كلمات من دفتر الأحوال... (22)

كاظم الموسوي
2020 / 10 / 10

رسالتان متتاليتان وصلتني، بينهما أيام، تبدآن بالعتاب والسؤال عن صمتي. قرأتهما بروية وتعجب. ليست ناصحة ومصححة لأخطائي الكتابية التي اهملها دون تدقيق أو باجتهاد منها وحسب وإنَّما منظمة لخطط مستقبلية، وإلا اغضب عن تغير موضوع أُطروحتي... وأشياء أخرى. لكنّي توقفت عند جمل بقيت ترن في اذني... هي مريضة في المستشفى الآن تعالج من آلام في القلب. معها رفاق من الأنصار، أشادوا بي وشجعتها الاشادات للكتابة لي. وبينما ركزت علي في اسئلتها كانت تسألهم أيضا عن لقاءاتّهم مع الشهيد نزار، شقيقها، أبي ليلى. وكتبت تطالبني أن أكتب لها عنه أيضاً. نقطة جرحها وحرجها وألمها الذي لا تستطيع إخفاءه.
كتبت ما يلي: "معي في المستشفى قسم من رفاقك في الجبل، يسرني حديثهم عنك وقسم منهم من رفاق العزيز أبي ليلى. وكان هذا حدث عزيز علي... في أحاديث معهم احوم من أجل أن أسمع كلمة جديدة عنه... وبطبيعة الحال هم لا يشعرون "جوعي" هذا، فالمعركة كبيرة، والشهداء كثيرون ولا يحقّ لي أن أريهم جراحي... فامامهم يجب أن "نعضّ على الجرح" ونضحك ونمزح... وهذا شيء طبيعي مفروغ منه... ولكني في الواقع... في الأعماق احس نفسي تتصيد بجوع كبير كلمة جديدة عنه.
لو تعرف يا أبو بشير كم أحب نزار... لقد كان قطعة من روحي... منذ أن عرفت طعم الحياة، وأنا صغيرة... لقد كان ابني البكر... وأخي... والصديق الذي اتكأ على زنده في دروب الحياة... خصوصاً في السنوات العشرين الأخيرة... احس الآن ببعده يوجعني... يوجع روحي كثيرا..."
وتعود في الرسالة الثانية أيضاً للتحدث عن عمق الجرح الذي لا يعرفه الآخرون، وتؤكد على الثقة لمعرفتي بها بالبوح الحزين. في عشر أوراق دفتر، ومن المستشفى، ومن آلام القلب، تكتب وتنصح وتضع حلولا لأمور مرتبكة لتجعلني اتفاءل ولا احزن أو اغضب.

من الطريف أيضاً أنّها تنتقد بشكل موضوعي ما كتبته في كتابي عن يوميات نصير (الذي صدر بعد ذلك بعنوان "الجبال" ببيروت عام 1996) وتعتذر بأنها تتدخل في أمور الكتابة التي هي "حافية القدمين،" فيها. ولكني قدرت الملاحظات وأخذت بها، وحذفت ما اقترحت حذفه، وخففت صيغ بعض الجمل التي كنت قد دونتها في وقتها، ولم اعتبر بها بما يناسب النشر والقراء، كما كتبت لي، أنّهم من الجنسين، ولا بدّ من احترام المشاعر، والصداقات والعلاقات.
تعتب وتنتقد وتعود إلى الهدوء وتقدر وضعي، فتنقذني "من يدها" كما كتبت، فترة التحضير للامتحانات والتي تريدني أن أنجزها وهي تعرف إنّي "شاد حزامي لها" كعهدها بي.
وأعود وأتذكّر الشهيد، الجرح الغائر في الأعماق، والذي لا يقدره غير مكابده... ما الذي يعوّض تلك الخسارة التي لا تعوّض؟ وكيف يستجمع المرء قوته وهو يرى أنَّ الألم يتجمع حوله من كلّ جانب، وأن الفقيد راح بعيدا وللمرة الأخيرة.
ما ان التقينا شغلنا الحديث عن الأوضاع في أعالي الجبال، وفصائل الأنصار العرب الموزعة في مقرات متباعدة على امتداد الحدود التركية والإيرانية من شمال وشرق العراق، وتتقاطع مع فصائل من الأحزاب الكردية أساساً من الحزبين الرئيسيين والأحزاب المنشقة منهما أو المتعاملة معهما. وفتحنا أوراقنا أو فرشناها أمامنا، وجدنا اتّفاقاً بيننا، وتطابقاً في الرؤية والاهتمام والحرص على تاريخ الحزب ونضاله ودماء الشهداء. وهذه أوّل خطوة للاستمرار بيننا. توقفنا كثيراً عند مسألة وجودنا بين تلك الأحزاب وفي تلك المناطق ومع الرفاق الكرد، وما تركه هذا من أثر في مواقف الحزب ونشاطه ودوره. وهذا يتطلب معالجات جدية لتلك الأوضاع، وإعادة الاعتبار للحزب ودوره الوطني في العراق كلّه، وليس في شماله فقط. هناك خطوط التقاء مع رفاق آخرين في القيادة والكادر الحزبي، ولكن الأمور هناك ليست هينة والأخطار كثيرة والتحديات أكثر أو أكبر. لاسيّما وهناك من الموجودين بيننا يتربصون بكلّ رأي ويشيطنون كلّ من يسهر من أجل التغيير والبناء السليم. هناك من المتعودين على مسح الجوخ والببغاوية وروح القطيع، وهؤلاء هم وراء ما وصل إليه الحزب والحركة الوطنية. وهم في كثير من الأمور يتصدرون اسم الحزب وفعالياته. وكان الشهيد بحكم موقعه متصديا لمثل هذه التصرفات ومنتقدا علنيا لها. محاولا بالممارسة إحداث ما يمكن من تغيير. أولى الخطوات كانت التأكيد بالاهتمام بالنصير، وتوفير كلّ الإمكانيات له، ثقافيا وسياسيا ودورا في القرار السياسي والعسكري في مسيرة العمل الأنصاري. فكانت للقاءات الأولى مع الفصائل المختلفة اشاراتها الواضحة، ذهبت معه لأكثر من فصيل وتحدثنا بصراحة ووضوح عن مجريات الأوضاع الداخلية والمحيطة بنا وتطلعاتنا. منها اللقاء مع فصيل الفنانين الذي سمي كذلك لوضعه في هذه المهمة، في احترام الفنون وتقدير المبدعين وتوفير الفرص لإنتاجهم ونشره وإيصاله للأنصار الآخرين والناس القريبين من المقرات كمرحلة أولى. وإيلاء اهتمام بالطبابة والعلاج ودفع الأطباء إلى التفرغ لأعمالهم الصحية، وتطوير وسائل الإعلام المتيسرة لدينا، والعمل على إيصالها إلى أوسع ما يمكن، لاسيّما الإذاعة والصحف والأفلام التسجيلية والمنشورات الأخرى. وبدأت حركة واضحة في أغلب المجالات.
حمل معه جهاز راديو متطورا فيه كلّ الموجات، الصغيرة والمتوسطة والطويلة، كنت استعيره منه كثيرا لمتابعة الأخبار، وحين غادرت أصرّ على إهدائه لي للذكرى، ولم أستطع إقناعه بأنَّه أحوج مني له وأنا ذاهب إلى الخارج الذي يمكن أن أشتري مثله... الح علي أنه للذكرى. كانت ساعة الوداع قاسية علينا، وكنا نأمل أن نلتقي ونواصل. كانت روحه مفعمة بالأمل والتفاؤل. كان اخا ورفيقا صبورا تحمل ما لم يتحمل غيره ممن كانوا حوله. ولميزاته الشخصية كسب أغلب من كان يتعامل معه، حتّى الذين لم يكونوا قريبين منه عمليا أو حزبيا. مرة نزلنا، هو وأنا في قافلة أنصار إلى قرى قريبة من أربيل، وزرنا الفصائل الأنصارية في الطريق. وكانت اللقاءات مع الناس البسطاء في الجوامع والأسواق مثيرة ولافتة، وكُلّ من عرف أننا من الأنصار زاد في احترامنا وتقديرنا وكشف قلبه لنا، وعدنا بذخيرة حية من التصورات والانطباعات التي على ضوئها ينبغي التخطيط للتعامل مع الشعب والتخاطب معه والبناء عليه. برز في رحلتنا هذه طابعه الإنساني وسمته الشخصية في احترام الآراء وإيصال المواقف والتقرّب إلى الناس عبر فهمهم والنقاش معهم بما ينفعهم ويبرد قلبهم ويجعلهم مشرأبين إلى الأمل والعمل. بعد عودتنا سجلت في رسالة إلى المكتب السياسي تفاصيل جولتنا ولقاءاتنا واسئلة الأنصار واوضاع الناس الذين زرناهم والمواقف المطلوبة، واطلعته عليها، وأبلغني اكثر من رفيق من المكتب السياسي شكره على الرسالة وتقديره لما حوته من تحليل وقراءة عملية من الميادين.
نزار ناجي يوسف، أبو ليلى، استشهد في كردستان. ترك ابنته ليلى وزوجته في موسكو، ينتظرانه، وجراحا عميقة عند شقيقته ثمينة، ام علي، ام ايمان، وكُلّ من التقاه بالود والمحبة والصدق والنزاهة والحرص على ما كان يريده أن يكون. رحل نزار بعيدا وبقي بعض من ناصبه أو حسده، ممن لا يستحق ذكرا أو اسما. رحل نزار تاركا أثره وصمته الحزين... ولكن أبا ليلى وأمثاله مشاعل نور في الطريق الطويلة للحزب والشعب والوطن.
حزن صاحبي وتذكر قصيدة الجواهري التي كانت بعنوان الدم يتكلم ومنها:
قبل أن تبكي النبوغ المضاعا ** سُبَّ من جرَّ هذه الأوضاعا
سُبَّ من شاء أن تموت وأمثالك ** هماً وأن تروحوا ضَياعا
سُبَّ من شاء أن تعيش فلولُ ** حيث اهلُ البلاد تقضي جياعا