الفيضان...الفصل 6

عبد الغني سهاد
2020 / 10 / 7

روايةالفيضان.
.الفصل 6

كان حكم الطوفان قاسي واكثر منه قساوة جور الانسان..كيف تترك الادارة اسر الشهداء ضحايا الفيضان وابنائهم اليتامى لمصيرهم البغيض الاسود يخوضون في لجة حياة الفقر والحاجة..بعدما كانوا ينعمون في قسط ولو قليل من الهناء.لم يكن لهذه الاسر من يعينها ولا من ينتولها كسرة خبز..لا شيء سوى رواتب توقفت ومعاشات تجمدت..لا رحيم و لا حنين..واستغرقت هذه الحالة غير الانسانية ثلاث سنوات واكثر..تغير كل شيء فيها بسرعة بعد الفيضان..؟
الاطفال الصغار لا ادراك لهم لاسباب تبدل الحال ولا صبر لهم عن مكابدة الصبر على مثل هذه الاهوال..وهم يكبرون و بالتدريح يفهمون ان الكثير من الاشياء قد تغيرت معهم تكبر حاجاتهم في الاكل والملبس والتمدرس..كانت (فا) مهمومة كئيبة وكثيرة التردد على مواجهة الواقع الجديد.. ( لمن خليتونا)…(لمن تركتونا..)..؟..( هكذا خلانا بو للهم والغم ولشفاية العديان..…)..كانت كلما عاد من عمله منهوكا وجدها تدفئ له بقراج ماء في طاس صغير..تساعده في خلع حذائه العسكري العالي.وجواربه الغليظة وتبدأ في تنظيف اقدامه ومسدها جيدا بتودة.وحنان ..وكان هو يتطلع الى وجهها ويبتسم.. هذه الحركات تمنحنا الامل و تشير الى اعترافها لبو بالجميل والمودة باعتباره اب اولادها وحبيبها الوفي..!..الا ان نهر الحياة لا ترسو على ضفاف الحب دائما ولا ديمومة لسعادة المرءفي ..مياه نهر الحياة يتغير كل يوم.. فتخلت عن ترددها الاول بدات تشق دروب الحياة ومسيرتها المضنية معها وشمرت على ساعديها و خرجت للعمل ..حتى تعيل افراد الاسرة وتحقيق حاجات الابناء..في البيت وفي المدرسة..يلزم ان يتابع الجميع تمدرسهم..هكذا حافظت على وصية بو..تعد لهم الفطور البسيط من الخبز الحافي والشاي وترتدي جلبابها وتحمل محفظتها المليئة بالوثائق والاوراق والصور الشخصية لافراد العائلة..وتتردد على مكاتب مصلحة البريد.. عند الانتهاء تنحرف الى الموقف القريب من باب المصلحة البوسطة..وكانت تصطف على جنباته النساء الراغبات في العمل اي عمل في منازل الاثرياء..كانت تجد يوما عملا..وفي ايام اخرى لاتجده وتعود الى البيت خاوية الوفاض..هذا الاسلوب تعودنا عليه في مضمار الظروف المعيشية الجديدة..كثيرا من الايام كنا نبيت بلا عشاء..نقترض من صاحب الحانوت في راس الدرب..بعض ما نحتاج اليه من دقيق..وزيت وغيرها..وتعده بو بتسديد السلف حين تستلم الدية..وكان رجلا طيبا..متفهما لحالة الاسرة الجديدة..حتى ان الجزار جارنا كان يتبرع علينا مرة في الاسبوع بكمية كبيرة من اللحم..وكان صديقا ل بو في حياته..!!..مع كرور الايام والتردد كل صباح باكر على الموقف الخاص بالنساء كانت فا مضظرة الى اجراء بعض التعديلات في الاسرة كان تخرج ثو ابنتها البكر من المدرسة لتقوم بمهام البيت من طبخ وكنس وتنظيف..وتنصرف هي الى العمل خارج البيت؟..وهي تعرف انها قد اخلت بشيء من وصية بو..الذي يلح على مواصلة تعليم جميع الابناء..لكن كما يقال للضرورة احكام وفي الكثير من الاحيان احكام الضرورة جد قاسية..وبالصدفة حصلت فا على عمل في منزل احدى يهوديات المدينة..عمل شبه لا يتعدى التنظيف والتصبين..لان المطبخ لا تقترب منه فهو من اختصاص خادمة امازيغية اخرى كبرت مع الاسرة اليهود..وفي مدة قصيرة تمكنت فا من كسب ثقة اليهودية بسبب تواضعها واخلاصها في العمل المنزلي ..زوجها كان مدير اشغال شركة البوطاغاز..في الحي الصناعي..ايامها لا يزال اغلب الناس يطبخون بالفحم والاخشاب..وكان لها ايضا ابناء يدرسون في جامعات اسبانيا...ومن المعلوم انه في الستينيات من القرن 19 كانت هجرة اليهود المغاربة وغيرهم في شيى مناطق العالم قوية نحو دولة اسرئيل..وكانت الهجرة اليهودية تتم سواء بالقهر والتخويف او بالدعاية والاغراء...لكن لا واحدة منهما نجحت مع المدام او حيون..ومعها رفض الكثير من اليهود المغاربة الهجرة الى (ارض الميعاد)..وتمسكوا بالبقاء في ارض الاجداد..لاشك ان العمل الجديد الذي حصلت عليه ف في منزل اليهودية اعاد بعض مظاهر الامل والاستقرار الى اسرة بو..الشهيد..هذا لا شك فيه..ولا شك ان من الناذر ان تتعاطف ام يهودية مع اخرى مسلمة لو لم يكن الحافز قويا ..وهو يتمثل في الشعور المتبادل بالظلم والذل والهوان..
في هذه الاوقات المريرة سولت لي نفسي ودفعني فضولي لمعرفة القليل عن منزل اليهودية فالححت على( فا )في مرافقتها اليه ذات صباح..صعدنا السلم وكنت محملا ببعض الامتعة الخاصة واطرقت فا الباب فبسمته الام اليهودية واطلت علينا براسهاالصغيرة .ولما وقع نظرها علي ...اعادت غلق الباب.ومن ورائه امرت فا بالتخلص مني ..فامرتني فا بالعودة الى المنزل..وانتزعت مني تلك الامتعة..ثم اعادت اليهودية فتح الباب ودخلت فا بينما سرت اتابع رؤية المشهد من اسفل درج العمارة..فيما بعد تفهمت الامر كله كون هؤلاء اليهود لايشاركون منازلهم مع الاغيار من غير شريعتهم..هذه الحادثة اججت في الفضول والرغبة الملحة في معرفة بعض الحقائق عن اليهود..وادركت فيما بعد انههم يسكون احياء معزولة خاصة بهم تسمى الملاح....ففيه يتكدس اليهود الفقراء من تجار الجملة والتقسيط..من ثوابل وبهارات..واتوبة..ومن حرفيين في صياغة المواد المعدنية..وبائعي الكتب والدفاتر والمقررات..والحلويات..واما الاثرياء منهم من صيارفة ورؤساء الشركات..والمصانع الغذائية..فهم يقطنون في الحي الاوروبي محافظين على عاداتهم وتقاليدهم ومنعزلين عن باقي السكان..فالى جانب ما كان يفوح به الملاح من روائح كريهة..تفوح منه كذلك روائح الذل والاضطهاد..والمعاناة التي يقال ان اليهود تشربوها داخل المجتمع المغربي..ويبدو انهم في الملاح يفتقدون الى الحد الاذنى من التقافة والفكر..يعيشون على التسول واستجداء لقمة العيش بمعنى اخر يفتقدون الى الحد الاذنى من الكرامة الانسانية.هذا بالاضافة لما تتعرض اليه المراءة اليهودية من ذل واضطهاد..ففي الملاحات..تستقر بائعات الهوى والعاهرات..وكل كسيحي الناس الذين نبذهم المجتمع.......
بسبب ضيق اليد والفقر والعجز..كان من اللازم التردد على الملاح لشراء المقررات..والدفاتر واللوازم المدرسية باثمان معقولة من حوانيت اليهود..وكذلك الملابس باثمان رخيصة..التاجر اليهودي يكتفي بقدر قليل من الربح بيننا نظيره المسلم يضاعف الربح مرة او مرتين..وقد اكتشفت ذلك في خلال تعاملي مع التجار اليهود في الملاح..!وواظبت لعدة مواسيم دراسية على اقتناء ما يلزمني منه من ادوات مدرسية..كنت عاشق للكتب والمقررات..والقصص بصفة خاصة..
ساقص عليك قصة خالتي..شيء من صبايا وشقاوتي..
ففي جعبتي الكثير من هذه القصص..حيث انها منحوثة في صميم ذكرياتي وتتناغم دوما في مخيلتي ولا تسمح لي بالراحة..
لكن فا كانت تستشيط غضبا من اتجاهاتي المشاغبة..
من هذه الميولات الادبية الطائشة..
التي اكتسبتها من الفضول وحب المعرفة.واكتساح الاشياء الغامضة والمجهولة..كانت خالتي هي من زرع في حب القصص وقراءة الكتب والروايات..وكانت تتدرب في مدرسة المعلمين..قبل ان تتخرج..وتشتري دراجة نارية صفراء..من نوع بيجو..اخدت بيدي يوما دون علم فا..وسجلتني في الخزانة البلدية..وتعرفت بسرعة على قيم هذه الخزانة..في البداية عكفت على قراءة قصص عطية الابراشي..تم اندفعت وتجراءت..وتصفحت روايات اخرى لا داعية لذكر عناوينها ..فالامر غير مهم ..كانت فا تتبرم من ميولاتي الادبية..وتحتني على الابتعاد على هذا العراء..( الخوا..الخاوي..)..
احيانا عندما اريد ان اسري عنها عناء الشغل والتعب..تنكر سلوكي هذا تماما..وكلها تعجب ودهشة..وتعلو قسمات وجهها مشاعر من الذهول والغضب..كانها تريد ان تقول شيئا ما….لا تزعجني بقصصك العقيمة لقد اصابتني بالسام والملل..اذهب وقص قصصك هذه على الكلاب...دعني وشاني..اذهب وابحث لك عن مهنة لتعمل في حرفة جيدة..لا تقضي اوقاتك الفارغة في تكرار هذا الهراء…
_ السي ابراهيم مول هري السكر والشاي لا يعرف القراءة والحساب..ويريدك ان تشتغل معه على الدوام..تتكلف بحساباته اليومية..هذا عمل جيد لك ولنا…!
_ والمدرسة..اتركها..
_ بطبيعة الحال ..التجارة افضل لك ولنا من هذا الهراء..
_ لا لاريد..سابحث عن عمل في العطلة الصيفية واكف عن قراءة القصص…
_ اذن ركز على خفظ دروسك و مقرراتك واحصل على النقط الجيدة في نهاية الموسم اذا ما اردت ان..تصبح معلما كخالته..هذا هو الكلام الذي ينفعك..ولا شيء غيره...؟
وافقت على كلام فا..وانتهى الخلاف الظاهر بيننا ..هي تخاف علي من اكبر حالما مضياعا لوقتي بين الروايات والقصص..وما على المرء الا ان يكون واقعيا منذ صباه..ويترك مخيلته النزقة الى ما بعد الحصول على حرفة تنفعه في الحياة..!،،هذه الحياة صعبة ولكل واحد منا قصته..سيرويها للناس في النهاية …
_اذهب واقراء لتزداد معرفة وفطنة بدلا من هذا اللغو الباطل من قصص النسوة والعجائز البالية ..
كلما انتهيت من المدرسة في نهاية اليوم..كنت اذهب الى محطة الحافلات في ساحة باب دكالة انتظر نزول فا..احمل عنها سلتها واصاحبها الى المنزل..كانت تامرني بانتظارها عند محطة الحافلات كلما كانت تحمل بضاعة تقيلة..وغالبا ما كان يتم ذلك في نهاية الاسبوع..حين حين تقتني كميات كبيرة من الدقيق والعجائن والخضر للبيت..في كثير من الاحيان ..كنت انتظرها امام منزل اليهودية..او امام معمل العجائن..كون فا..دبرت على منصب شغل قار في هذا المعمل..ومنه تزودنا بعلب كبيرة من العجائن.(.ماروك بات)...
وفي صدد التعلم ومتابعة الدراسة..لم تتخلى( فا )عن فعل كل ما تستطيعه لتوفير المصاريف حتى
يتمكن الحميع من الابناء من اتمام تمدرسه
طبقا لوصية بورحيم
قبل استشهاده…

شتنبر 2020

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير