الجنيه المصري بين الغطاء النقدي والجنيه الذهب

احمد البهائي
2020 / 10 / 14

خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى 47 لانتصارات أكتوبر المجيدة، قال الرئيس السيسي ، "الغطاء النقدي بتاع مصر راح امتى.. استهلك في حرب اليمن،وفي نفس الندوة قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي " الجنيه المصري كان يعادل قيمة الجنيه الذهب في الفترة من 1900الى 1950 حيث الجنيه المصري كان يعادل الجنيه الذهب و5 قروش، وكان الدولار يساوي 20 قرشًا، وكانت أوقية الذهب تساوي أربع جنيهات مصري
وهنا نصحح بعض ما قيل : في 25 يونية 1898م ، تأسس البنك الاهلي وتم تخويله دون غيره بإمتياز إصدار النقود الورقية ، بالإضافة لاختصاصه بالأعمال المصرفية العادية كمنح القروض للزراع ورجال الاعمال وللحكومة والبلديات والمنشأت والمؤسسات العامة وغيرها من الاعمال التجارية والمالية والصناعية في مصر، وكانت الحكومة المصرية تضع فيه اموالها وكذلك كبار التجار، وكان البنك يعمل في خدمة الاحتلال البريطاني بإمتياز ، ويعمل بتوجيه منه بصفة خاصة ، فقد قدم خدمات عظيمة لا تحصى ولا تعد للاحتلال الربيطاني اثناء الحرب العالمية الاولى والثانية ، لولاها ما بقت انجلترا وهذا باعتراف كبار الساسة وقتها ، فقد وضع البنك في يدها قوة شرائية هائلة لم تكن لها باي حال من الاحوال ، وذلك عن طريق ما اعطي له من حق في اصدار اوراق النقد البنكنوت ، فقد استغل الاحتلال البريطاني هذا العطاء اسوء استغلال .
عند اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 ، أثر ذلك على النظام النقدي المصري حيث قام الأفراد وكبار التجار بتحويل العملات الورقية إلى ذهب ، وهو ما دعا لصدور قرار في 2 أغسطس 1914 بفرض السعر الإلزامي للأوراق ما أدى لإختفاء الذهب من التداول ، واستمرار البنك الأهلي باعتباره بنك إصدار في الاحتفاظ بالرصيد الذهبي للعملة الورقية النقدية الملزمة للتداول ، ولكن بإيداع غطاء الجنيه المصري من الذهب لدى بنك إنجلترا وحده دون غيره ، وبالتالي توقف عملية إصدار النقود الورقية المصرية على ما يتوافر لديها من غطاء ذهبي لها لدى بنك إنجلترا في لندن، حيث كان يتم تحويل الأرصدة بين مصر وإنجلترا عن طريق التحويلات التلغرافية وعلى أساس سعري ان الجنيه الاسترليني يساوي97.5 قرشا وذلك حسب اتفاق 14 نوفمبر 1885 ، فمنذ ذلك الحين دخلت مصر في منطقة سيطرة الإسترليني النقدية وهو ما يعني تبعية النظام النقدي المصري قانونا للجنيه الإسترليني ، ومع اشتداد الحرب قام بنك إنجلترا بإخطار البنك الأهلي المصري بأنه لن يمكنه وضع الذهب تحت تصرفه كغطاء للبنكنوت ، بحجة ان ضرورة الحرب تحتم لبريطانيا الاستيلاء على مالديها من الذهب المصري الموجود في بنك انجلترا ، وهو ما دفع وزارة المالية المصرية لإصدار تعليماتها للبنك الأهلي بأن يكون غطاء أوراق النقد المصرية عبارة عن أذونات الخزانة البريطانية بديلا عن الذهب ، وبذلك اصبح الإسترليني قانونا وتشريعا أساس الغطاء لإصدار أوراق البنكنوت المصرية ، ونتيجة الاحتفاظ بأذونات الخزانة البريطانية عوضا عن الذهب ، وكذلك تثبيت سعر صرف الجنيه المصري امام الإسترليني على أساس سعر التعادل جنيه إسترليني 97,5 قرش ، الى تبعية مطلقة ،وبالتالي تعرض الإقتصاد المصري الى خسائر كبيرة جراء تبعيته للإسترليني ، خاصة أن مصر كانت تستثمر فوائضها المالية في الأوراق المالية البريطانية دون قيام بريطانيا بتحويل هذه الفوائض إلى ذهب لصالح مصر. وكذلك حصلت بريطانيا على كل ما تحتاجه من سلع وخدمات مصرية مقابل الجنيهات الذهبية الإسترلينية التي لم تدفعها مما أدى لنشأة الأرصدة الاسترلينية لصالح مصر، كما تعرض الجنيه المصري لتقلبات انخفاض الإسترليني ، وعندما خرجت إنجلترا من قاعدة الذهب عام 1931، وتدهور الإسترليني ، تدهور الجنيه المصري بالتبعية تدهورا كبيرا وخرج عن قاعدة الذهب واصبح غير قابل للتحويل الى الذهب ،
وتراكمت الأرصدة النقدية الإسترلينية لصالح مصر ، وبالتالي تمثل ديوناً لمصر على إنجلترا بسبب حصول بريطانيا على العملة المصرية الورقية لرفع صادراتها من مصر ودفع تكلفة جيوش دول الحلفاء بمصر مقابل إيداع جنيهات إسترلينية لصالح مصر بالبنك الأهلي المصري بلندن. وكذلك بسبب فرض القيود النقدية على منطقة الإسترليني منها عدم قابلية تحويل الإسترليني للعملات الأجنبية ، فتراكمت الأرصدة المصرية لدى بريطانيا بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، وكذلك بسبب إيداع مصر لكافة متحصلاتها من النقد الأجنبي بصندوق مشترك بلندن ، حيث في 30 ديسمبر 1944 زاد ارتباط الجنيه المصري بالجنيه الاسترليني قوة منذ الاتفاق التجاري البريطاني المصري، حيث نص الاتفاق على وضع يد بريطانيا على العملات الأجنبية والذهبية في مصر، كما نص على أن يورد المصريون إلى وزارة المالية المصرية كل ما يقع تحت أيديهم من العملات الصعبة على أن تحول وزارة المالية المصرية كل ما يصل من مبالغ إلى البنك الأهلي الذي يحولها بدوره إلى بنك انجلترا مقابل أذونات وإيصالات على الخزينة البريطانية ، دون أن يستطيع المصريون الحصول على البضائع والخدمات اللازمة للاقتصاد القومي، وبهذا أصبحت مصر مقيدة في صادراتها ووارداتها على ضوء كمية العملة الاسترلينية ، ولقد سيطرت هذه الأزمة على الحياة السياسية والإقتصادية في البلاد مما دعا ان يناقشها البرلمان المصري في جلسة 19 فبراير 1945 .
حيث تمكنت بريطانيا في الحربين العالميتين من الحصول على النقد المصري اللازم لها دون ان تتنازل عن ما يعادله من الذهب الذي تمتلكه ،فمثلا اذا ارادت بريطانيا ان تحصل على 20 مليون جنيه مصري فأنها تقدم الى فرع البنك الاهلي في لندن سندات خزانة بريطانيا تعادل قيمتها هذا المبلغ ثم يقوم فرع البنك بأخطار البنك الرئيسي بذلك ليقدم هذا المبلغ للسلطات البريطانية في مصر وبهذه الطريقة استطاع الاحتلال تمويل مشترياته ،مقابل ديون تراكمت لصالح مصر ،وبلغت هذه الأرصدة من الديون بنهاية عام 1946 (430 مليون جنيه استرليني) ولكن عليك الا تقلل من قيمة هذا المبلغ وعليك كذلك ان تقيسه بأسعار ذلك الزمن، وبالتالي تعقدت تسويتها واستغرقت الفترة من (1947-1959)لوضع حلول ، كلها صاحبها الفشل ، وهو ما فوت على مصر فرصة استثمارها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما تآكلت هذه الأرصدة بفعل التضخم العالمي الجامح ، مما أدى لارتفاع الأسعار، وبالتالي إنخفاض القيمة الشرائية للنقود الموجودة ببريطانيا .
وانضمت مصر لاتفاقية (برايتون وودز) في 22 يولية عام 1944 والتزمت مصر بمبدأ المساواة بين الدول وتحرير التجارة الدولية وثبات قيمة الجنيه المصري بالذهب والدولار الأمريكي وحددت اتفاقية خروج مصر من منطقة الإسترليني ، وتم تقييم الجنيه المصري على أساس أن وزنه من الذهب الخالص يعادل 3.67 جرام (الجنيه الذهب يساوي 8 جرام ذهب ) والذي يساوي 4.133 دولار أمريكي، وتفاوضت مصر مع بريطانيا للخروج من منطقة الإسترليني المملوكة للبنوك العاملة في مصر وعدم استعمالها إلى أن يتسنى وضع حل لها مستقبلا ، وتعهد بنك انجلترا بعدم تقييد الإسترليني من الأرصدة المفرج عنها والتي كانت مجمدة أو تلك التي ستحصل عليه مصر في صادراتها وتحويلها لعملات أجنبية ، ولكن بريطانيا لم تحترم تعهداتها بحرية تحويل الإسترليني إذا أوقفت قابليته للتحويل لعملات أجنبية وهو ما دفع مصر للدخول في مفاوضات عديدة مع بريطانيا .
اخيرا ، ان ما قيل ليس صحيح ، بان الجنيه المصري وقتها كان غطاءه الذهب ومرتبط بالذهب او يمكن تحويله الى ذهب من الناحية المالية بل كان مقدر به فقط ، وأن فرض السعر الإلزامي لأوراق البنكنوت، يعني لم يعد من الممكن تحويل البنكنوت إلى ذهب بل سمح ارتباط العملة الوطنية بالذهب عن طريق غير مباشر أي عن طريق عملة أجنبية قابلة للتحويل إلى الذهب، فالسلطات النقدية المصرية اضحت غير مسموح لها بتحويل أوراق البنكنوت التي تصدرها إلى ذهب فضلا على انها غطاءها الوحيد اذون خزانة ببنك انجلترا . فإنها تكون ملزمة بتحويلها إلى عملات أجنبية يمكن تحويلها في بلداه الأصلي إلى ذهب، ما يعني أن ارتباط العملة الوطنية هنا بالذهب ما هو إلا ارتباط غير مباشر، اي الأخذ بالجنيه الإسترليني، ثم الدولار الأمريكي كعملات أجنبية قابلة للتحويل إلى ذهب ، لهذا كان لابد من إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية وعلى وجه الخصوص أزمة الأرصدة الاسترلينية عام 1947 والتي بلغت قيمتها كما حددها وزير المالية آن ذاك بأنها 430 مليون جنيه استرليني ، حيث مرت مصر بخمسة اتفاقيات مالية على التوالي من 1947-1951 والتي باءت جميعها بالفشل نتيجة أن انجلترا قررت في 20 أغسطس 1947 وقف تحويل الاسترليني إلى عملة صعبة لمصر لاحتفاظها بالدولارات لنفسها ، وتسبب ذلك في صعوبة حصول مصر على ما تحتاجه من سلع وخدمات في منطقة اصدار الدولار او الدول التي تتعامل بالدولار ، وفي سنة 1949 عقدت بريطانيا وأمريكا وكندا مؤتمر بواشنطن قررت وجوب خفض الأرصدة للدول المدينة لها دون الرجوع إلى هذه الدول ومنها مصر، وتلي هذه الاتفاقيات مشروع اتفاقية يولية 1955 والذي نص على الافراج سنويا عن مبلغ 25 مليون جنيه من الأرصدة من 1956-1960 لتمويل مشروعات إنتاجية بمصر وعلقت بريطانيا موافقتها على الاتفاقية في حالة الغاء مصر نظام حق الاستيراد ،ثم المماطلة والتأجيل بحجة ان مصر ستشتري بها اسلحة لمحاربة اسرائيل لا لتمويل المشروعات .
الخلاصة ، بعيدا عن عدم الدراية بأحداث التاريخ ، والتمجيد والاشادة بفترة الاحتلال البريطاني لمصر ، من حق اي مسؤول ان يدلي برأية الشخصي حتى لو كان ذلك في مناسبة ، ولكن في مثل هكذا حفل (الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى 47 لانتصارات أكتوبر المجيدة ) عليه التحدث بالمراجع والوثائق والمستندات .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية