اوجه التباعد بين الفعل الحقوقي والطلابي بالصحراء الغربية

إبراهيم محمد عالي لحبيب
2020 / 10 / 9

"استطاع الطلبة الصحراويين ترسيخ نفسهم تاريخيا كحركة فاعلة في عجلة تاريخ المقاومة وعمليات النهوض الشامل لشعبنا نحو مسار التحرر الوطني، ولعل الفقيد والرمز بصيري والشهيد وكاميكاز الثورة الولي مصطفى السيد خير الأمثلة في هذا الصدد.
اذا فوقوفنا اليوم لنتحدث عن تجربتنا بموقع اكادير المغربي ليس من باب انها حالة نشاز وسط هذا الكم الهائل من التضحيات والعطاء، وإنما فقط -وكما يقال المناسبة شرط- من منطلق، اولا محاولة لطرح نقد بناء حول التجربة الحقوقية، وثانيا من أجل تباين الرؤى ومحاولة تذويب تلك الكثلة الجليدية والهوة الغير مفهومة، والتي ساهمت في لبس العديد من المفاهيم وشيطنة العمل الحقوقي داخل الجامعة ابان تواجدي في هاته الاخيرة.

في البداية سأحاول فقط العطف على ما شهده موقع اكادير المغربي، فكما يعلم كل المتتبعين للشأن الطلابي والصحراوي أن نهاية سنة 2014 عرف ديناميكية غير مسبوقة داخل الموقع الجامعي اكادير كمحاولة لقطع مع سنوات من الخمول والعدم السياسي الذي طفى على واقع الطلبة الصحراويين، رفاق نهلوا من تجربة الشهيد الولي ورفاقه، ومن مبادئ الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وادي الذهب، حيث جعلوا من التركمات الكمية قفزة نوعية، كذلك الفرصة كانت سانحة لالتحام الطلبة الصحراويين بأشقائهم المغاربة من أجل تذويب تلك الهوة مع هؤلاء الذين يعانون كثيرا من ضبابية ولبس وغموض في تناولهم لقضية الصحراء الغربية.
هذا التحرك الجنيني، كان يمكن إجمال اهم النقط التي ركز عليها في:
*وحدة الطلبة الصحراويين وما ينسجم مع مبادئ ومثل الشهيد الولي، لنجعل من الطالب الصحراوي النموذج الحي لسفير الشعب الصحراوي داخل الساحة الجامعية المغربية.
*ربط خط الجماهير بمبادئ جبهة البوليساريو، أي إفهام الطلبة الصحراويين والمغاربة حقائق الاجتياح العسكري للنظام المغربي لأرضنا.
*تصدير إطارات وكوادر حاملة لمنسوب الوعي السياسي لمقارعة العدو سياسيا ودبلوماسيا وقانونيا.
الحركة الطلابية الصحراوية استطاعت اذا منذ سنوات رعيلها الاول الى يومنا هذا ان تجعل من نفسها الإستثناء وتفرذها عن باقي الحركات الطلابية عبر العالم التي تنشط ضمن اطارها الإحتجاجي_النقابي، لتتكيف مع مناخها الذي يطبعه واقع الإحتلال، والخروج من بوثقة المطلب النقابي للانخراط في مشروع التحرر والخطاب السياسي المطالب بحق الشعب الصحراوي.

يقول الباحث ثييري مامشيلا :
ان اسهام الحركات الطلابية في عملية التحرر الوطني يكسبها الشرعية والاعتراف الجتماعي والسياسي الذي يمنحها القوة الكافية والتماسك في مواجهة السلطات سواء في مرحلة التحرر ام فيما بعد الاستقلال وتكوين الدولة.

هذا من جانب، من جانب اخر كما قلت ان الخطاب الذي ورثناه -او عاصرته على الاقل- ميزته النبرة الراديكالية التي لا ترى اي مشروع للسلطة السياسية والتحرر خارج فوهة البندقية، ومما ميز التجربة أكثر هي اعتبار المدن المحتلة في حدود اراضى وادنون وجنوب وادي درعة، مع التأكيد انها وحدة منسجمة بعيدا عن المصطلحات المستفزة للعديد من الصحراويين الذين لا يرون اي مستقبل سياسي الا في داخل الدولة الصحراوية المستقلة.
ثانيا ترى في خصوصية الانشطة التي تقام في الجامعة يحكم عليها طابع التكتم والسرية وعدم فتح المجال لتسرب المعلومة للمخبرات المغربية، مما يصعب التنسيق وتبادل المعلومات.

في ظل كل هذا كيف يمكننا جعل اطار الطلبة ان يتقاطع اذا مع الحركة الحقوقية ؟

كانت لجنة المطالبة بإطلاق سراح المعتقل دادش سنة 2001 والتي اسست بالعيون المحتلة، ربما بداية فعلية لتأسيس علاقة موازية تحت برنامج واضح المعالم، اضف لذلك ان المطلب كان له اجماع وطني، هذين الشرطين هما ركيزتين أساسيتين حسب نظري لإستمرار هاته العلاقة، وللإشارة أقصد بالعلاقة هنا "كعلاقة تنسيقية وفقط".

فوجود برنامج واستراتيجية يكون فيها الكل له الفضاء الأرحب لطرح افكاره ومشاركتها، ستؤدي حتما لتقوية الرابطة، وعكس ذلك ، _اي ان في ظل استمرار عدم وضع تلك الخطوط الواضحة_ سيؤدي للدخول في نفق مسدود.

وهذا فعلا ما سنلحظه لسنوات ليست بالهينة...

ففي ظل التناقضات والصراعات الغير مفهومة التي ستلقي بظلالها على الجامعة، جعلت الجامعة مجموعة من التكثلات القبيلة والجهوية، وبالتالي ستصبح نسخة كرطونية للتفريخ الجمعوي الذي طفا على واقع الصحراء الغربية، تناقضات اسقطت الطلبة في فخ العدمية السياسية.

كان نعم للمخزن المغربي الدور المحوري في هذا المخطط، الرامي اكيد الى افراغ الجامعة من محتواها، لكن لا ننسى من ساهم بشكل ليس بالقليل في هذا الواقع الموبوء، وهنا أقصد المنتسبين زورا للحركة الحقوقية بالصحراء الغربية.
وهنا لا أستثني احد، تتفاوت نعم المسؤولية حسب درجة تقلد المناصب، لكن الجميع امام مقصلة المسؤولية.

كل الذي اسلفنا ذكره كان سيسير بنا الى طريق "شيطنة العمل الحقوقي" داخل اذهان الطلبة جميعا، ولعل تسييد انذاك مصطلح "برقوقيين" اكبر دليل لما عكفت له، كان سببها اكيد هو عدم رسم حدود التمييز وادراك ماهية حقوق الإنسان، فاصبح من هب ودب يصنف نفسه ناشطا حقوقيا، دون ان يعي ان للوصول لتلك المرحلة يتطلب اشواطا طويلة من التكوين والتاطير واستيعاب مرجعيات راكمتها البشرية في هذا المجال وهو الشيء الذي زاد من حدة تمييع الفعل النضالي، وأؤكد مجددا بل وأجزم، ان هذا الواقع الكثير من الطلبة ليس لهم ذنب فيه انذاك.

هذه فعلا أسباب واقعية أراها لما نشهده الان من تنافر وقطيعة وهوة كبيرة بين العمل الطلابي والعمل الحقوقي كحركتين تسعيان في اخر المطاف لهدف واحد.

ما العمل اذا...؟

لقد أشرت في البداية ان المحطة يجب أن تكون تاريخية ذات حمولة علمية وفكرية تؤرخ في ذاكرة الشعب الصحراوي، وتاريخا يهتدي اليه كل الأجيال القادمة-على الأقل في شق فتح باب المجال لنقد التجربة الحقوقية-، وقلنا ايضا ان الطلبة الصحراويين استطاعوا ان يجعلوا من انفسهم استثناءا بتجاوزهم خندق الاحتجاج النقابي والانخراط في مشروع اوسع نحو التحرر، فلما لا تنهج الحركة الحقوقية نفس المنهج، وتجعل من نفسها استثناءا لكي لا تقيد نفسها ضمن يافطة حقوق الانسان البديهية، و التي تجعل من الانسان الصحراوي والمغربي سواء امام الحقوق؟

ولهذا ساحاول هنا نبش اهم النقط التي لربما اخلف تجمع كوديسا الموعد فيها وحركة الحقوقية عموما، ومنها التي اطمح انا شخصيا بنظرتي المتواضعة ان تصل اليه عبر هاته المحطة:

* لا يسعني في البداية ومن باب رد الجميل، الا ان احي عاليا، هذا التجمع الذي كان سباقا عن باقي الإطارات، لمواكبة ملف اعتقالي انا ورفاقي، في ظل التعاطي الغير مبرر انذاك معنا.

* لكن يؤسفني مع كل هذا ان أسجل بعد اطلاعي على التقريرين السنوين لسنة 2017 و 2018، عدم الإشارة لحالة إستشهاد الرفيق بضري عبد الرحيم، الجريمة المتكاملة الاركان التي ارتكبتها الدولة المغربية في حق هذا الرفيق، هذا التعاطي هو نفسه النقاش الذي يعيق اكيد تقاطع الطلبة مع الفعل الحقوقي.

ادعوا من وجهة اخرى الى:
* تصدير خطاب جديد يتلائم مع كل التراب الوطني، فمسألة الخطوط الموروثة عن الإستعمار والإلتزام بما هو مسطر داخل اقبية الامم المتحدة، اصبح حجة متقادمة، ولعل تعنت الدولة المغربية في مسالة سبتة ومليلية، وكذا تصريحها الدائم ب"مغربية الصحراء الغربية"، دون التزام بهاته البروتوكولات والقوانين، يجعل التزامنا بهذه الأخيرة، عبيدا لقوانين صاحبها اكثر من يخرقها.

* فتح مساحة ملائمة ومنسجمة لفئة الشباب داخل التجمع، مع الاخد بعين الإعتبار عنفوان الطلبة والشباب وعدم مجابهته بميكانيكية البيروقراطية.

* محاولة التركيز على سريان القانون الدولي الإنساني وتطبيقه مما يسمح للخطاب الراديكالي ان يجد يافطة تقننه، ومن تم الدعوة للإنتفاضات التي تحميها قوانين هذا الأخير، مما يجعل تلك الرغبة الجامحة في مواجهة العدو راديكاليا لذا الشباب الصحراوي تنسجم والتجمع.

* الدفع بقدر الممكن الى تكوينات تهدف الى الرفع من ثقافة حقوق الآنسان، وكذا التركيز على ادب السجون ومشاركة التجارب التي مر منها اغلب مناضلي هذا التجمع، فهي في نظري قادرة ان تعري داخليا وجه هذا النظام القبيح، وعدم طمس هويته الاجرامية.

العيون المحتلة/ الصحراء الغربية.
24 سبتمبر / أيلول 2020"