" وفق دوافعه الخاصة، مركز خطاب "الاستلاب" يكمن في الاستلاب السلطوي، والنخب التي على علاقة بالأبنية السلطوية في العالم العربي، إلى جوارهم يوجد "المستلبون" بدوافع دينية مذهبية وسياسية وطائفية (وسلطوية أيضا)، بالإضافة إلى "المستلبون" بدوافع علمانية متنوعة ومتعددة.
لكن جاء موضوع تسريبات هيلاري كلينتون ليعطي تيار الاستلاب للآخر الصهيوني والهيمنة الأمريكية، مادة جديدة ليتغذي عليها ويجد تمثلا ومبررا جديدا لخطاب الاستلاب، وهو الترحيب بترامب ومشروعه الانتخابي والسياسي و"صفقة القرن" بما تحمله من ذلٍ وهوانٍ للذات العربية، بحجة أن البديل والمرشح المنافس بايدن سيدعم الإخوان وتنظيمات الدين السياسي وفصائله الإرهابية المتنوعة!

الجمهوريون ذروة الخطاب "الامبراطوري" الأمريكي
نجاح التطبيق على الحالة العربية وفشله فيما سواها
ما لا يريد تيار الاستلاب الالتفات له، أن ترامب اختبر سياسته الخارجية "الامبراطورية" المتعالية في ملفات عدة متنوعة، ولم ينجح إلا في الملف العربي بسبب غياب سياسات عربية بديلة ومضادة تكون بالوعي والقدرة على المناورة ذاتها، التي مارسها ترامب طوال فترته الانتخابية الأولى. للعلم وللتاريخ اختبر ترامب سياساته الخارجية في عدة ملفات ولم تفلح وفشلت فشلا مدويا..
فشل ترامب في تنفيذها مع الكوريين الشماليين، وفشل في تنفيذها مع إيران التي ردت له الصاع صاعين، وفشل في تطبيقها مع الصين التي وقفت له الند للند تجاريا واقتصاديا وسياسيا..! كانت إدارة الملفات الثلاثة السابقة على درجة من القوة الكافية والمناورة والرد من أصحابها، لتجعل ترامب يتراجع عنها بذكاء بعد أن وصلته الرسالة.

سياسات خارجية أمريكية اعتمادا على "آليات السوق"
والتوحش والتعامل مع البشر كأشياء ومعادلات كمية
إلا العرب، لم يجد ترامب حائطا مائلا ليمارس عليه خطاب الهيمنة "الامبراطوري" وينجح فيه، سوى الملف العربي وقضية فلسطين التي كانت موضع فخره في السياسات الخارجية الأمريكية، ليثبت نظرياته في تطبيق "آليات السوق" على المجال الدولي، وهو الأمر الذي يتبدى بوضوح فيما سماه "صفقة" القرن، أي تحديد الأطراف ذات الصلة بالموضوع، والبحث عن نقاط الضعف والقوة، والحاجة أو الاستغناء، ثم التفاوض الضاغط بالعصى الغليظة على نقاط الضعف، والتلويح الجزرة الناعمة في مواضع الحاجة، مع تفجير التناقضات وخلق التدافع الداخلي بين أطراف البيت الواحد، كما فعل تماما في الحالة العربية في موضوع فلسطين وما أسماه: "صفقة" القرن.

خرافات المستلبين: الجمهوريون أصدقاء والديمقراطيون أعداء
المشكلة أنه على سبيل المزايدة وزيادة التناقضات؛ خرج البعض في الإعلام المرئي وبعض الصحف مصورا إدارة ترامب كحليف للإدارة السياسية المصرية الحالية ضد بايدن المرشح الآخر في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الدائرة، بحجة أن منافسه ينتمي للحزب الديمقراطي وقد يستعيد سياسات أوباما التي مدت الجسور مع تنظيمات الإسلام السياسي والإخوان!
والحقيقة العارية والبديهية التي يتجاهلها هؤلاء؛ أن أمريكا تسعى للوجود والسيطرة على المشهد العربي في كل وضعٍ وحالٍ ووقتٍ، إدارة أوباما رأت احتمالية لصعود تنظيمات الإسلام السياسي فمدت الجسور لتحاول التواجد وتنفيذ أهدافها في الشرق الأوسط، إدارة ترامب شهدت صعود بنية "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري مجددا، فمدت لها الجسور من أجل تنفيذ أهدافها أيضا، ولا جديد في سياسة الهيمنة وفرض السيناريوهات التي تمارسها أمريكا طوال الوقت.

خاتمة: الاستعداد للتعامل مع كل السيناريوهات
وتجاوز منطق الحشد الخاص بتيار الاستلاب
دعاة تيار الاستلاب يسعون لخلق تناقض جديد يدعمون به توجههم، في حين أن بديهيهات الوعي السياسي والحضاري الشامل، تقول بإعداد السيناريوهات والخطط المضادة للإدارة الأمريكية الحالية و المقبلة، سواء فاز بها الجمهوريون مع ترامب أو الديمقراطيون مع بايدن..
والتأكيد على قدرة مصر واستعدادها لمواجهة السيناريوهات الأمريكية بسيناريوهات بديلة، و العمل من أي إدارة أمريكية وفق أهداف الأمن القومي المصري فقط، والعمل الجاد والطموح لتعظيم مصادر الأمن القومي المصري المستقل الناعم والخشن، بدلا من حالة رد الفعل والحشد في اتجاه واحد دون تفكير في البدائل وسبل المواجهة، التي يدعمها تيار الاستلاب المصري والعربي حاليا.

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا