اسرائيل/ فلسطين و - قرآن العراق-ج؟/7*

عبدالامير الركابي
2020 / 10 / 8

إسرائيل/ فلسطين و "قرآن العراق"ج/7*
عبدالاميرالركابي
اختتم اليوم تاريخ " منظمة التحرير الفلسطينيه" كعنوان للقضية الفلسطينيه، بالفترات التي تعاقبت عليها بعد المخيم، ثم الدولة " اللادولة"بلا ارض، ودولة كسر المنفى بعد اوسلو(1) وبماهي نمط ونوع من "الوطنيات "التحررية" المتصلة بحالة الازدواج والقطبيه الغربيه اللاحقة على ثورة أكتوبر 1917، وكان احتدام المسالة الفلسطينيه قد توافق أصلا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وظهور المعسكر الاشتراكي، وانعكاس ذلك على ماعرف ب"وطنيات مجابهة الاستعمار"، وموجة النهوض العام المناهض للاستعمار في الخمسينات وماتمخض عنه من ثورات 23 تموز 1952 المصرية و1958 العراقية، وثورة الجزائر، ماكان هيأ المناخ والأسباب فلسطينيا لظهور شكل متوافق مع نوع الوطنيات السائدة وقتها، متمثلا بماعرف لاحقا ب "منظمة التحرير الفلسطينية"، مع كل خصوصياتها، والخلفيات التي غذت حضورها منذ الستينات، لتضعها في الصدارة، وكقضية محورية بين القضايا العربية، باعتبارارتباطها بالتهديد الشامل الذي يمثله وجود الكيان الإسرائيلي للمنطقة العربية ككل.
وتعتبر "منظمة التحرير" كما هو الحال في اجمالي النظرة للظواهر "الحديثة " في العالم العربي، من قبيل حركة تحصيل الحاصل، والمبرر بداهة في قضية شعب مستلب ومنفي من ارضه، أي القاعدة المبسطة التي تبيح تركيب الاليات المتعارف عليها، والشائعة على صعيد مايعرف بحركات التحرر العالمية وقتها، ولايبدو ان الضرورة في حينه كانت قد اوجبت على العقل الفلسطيني والعربي، الذهاب الى ابعد مما تمنحه معطيات "الحداثوية" للظاهرة المذكورة، بالاخص على صعيد ماهي بحاجة له عمليا وآنيا، هذا مع العلم ان الفلسطينيين، والناشطين منهم لم يعرف عنهم الاعتتناء وبوجه العموم، بجانب "التنظير" الذي ظل ينقص المشهد الفلسطيني ماقد وضع خارج الانشغال، تعرفهم على ذواتهم او غيرهم، وتلك ظاهرة تميزبها العالم العربي النقلي حداثيا بوجه عام.
وقد يكون من باب الطريف، او المثير للخيال وجموحه، ان يعاد السفر الفلسطيني الراهن والحديث الى ماض، هو من صلب وجوده( وتراثه التاريخي)، وتبرير قضيته، خصوصا وهو يعيش بمواجهة خطاب تاريخي مزور ومقلوب، يعتبره الصهاينه مرتكزهم الحقوقي التاريخي، في حين لم يخطر على البال، البحث في خلفيات تبريرحركة التحرير الفلسطينيه واقعا وتاريخا مقابلا، باعتبارها حالة"وعد خارج ارضه"، وقد تحول اليوم الى "وعد في المنفى". لقد اجرى صادق جلال العظم مره في احد مؤلفاته، مقارنه بين "الوكالة اليهودية العالمية " و "منظمة التحرير الفلسطينيه"، هي بالأحرى مقا بلة شكلية، في حين لم تعرف اطلاقا أية مقاربة ابراهيمه في المبررات التي أعطت منظمة التحرير الفلسطينه وجودها الواقعي الفعلي، أي المعاش، وفي مكان واشتراطات صراعية عنوانها ابراهيمي، المشروع المضاد فيه مرتكز لابراهيمية مقلوبه ومزورة، لم يكن من المفهوم غياب البعد التاريخي اللصيق بالأرض الموعودة من رؤية أهلها كمرتكز مضاد.
ولابد ان يضاف مثل هذا النقص الأساس الى السجل الطويل من حالات الايتسار الحداثوية اللاحقة بمجمل تاريخ المنطقة حداثيا، وفي حالة "طرد" ومخيم، هما ركيزه دولة " لادولة"بلا ارض، اهم ميزاتها انها حركة مجتمع ونخبة، لامجرد نخبة وأحزاب كما هي الحالة الغالبة على حركات التحرر، حيث كان لابد من البحث البديهي وراء التطابق الضروري المضاد، والأكثر فاعليه بما لايقاس بمواجهة جوهر الخطاب الصهيوني المفبرك، هذا مع العلم ان الامر هنا مستند الى الوقائع حيث ( الاقتلاع والنفي/ المخيم المناظر للجيتوخارج الأرض/ وحركة بناء الوعد التي هي اليوم "منظمة التحرير الفلسطينية") هذا النوع من استحضار السيرة الابراهيمه المتجدده بحكم الضرورة والواقع الناشيء، كان بالأحرى المقابل الفعلي والحاسم التاريخي عالميا وعربيا وفلسطينيا، بالمقارنه حتى بخطاب التحررية المستعمل، بجانب إبراز المظلوميه الفادحة، هذا في حال نظرنا للمعركة التي نحن بصددها من زاوية، تناقضاتها التاريخيه الحداثوية، وتزويرها للمعطى الابراهيمي، وموقعه الرئيسي منها أصلا.
كان الاسرائليون في اعماقهم على الاغلب، وحتى وان من دون وعي، قد جهدوا لكي يدفعوا احتمالات انبثاق كهذا حين قرروا منح الفلسطينين مامنحوهم إياه في "أوسلو"، أي "الدولة التي تكسر دلالات الوعد خارج ارضه" كمحرك وكخطاب مضاد محتمل، وهنا فقط تسنى لهم ان يرتاحوا الى استفرادهم بالانتساب للابراهيمه ووعدها التاريخي واحكام تزويرهم له(2)، في حين بدا لهم ان كل الاشتراطات عالميا وقتها، مع صعود أمريكا ( شبيهتهم الكبرى)لموقع القوى العظمى الوحيده، انهم بصدد احتواء حركة الشعب الفلسطيني، وانهاء فعاليتها.
ماذا لو ان حركة التحرر الفلسطيني نشات بالاصل وارسيت بالتوافق مع، وبموازاة تنمية الخطاب الابراهيمي المقابل والمضاد، لتصير "منظمة التحرير الفلسطينية" دولة "لادولة" في المنفى، ووسيلة تحقيق للوعد الذي يكسر "الوعد المزيف" الصهيوني الأوربي الاستعماري، وما الآثار التي كانت ستترتب على حضور معطى كهذا داخل بنية الحركة التحررية الفلسطينيه والعربية، بإزاء الازدواج الامريكي الابراهيمي الراسمالي، حيث يتسنى للجاليه اليهودية اكبر جاليه يهودية معروفه في أي بلد في العالم( قرابة ستة ملايين يهودي)، الاستفراد بالخطاب الابراهيمي، ومصادرته بعد تزويره، وماالذي كان سيحدث، او يمكن توقعه أمريكيا، لو ان الفلسطينين والعرب تمكنوا من مخاطبة العقل الأمريكي ابراهيما، ومن منطلق الإضاءة على حالة تجدد نوع من "الوعد خارج ارضه"، الراهن، المعاش اليوم كما تسببت به اوربا ابتداء بطردها الفلسطينيين من ارضهم.
لكن الامر على مايبدوابعد، وذاهب الى الصدام النهائي مع "خرافة المشروع الأوربي الحديث"، وديمقراطيته التي لم ولن تفلح في معالجة مرض الجشع والظلم الرهيب المعمم، وصولا للابادة الكلية، وطرد الشعوب ( هنا يتشابه مع الفارق، نموذج الابراهيمه الابادية الامريكيه، مع نموذج الابراهيمه الصهيوني) ، كما حال الابراهيميه الاستيطانية الامريكية الماحقة لاهل الأرض، بغض النظر عما هو معروف من "تقدم" حققه الغرب في المجالات المختلفة، واستخدمه ويستخدم مضخما لتكريس المظالم والاجحاف غير الوارد انتظار معالجته، او الخروج من حكمه من داخل المشروع مدار البحث نفسه، وصولا الى التفاقم الأقصى، والى بدايات التازم الأعظم الشامل الأمريكي، السائر بالقارة الجديده منطقيا الى الانفجار الداخلي، مايبرر اليوم لابل يوجب رفع شعار"عودة الوعد الى ارضه"، مع قرب تحققة، مع كل مايلازم ذلك شرطا، من إعادة قراءة وتجديد سردية، تستند لاعتماد مبدأ في تطور المجتمعات والبشرية، يبدا فصله الأول بالتحولية البنيويه الناقصة، وينتهي بالتحقق التحولي، حيث الغرب بفظاعاته التي لامثيل لها ولا وصف، و "تقدمه" التكنولوجي خصوصا وحصرا، هو عتبة ضرورة تحولية، ولزوم اكراهي في مسرى التاريخ، لاغاية بذاته.
" الوعد" صار اليوم على الأبواب، من قلب، ومن وسط الكارثة المحدقة المخيمه على المعمورة، والتي هي نتاج الظاهرة الغربية الحديثة، ومآل متوقع من هذا الموضع من مواضع المعمورة، ضمن بنية المجتمعيات وتوزعها، وادوارها "التحوليّة" بحسب موقعها وبنيتها.
ـ يتبع ـ
ملحق: فلسطين والعراق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*جصل خطأ في ترقيم الحلقة الماضية: "قرآن العراق ب" فوضع لها الرقم (5) والاصح انها رقم (6).
(1) كنت قد وضعت هذه المتوالية في تعرض نشرته بداية الالفية الثانيه، في جريدة "السفير" اللبنانية، وكان الأخ المرحوم أبو عمار في لقاء لي معه في القاهرة قد أشار علي بإلحاح بتوسيع البحث المذكور واصداره في كتاب، الامر الذي لم يحصل في حينه والى الساعه، ولعل المانع كان مبعثه شعور عميق غير مدرك بانتهاء وسيلة ومادة التعبير الرئيسية عن قضية الشعب الفلسطيني لم اكن قد تسنى لي وعيها في حينه.
(2) قال لي المرحوم أبو عمار في تونس على مشارف أوسلو:" وماذا يمكنني ان افعل وحليفى الدولي الكبير قد انهار، وحليفي العربي هزم نفسه" قاصدا الاتحاد السوفياتي والعراق، مصادقا بذلك على نسبة حركته عربيا ودوليا، كتيار، ولم اكن وقتها مؤهلا لان أقول له "ارفع شعار الوعد خارج ارضه" فمثل هذا الاقتراح كان أصلا متاخرا جدا، وماكان ليكون مفهوما، فاقترحت عليه عدم تجاوز الأطر الشرعيه الفلسطينيه.