الحرية للأسير ماهر الأخرس قبل فوات الأوان

علي أبو هلال
2020 / 10 / 13

يواصل الأسير ماهر الأخرس إضرابه عن الطعام منذ 80 يوما، احتجاجا على اعتقاله الإداري، وكان الأخرس الذي يبلغ من العمر (49 عاما) قد اعتقل بتاريخ السابع والعشرين من تموز 2020 من منزله في بلدة سيلة الظهر في جنين. وجرى نقله بعد اعتقاله إلى مركز معتقل "حوارة" وفيه شرع في إضرابه المفتوح عن الطعام، ثم جرى تحويله إلى الاعتقال الإداري لمدة أربعة شهور ونقل إلى سجن "عوفر" لاحقا، وثبتت المحكمة العسكرية للاحتلال مدة اعتقاله الإداري.

استمر احتجازه في سجن "عوفر" إلى أن تدهور وضعه الصحي مع مرور الوقت، ونقلته إدارة سجون الاحتلال إلى سجن "عيادة الرملة"، وبقي فيها حتى بداية شهر أيلول المنصرم إلى أن نُقل إلى مستشفى "كابلان" الإسرائيلي حيث يحتجز حتى تاريخ اليوم، بوضع صحي صعب وخطير، ويرفض أخذ المدعمات وإجراء الفحوص الطبية.

في الثالث والعشرين من أيلول 2020، أصدرت المحكمة العليا للاحتلال قرارا يقضي بتجميد اعتقاله الإداري، وعليه اعتبر الأسير الأخرس والمؤسسات الحقوقية أن أمر التجميد ما هو إلا خدعة ومحاولة للالتفاف على الإضراب ولا يعني إنهاء اعتقاله الإداري. وفي الأول من تشرين الأول 2020، وبعد أن تقدمت محاميته بطلب جديد بالإفراج عنه، رفضت المحكمة القرار وأبقت على قرار تجميد اعتقاله الإداري.

وفي السابع من تشرين الأول 2020 الجاري، أعلنت زوجته إضرابها واعتصامها أمام مستشفى "كابلان" إسنادا لزوجها في معركته ومطالبة بالإفراج الفوري عنه، علما أنه أب لستة أبناء أصغرهم طفلة تبلغ من العمر ستة أعوام.

وكان الأسير الأخرس قد وجه رسالة قال فيها "شرطي الوحيد الحرية. فإما الحرية وإما الشهادة، وفي الجانبين انتصار لشعبي وللأسرى"، وتابع: "إضرابي هذا هو إعلان لحالة الأسرى التي وصلوا إليها، ودفاعا عن كل أسير فلسطيني، ودفاعا عن شعبي الذي يُعاني من الاحتلال، وانتصاري في هذا الإضراب هو انتصار للأسرى ولشعبي الفلسطيني، إما منتصر وراجع إلى شعبي منتصرا، أو شهيدا، وشهادتي هي قتل من جانب الاحتلال لي، وليس بيدي، فبيدهم الإفراج وبيدهم الاعتقال".

يُشار إلى أن الأسير الأخرس تعرض للاعتقال من قبل قوات الاحتلال لأول مرة عام 1989 واستمر اعتقاله في حينه لمدة سبعة شهور، والمرة الثانية عام 2004 لمدة عامين، ثم أُعيد اعتقاله عام 2009، وبقي معتقلا إداريا لمدة 16 شهرا، ومجددا اُعتقل عام 2018 واستمر اعتقاله لمدة 11 شهرا.

بعد هذه المدة الطويلة على خوضه معركة الأمعاء الخاوية، يعاني الأخرس من وضع صحي خطير، وانتكاسات صحية متتالية، إذ لم يعد يقوى على الوقوف نهائياً، ويمضي يومه نائماً، بالإضافة إلى فقدانه القدرة على الكلام والتركيز، والأخطر غيابه عن الوعي مراراً. وفي رسالة إلى عائلته أرسلتها المحامية أحلام حداد التي زارت الأسير الأخرس، يوم الأربعاء 22 من شهر أيلول الماضي، "وضع ماهر سيئ إلى أبعد الحدود، يواجه ظروفاً صحية صعبة وخطيرة، إذ تحتجزه سلطات الاحتلال في مستشفى كابلان الإسرائيلي". وتصف المحامية حداد حالة الأسير الأخرس، بقولها: "الرؤية لديه مشوشة، ليس باستطاعته النظر، لا تركيز في التفكير والكلام، يغيب عن الوعي كثيراً، لكن لفترات قصيرة، كذلك يفقد التركيز، يعاني من سرحان (شرود الذهن) طويل، أما بخصوص السمع، فهو ضعيف، هناك تقرحات في الفم وأوجاع في أنحاء جسده كافة، ويعاني من ضغط على الصدر، ودوخة شديدة وفقدان حاد بالوزن، لا قدرة على التحرك، ويلازم السرير على مدار 24 ساعة". وتمضي حداد في وصفها حالة الأخرس، قائلة: "يصعب عليه أن يجد الكلمة ليقولها، هناك تشتت ملحوظ، يقول لي إنّه يشعر مراراً بأنّه لا يعرف أين هو، ويفقد القدرة على الكلام". بينما أخطر ما ورد في رسالة حداد هو الكشف عن الضغوط الشديدة التي يتعرض لها الأخرس لوقف إضرابه عن الطعام، فقد جاء فيها: "أبلغني أنّ هناك ضغطاً عليه لوقف خطوته تلك من الأطباء - الإسرائيليين - والسجانين، وهو يشعر بأنّهم من طرف المخابرات الإسرائيلية، لكنّه لم يستجب لتلك المحاولات.

منذ شروعه في الإضراب، تعرّض الأسير الأخرس لعمليات نقل متكررة، في محاولة لإنهاكه وثنيه عن الاستمرار، إذ احتُجِز بدايةَ اعتقاله في معتقل "حوارة" المقام على أراضٍ في جنوب نابلس، شمالي الضفة الغربية، ثم نُقل إلى زنازين سجن "عوفر" غربي رام الله، وسط الضفة الغربية، إلى أن نُقل إلى سجن "عيادة الرملة" بعد مرور نحو ثلاثين يوماً على إضرابه، وأخيراً إلى مستشفى "كابلان" الإسرائيلي نتيجة التدهور الكبير في صحته.

الآن يعاني الأسير من خطر شديد قد يودي بحياته، في أي وقت الأمر الذي يقتضي توسيع حملة التضامن الشعبية معه من أجل أطلاق سراحه فورا، ويتطلب من المؤسسات المعنية الفلسطينية بشؤون الأسرى، ومن كافة المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمات الأمم المتحدة، ومنظمة الصليب الأحمر الدولية، ومنظمة العفو الدولية "أمنستي" وغيرها من المؤسسات الدولية الحقوقية التدخل السريع لضمان الافراج عنه قبل فوات الأوان.

يذكر أنه يحتجز حالياً 430 معتقلاً فلسطينياً في سجون الاحتلال تحت أوامر الاعتقال الاداري دون تهمة أو محاكمة لمدة غير محددة من الزمن، منهم 3 معتقلات إداريات. ويحتجز معظم الإداريون الذكور حالياً في معسكر عوفر، النقب ومجدو، وتحتجز الأسيرات فلسطينيات المعتقلات إدارياً في سجن الدامون، وهو مخالف لما نصت عليه اتفاقية جنيف الرابعة بوجوب أن تقع السجون داخل الأراضي المحتلة.

ترجع القوانين العسكرية الإسرائيلية المتعلقة بأوامر الاعتقال الإداري إلى قانون الطوارئ الانتدابي لعام 1945، ويستند القائد العسكري الإسرائيلي في غالبية حالات الاعتقال الإداري على مواد سرية، وهي بالأساس مواد البينات ضد المعتقل، والتي تدعي سلطات الاحتلال عدم جواز كشفها حفاظاً على سلامة مصادر هذه المعلومات، أو لأن كشفها قد يفضح أسلوب الحصول على هذه المواد، وقد أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية في حالات عدة جواز إمكانية عدم كشف هذه البينات، وعدم إلزام السلطة باحترام حق المشتبه به بالحصول على إجراءات محاكمة عادلة، بما يعد انتهاكاً لحق المعتقل الإداري في معرفة سبب اعتقاله، فمن حق كل شخص أن يعرف سبب اعتقاله، وتنص المادة 9(2) من العهد الدولي المذكور "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" على ما يلي: "يجب إبلاغ كل شخص يقبض عليه بأسباب القبض عليه لدى وقوعه، ويجب إبلاغه على وجه السرعة بأية تهمة تُوجَّه إليه".

وانتهاك حق المعتقل الإداري في عدم التعرض للقبض عليه أو اعتقاله تعسفياً، حيث تنص المادة 9(1) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" على أنه "لا يجوز القبض على أحد أو اعتقاله تعسفاً"، وأنه "لا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه".

لم يعد هناك وقت للسكوت على انتهاكات الاحتلال لهذه الحقوق التي تكفلها الشرعة الدولية لحقوق الانسان، وتكفلها قواعد القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف لعام 1949، ومن هذا المنطلق ينبغي توسيع حملة الضغط على سلطات الاحتلال من أجل إطلاق سراح الأسير ماهر الأخرس لإنقاذ حياته وضمان حريته قبل فوات الأوان.

*محاضر جامعي في القانون الدولي

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول