اختلاف الأديان والتعصب

طلعت رضوان
2020 / 10 / 13

اختلاف الأديان وااتعصب
تميّزتْ كتابات أ. نبيل عبدالفتاح بعدة خصائص منها : المعلوماتية ، بمعنى الاستشهاد بوقائع تؤيد وجهة نظره. الثانية بيان بمصادرمعلوماته. الثالثة إيمان عميق بأنّ مدخل استقرارالمجتمع هو(علمنة مؤسسات الدولة) التى يتساوى فيها المواطنون بغض النظرعن جنسهم أو لونهم أودياناتهم. فعل ذلك منذ كتابه (المصحف والسيف : صراع الدين والدولة- الصادرعام 84) إلى آخركتبه. كما أنه كان رئيس تحرير(الحالة الدينية فى مصر) الذى صدرمنه عددان عن مركزالدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. أما كتابه (الدين والدولة والطائفية) الصادرعن مؤسسة المصرى لدعم دراسات المواطنة وثقافة الحوارعام 2010، فهو ترسيخ لأفكاره السابقة عن ضرورة (علمنة مؤسسات الدولة)
فى الفصل الأول يتناول ظاهرة انتشارالأصولية الدينية التى يتمنى أصحابها عودة عقارب الزمن إلى الخلف..وبالتالى إلى التخلف..وقد تفاقمتْ هذه الظاهرة مع تزايد (الدعاة الجدد) فى الفضائيات والأرضيات.. وبالرغم من أنّ عميد الثقافة المصرية (طه حسين) توفى عام 73، فإنّ بصيرته الثاقبة أطلقتْ على المتحدثين الجدد باسم الإسلام (دعاة الطرق) وقد تداعى عن الأصولية الدينية ترديد المقولات الناسفة لأى ولاء وطنى ، إذْ أنّ ((جنسية المسلم ديانته)) كما قال د. على جريشة رجل القضاء الإخوانى (ص28) وهى المقولة التى أطلقها جمال الدين الإيرانى الشهيربجمال الدين الأفغانى ورشيد رضا وحسن البنا وسيد قطب إلخ.
مفهوم الأقلية الدينية :
من محور(الإسلام جنسية) ينتقل المؤلف إلى مناقشة مفهوم (الأقلية الدينية) وهل بسبب هذه الأقلية العددية ينتفى مفهوم (المواطنة) ؟ وإذا كانتْ الأنظمة العلمانية تستبعد الانتماء الدينى فى تعريف المواطنة ، فما هى الحواجز التى تمنع ذلك فى مصر؟ وما موقف الأقلية الدينية من تطبيق الشريعة الإسلامية ؟ فى الحوارالذى أجرته أ. سناء السعيد مع البابا شنودة الثالث قال ((أود قبل أنْ أتحدث عن المادة الثانية فى الدستورأنْ أسأل : ماهى الشريعة الإسلامية؟ هل هى ما يُـنادى به المتطرفون ؟ أم هى ماورد فى القرآن الكريم ((لاإكراه فى الدين)) وبعد أنْ استشهد بعدد من الآيات والأحاديث النبوية قال (( فهل الشريعة الإسلامية هى هذا ؟ أم أنّ البعض يُـفسّرها بطريقة لا تُـشعرغيرالمسلمين بالسماحة والتعايش المشترك ؟ نحن مصريون بالأساس. جزء من شعب مصر ولسنا أقلية. فعبارة أقلية اذا قورنتْ بعبارة أغلبية فإنهما تدلان فى أسلوبهما على التمييز والتمايز وهو ما لا يجوزمع أبناء الوطن الواحد)) وعن فرض الجزية على المسيحيين قال ((إنها إساءة لبلادنا التى قد توصف حينذاك بأنها تتبنى سياسة التفرقة العنصرية. وتاريخيًا كان يتم الربط بين الجزية والإعفاء من الخدمة العسكرية (وحاليــًـا مع نــُـظم الحكم الحديثة، فإنّ المواطن المسيحى يؤدى واجب الوطن..وبالتالى يخدم فى القوات المسلحة المصرية) ولكن لو حدث إعفاء المسيحيين المصريين من الخدمة العسكرية ، فكيف نتحدث عن المساواة التامة بين المسلمين والمسيحيين ؟)) وفى هذا الحوارأعلن قداسته أنه لايوافق على قيام أحزاب على أساس دينى ، وبالتالى هو ضد قيام حزب مسيحى (من ص 119- 123)
المرجعية الدينية والتعصب :
ولأنّ أ. نبيل عبدالفتاح يتسم بالموضوعية ، لذلك رصد ظاهرة التعصب الدينى لدى المتشددين الإسلاميين والمسيحيين على السواء ، وخصوصًا موقفهم من الإبداع الفنى ، فكما أنّ المتعصبين الإسلاميين وراء مصادرة الكتب ودعاوى الحسبة، ودعاوى سحب بعض الأفلام السينمائية من دورالعرض ، كذلك فعل بعض المسيحيين المتعصبين ، مثلما حدث مع فيلم (بحب السيما) ورفض مشروع السيناريست فايزغالى حول إنتاج فيلم عن (السيد المسيح) وكذلك رفض الكنيسة المصرية لبعض الأفلام الأوروبية عن السيد المسيح عليه السلام.
خطورة خلط الدين بالسياسة :
تناول المؤلف ظاهرة تسييس الدين من خلال الفتاوى التى تصدرعن المؤسستيْن الدينيتين الرسميتين (الإسلامية والمسيحية) وخاصة ما يتعلق منها بشئون السياسة ، مثل تدعيم رأى لرئيس الحكومة أوحض المواطنين للاشتراك فى الانتخابات، أوالاستفتاءات لصالح ممثلى الحكومة. أوفتوى جلد الصحفيين. وكذلك التأييد الكامل لسياسات الحكومة فى كافة الأمور السياسية والاقتصادية ، بل وفى علاقات مصرالإقليمية والدولية. ولأنّ منظومة (دولة المؤسسات) غيرمطبقة فى مصر (بشكل كامل يمنع أى تدخل من المؤسستيْن الدينيتيْن)، فإنّ ((الطلب السياسى الرسمى على الفتاوى والأراء الدينية/ السياسية المؤيدة للحكم فى كافة الأمور، تُـشكل ضغطــًـا شديدًا ، وإحراجًا للمؤسسة الدينية وتحميلها بأعباء أكبرمن طاقتها ، خاصة فى ظل ظواهرحروب الفتاوى الفضائية.. ومن ثم أدّتْ ضغوط السلطة السياسية إلى إرباكها ، والأخطرشغلها عن أداء دورها الأصيل فى تجديد الفكروالفقه الإسلامى ، واستكمال الأزهر وعلمائه لدورهم فى استعادة النزعة الوسطية وروح الاعتدال والحرية ، خاصة وأنّ بعض الفتاوى هى نتاج تاريخ وإرث من التجاوزات والاختلالات فى البيئة السياسية والصحفية ، انحرفتْ بالحوار والجدل العام من وضعية الحوار ، والجدل إلى هيمنة العنف اللغوى والخطابى بديلا عن الحواربين أطراف تُـديرالعمليات الحوارية ، انطلاقًا من نسبية الأفكارالإنسانية السياسية والفلسفية والثقافية..ومن ثم لاعصمة ولا قداسة لرأى إزاء الآراء الأخرى)) ويرى المؤلف أنّ خضوع المؤسسات الدينية الرسمية لسلطة الحكم ، ظهر وتفاقم ((فى ظل نظام الحكم التسلطى بعد يوليو52)) وعن جذورالفتنة الطائفية ، فإنّ تنظيم ضباط يوليو افتقد عضوية المسيحيين باستثناء عضو وحيد من الصف الثالث. وترتب على ذلك بروز فجوة فى الخريطة السياسية بين أبناء الأمة المصرية. كذلك فشلتْ الحلول الجزئية للنظام فى حل مشكلة استبعاد المسيحيين ، ومنها الدوائرالمغلقة والمقاعد العشرالمخصصة لاختيار رئيس الجمهورية. كما أنّ الجرأة فى طلب جلد الصحفيين (كما حدث فى السودان، وفى بعض الأنظمة العربية) هو((تعبيرعن خلل هيكلى فى النظام السياسى منذ يوليو52 وحتى اللحظة الراهنة بين الدين والدولة)) وأنّ السلطة السياسية قامت ((بتأميم الدين الإسلامى لصالح الدولة فى المرحلة الناصرية ثم الساداتية)) ولذلك فإنّ ((قمع الضمير والعقل والرأى فى مصر هو تعبيرعن تداخل تاريخى بين النظام التسلطى بعد يوليو52))
دورالتعليم والإعلام فى الاحتقان الدينى :
يرى المؤلف أنّ التعليم تسوده تصورات مبتسرة عن (الآخر) كتعبيرعن تحيزات واضعى المناهج ، مثل تقديم المسيحية من منظورإسلامى والإسلام من منظورمسيحى. وتقديم الغرب بأسلوب التعميم من منظوردينى بوصفه مرادفــًـا للصليبية والاستعمار، مع غياب الوجه الإنسانى والمعرفى للغرب. كما يسود أسلوب التلقين ، مع الخلط بين اللغة العلمية واللغة الدينية ، وتوظيف الأولى لدعم الثانية وشيوع اللغة الإطلاقية لا اللغة النسبية. أما الإعلام فله دورفى إشاعة صور نمطية حول (الآخر) والتحيزالدينى والسياسى فى التعامل مع موضوعات العنف ذى الطابع الدينى ، وأنّ (( بعض الإعلاميين غيرمتخصصين وغيرأكفاء)) كما تتسبب المرجعية الدينية فى ((المزايدة وإحراج السلطة السياسية ، إذْ تختلط الضغوط الداخلية والمزايدات الإقليمية لبعض دول (الممانعة) وهنا لاأحد يعرف أى نمط من الممانعة السياسية لهذا المحورالذى تقوده إيران ، وكل الأطراف تسعى للحوارمع الإدارة الأمريكية وتتمنى رضاها. بل إنّ سوريا تسعى جاهدة للحوار حول (وديعة رابين) وهوحلم إذا حدث فسوف نرى وضع تحالفاتها مع حزب الله والفصائل الفلسطينية التى تعيش فى كنف أجهزة الأمن السورية.. لذلك يبدو إعلامنا مثيرًا للأسى. وجدالاتنا بائسة ، وكأنها تدورفى فضاء من الأوهام والكوابيس والشعارات الخارجة من رماد موت معلن))
هل يقبل أطراف الصراع علاج الاحتقان ؟
طرح المؤلف الكثيرمن التوصيات لعلاج الاحتقان الدينى فى مصر، مثل تفعيل سيادة القانون وتعديل بعض القوانين ، وترسيخ ثقافة الحواربين أبناء الديانات المختلفة ودراسة الأديان المقارنة إلخ ، ولكن يبقى العامل الرئيسى والفعال هودورالدولة من خلال مناهج تعليمية وبرامج إعلامية تتبنى مفهوم (المواطنة) فى الدولة الحديثة ، حيث أنّ الانتماء للوطن هوالأساس وليس المعتقد الدينى. كما تبقى عقبة أخرى وهى تحول الفقه واللاهوت إلى أيديولوجيا ((إنّ القداسة والحظر والمنع للأفكاريسندها هؤلاء الوعاظ والكهنة من حراس المعابد الأيديولوجية المعادية لحرية الرأى والتعبير(لقد) تحوّل حراس الأيديولوجيا الشمولية فى بلادنا إلى سلاطين وقضاة مسلطين على سلطان العقل الناقد. ومحاولتهم اعتقال روح الفرد والجماعة)) وإذا كان هذا هو دور كهنة المعابد الأيديولوجية ، فهل تقبل مؤسسات الدولة التحدى لفك أسرعقل وروح الأمة المصرية ؟
***