حنظلة يرفع سبابته ويؤشر

كاظم الموسوي
2020 / 10 / 7

اختار الفنان ناجي سُليمان حسين العلي، مصيره، وعرف طريقه، وأدرك أن اختياره لا يتوافق مع من يزعم "الدفاع عن القضية"، فكان منذ اولى خطواته الإبداعية شهيدا حيا، متكهنا مسبقا برصاص الغدر وبمخططات الاعداء وبخسة من يحسبون عليه او من ذوي القربى!. وابقى صورته وايقونته معبرة عنه، وعَبّر عن غضبه لاجئا، حاملا على ظهره صليب استشهاده. ودار بين المخيمات الموزعة في اطراف مدن العرب او الغرب، وعرفّها مهما سميت او انتحلت من اسماء، مساكن او مكاتب صحف او منابر تضع عنوانا فلسطينيا، هي مخيمات لاجئين فلسطينيين منفيين.
ولد ناجي في قرية الشجرة الواقعة بين مدينتي طبريا والناصرة في فلسطين عام 1937، وهُجر عنوة الى لبنان عام 1948، ورحل متنقلا مكرها ايضا بين عواصم ومدن عربية واجنبية حتى اغتياله. كانت رسوماته شهادته ووثيقة تعريفه، ورسم حنظلة، منذ اختياره تعبيرا عنه ظل يرفع سبابته بوجه الجميع معلنا رفضه لما حصل لقضيته وما الت اليه مسارات التخاذل والتسويات التفاوضية المخادعة، وبحدسه الفني اكتشف النهايات، ومنها رصاصة الغدر براسه. وكتب وصيته، لذا اقول انه لم يمت، فهو ومن مثله، من عرف مصيره واختار سبيله، حي في القلوب وحي في الذاكرة وحي في تراثه الدائم وفي عطائه الابداعي..
ابداعه لحنظلة، أسما ومسمى، رسما لشخصيته الرمزية والاعتبارية، منذ ان وضعه على اول رسم عام1969، واستمر توقيعا له لالاف الرسوم بعده، تأكيدا منه لفكره وقناعاته ودوره في القضية والفن والانسان. فهو الشاهد والشهيد، وهو الصارخ الصامت، وهو العنوان والدليل. لم يرسمه هواية أو ديكورا، وضعه في مكانه، طفلا في العاشرة من عمره، مديراً ظهره وعاقداً يديه خلف ظهره، رقيبا ومؤشرا للاوضاع التي تعيشها الامة وتكابدها القضية الفلسطينية.. التي اراد ان تكون كما اختار واقتنع بالمسير وتطورات النضال، لا في اتفاقيات الذل وانحدارات المهانة.
لهذا مثّل حنظلة لناجي الناطق باسمه في رسوماته التي اختارها تعبيرا ووسيلة منذ أُجبر على ترك وطنه، ولن يكبر، كما نقل عنه وكتب، إلا عندما يعود إلى وطنه، ويشرح حاله، بشخوصه الاساسيين ووضعه الاجتماعي الذي عاشه وعاناه، بين أبناء شعبه، في المخيمات والحصارات، بين الفقراء اللاجئين، ناطقا عنهم بملابسه الممزقة وقدميه الحافيتين وحجمه الضامر وشعر رأسه الاشعث.
في 22 تموز/ يوليو 1987 أطلق رصاص مسدس كاتم للصوت عليه في لندن، رصاص الغدر، وهو في طريق عمله إلى مكتب جريدة القبس الدولي. ونقل الى المستشفى البريطاني بوضع حرج إلى أن أستشهد في 29 آب/ اغسطس 1987 وظل حنظلة حيا مذكرا بكل رسم له وبكل موقف معلن يؤشر إلى القضية الفلسطينية اساسا والهموم العربية والإنسانية عموماً.
اجل، قتلوه، استشهد ناجي العلي ولكن حنظلة ظل بعده رافعا سبابته.. مهندسا المزاج الوطني، كما كتب عنه كثيرون، حبا أو كرها، ودا أو غيرة، وكتب الشاعر محمود درويش؛ إن ناجي العلي احد مهندسي المزاج الوطني، وهو احد نتاجات الابداع الوطني هو ابننا واخونا ورفيق مذابحنا وأحلامنا، وخالق حنظلة الخالد، القادر على ان يُسمي هويتنا بتأتأة تضحكنا وتبكينا. لقد رحل، ولكنه خلّف خلفه تراثا هو تراثنا الجماعي، تراث شعب يتكون بكل ما يمتلك من وسائل التكوّن.
ولحنظلة قصة معي ، ولانه مبدع مرعب للصهاينة في كل مكان، يخافونه ويعملون بكل جهودهم لاغتياله، ومارسوا الاغتيال علنا لاسماء بارزة معروفة امام العالم كله. حملته واعلنته في السويد، وفي برنامج اول حفل لاسبوع عن فلسطين كان عنوانه "فلسطين .. ارض وشعب" اقامه المركز الثقافي العربي، الذي كنت اديره، احتوى على ندوات شعرية وموسيقية ومحاضرات ثقافية عن تاريخ فلسطين وثقافة المقاومة ومعرض لرسومات ناجي العلي.. وحققت الفعاليات استقبالا وحضورا لافتا، حيث نقلت من القاعات المغلقة الى الشوارع الغاصة بالمارة وعلى الجسور الخالية من عبور السيارات، وفي الساحات التي تمتلأ بالناس والاسواق الشعبية.. ويبدو أو ان الفقرات الكثيرة هذه لم ترح اعداء القضية الفلسطينية واعداء ناجي العلي ورسوماته فاحتجوا واشتكوا وخادعوا ولم ينته الاسبوع الا وجاءنا اتصال هاتفي من بروكسل، من مسؤولة الثقافة في الاتحاد الاوروبي والتي دعمت لجنتها المركز الثقافي العربي ماليا تقول عن سحب الدعم وايقافه بسبب رسوم ناجي العلي، هكذا بصراحة، وقالت ان الدعم للثقافة وليس للسياسة والتحريض على الحرب واللاسامية.. واغلقت الخط دون سماع الرد.. وحين حاولت مناقشتها بعد ايام زادت اصرارا على موقفها، وارسلت لها تقريرا صحفيا كتبته اختها، زميلتنا الصحافية في اكبر جريدة بومية تصدر في الجنوب، (سيد اسفنسكا) اعادته لي مباشرة دون أن تحتفظ به كورقة دفاع أو تقدير موقف، ومن اهلها، مع اصرار رسمي على ايقاف الدعم المالي، لخروجنا عن النشاط الثقافي، الذريعة التي تعلقوا بها، وربما لم يجدوا عذرا لهم وفضح انزعاجهم من الفعاليات كلها، وعنوان الاسبوع، فتمسكوا بهذه الحجة، ودون أن تكتب لي رسميا كي أبرزه وثيقة (ضدهم)، ولكن هذا يعني في النهاية تعطيل العمل لان شريكتها في الدعم وزارة الثقافة السويدية مناصفة معها، تزعم انها لا تستطيع لوحدها تبني المشروع.. وهكذا اغلق حنظلة المركز الثقافي العربي بالسويد، او كان السبب فيه، مع غدر من يدعون قربى أو تقارير خبث وسقوط أخلاقي "لرفاق مناضلين"! لم يندموا عليها حتى بعد فوات الاوان.. وظل حنظلة، الرسم والواقع، غير ملتفت لبشاعة الاعداء بكل ألوانهم واشكالهم ومطابقات وجوههم لرسوماته عنهم.. في حربهم المستمرة.. رصاص غدرهم لم ينته عند راسه، حيث استمر مع استمرار المسيرة والمصير المعروف، وتظل رؤيته في الحرية والاستقلال والعودة، قائمة مهما طالت السنوات وتعقدت الازمات.
ظل حنظلة وكثر من يدعي وصلا به وبلا شماتة مارس بعض منهم فعليا أسوأ ممن أطلق رصاص الغدر، وسيكتب التاريخ يوما عنهم، ويتوضح للرفاق والأصدقاء وهمهم فيهم وقدرتهم على الخديعة والتلون حسب ما يخدمهم والأعداء سواء. فليس كل من بكاه صادقا وليس كل من علق رسما له زيفا وفيا له ولقيمه وأخلاقه وشهامته. وتلك هي المصيبة الاخرى، فليس الرصاص وحده هو الذي غدر بجسمه النحيل، وبقضيته وأحلامه..سؤال دائم مثل سبابته المرفوعة والتي تؤشر لهم والتاريخ سجل مكتوب، ونعيش ونرى.
*نقطة حبر: (من الواتس لور):
* أسوأ ما يحصل، هو إذا رأينا سلبية في احدهم، نخبر كل من حوله ولا نخبره عنها. نحن نجيد التحدث عن بعضنا لا مع بعضنا..
* كل ارض اكرمتك هي وطن، وكل ارض اهانتك هي غربة.
* كل حديث معرض لسوء الفهم، حتى الصمت قد يساء فهمه.