هل حقاً دفعنا كسوريين الثمن ؟

أيهم نور الصباح حسن
2020 / 10 / 6

" إنّ التاريخ يعيد نفسه مرتين , مرة على شكل مأساة , ومرة على شكل مهزلة " مقولة ساخرة للمفكر كارل ماركس انتقد فيها الجدلية الهيغلية القائلة بتكرار التاريخ لنفسه , فماركس يؤكد على أن حركة التاريخ في تطور و تغير دائم و لا يعيد التاريخ نفسه إلا بالنسبة لأولئك الذين لا يتطور وعيهم , أولئك الذين لا يستفيدوا من دروس و عبر التجارب التي حدثت بهم و لهم و معهم , و المثال الأوضح على ذلك في عصرنا هذا هو نحن .. نحن السوريون , فالتاريخ بالنسبة لنا يعيد نفسه عشرات المرات بهزلية ساخرة حد البكاء , كتاريخ أمة من الفراشات الغبية تهيمُ حول النار , كلما قضى فوجٌ منها نحبه دخل فوج آخر مسيرة الانتحار نفسها .
نستطيع أن نستنتج أنه كلما تعلمت أمة من الأمم دروس تاريخها و استخلصت العبر منها بسرعة ثم عملت على تدارك أخطائها الماضية بسرعة أيضاً , كلما كانت أمة حيّة و حضارية و فاعلة في الحياة الإنسانية ( هذا إن استبعدنا قدرة أمة ما على التعلم من دروس غيرها و الاستفادة منها ) , و كلما أهملت الأمة الاستفادة و التعلم من تجاربها و خساراتها و انكساراتها كلما زادت خيباتها و انكساراتها القادمة فيصبح مرضها مزمناً و تخرج من الحياة و الحضارة و الفاعلية الإنسانية رويداً رويداً إلى أن تصل لمرحلة الاندثار .

اسمحوا لي بأن أقوم باستعراض زمني لأهم الممالك و الأحداث التي مرت علينا كأمة سورية ( هذا إن صحت تسميتنا كأمة حالياً ؟ ) أو على الأرض السورية كي نستطيع أن نفهم ماهية تكويننا :

- الحضارات السورية القديمة : 5500 ق.م - 3000 ق.م
- البابلیون , الأكاديون , الأموريون , السومريون , الآراميون , الآشوريون , الفينيقيون : 3500 ق.م - 600 ق.م
- الاحتلال الفارسي : 550 ق.م - 332 ق.م
- الاحتلال اليوناني : 332 ق.م - 63 ق.م
- الاحتلال الروماني : 63 ق.م - 636 م
- الاحتلال الإسلامي : 632 م - 1258 م
- الاجتياح المغولي : 1259 – 1260 م
- حكم المماليك : 1260 - 1517 م
- الاحتلال العثماني : 1516 - 1918 م
- الاحتلال الإنجليزي و الفرنسي : 1918 - 1920 م
- الدولة العربية ( الملك فيصل ) : 1920 - 1921 م
- الاستعمار الفرنسي : 1921 - 1946م
- استقلال سورية بحدود سايكس بيكو عن الحكم الفرنسي العسكري المباشر : 1946م

بعد هذا العرض الملخص و السريع لتاريخنا المتضمن ما يقارب الألفين و خمسمائة سنة من الاحتلال نتساءل :
هل أدى تعاقب الاحتلال علينا إلى انقطاع الأمة السورية القديمة عن الأمة السورية الحديثة فتشظت و ذابت و تحللت و فقدت مكوناتها كأمة ؟ و هل من سبيل لإعادتها كمفهوم ؟
هل فقداننا لمفهوم الأمة أدى لفقداننا مفهوم الشعب ؟
لماذا لم نستطع أن نتعلم من كل هذه الدروس و التجارب ؟
لماذا ندفع دائماً أبهظ الأثمان و تنزل بنا أدهى المصائب دون مقابل ؟
لماذا نواظب على دفع ثمن الخطأ الواحد عشرات المرات ؟
لماذا يتم تصريف و تحويل أثماننا المدفوعة إلى قضايا بخسة تافهة ؟
لماذا فشلنا و على مدى مئة عام تقريباً ببناء دولة وطنية سورية ؟
هل حقاً نحن بهذا الغباء ؟
هل يجب علينا الاعتراف على الملأ بأننا كنا ولا نزال أغبياء جداً ؟
ثم ماذا ؟
ماذا بعد الاعتراف ؟ هل يحقق لنا الاعتراف شيئاً ؟
هل من الممكن أن يكون الاعتراف بغبائنا هو المفتاح لباب لم يسبق لنا أن فتحناه ؟
حسناً , نحن أغبياء جداً , فمن لم يستطع أن يتعلم من كل هذه الدواهي التي ألمت به فهو لعمري سيد الحمقى !
كيف سمحنا لأنفسنا أن ننسى أو نتناسى بناء دولتنا ؟
كيف رضينا أن تذهب أثماننا المدفوعة دماءً و أرواحاً و أشلاءً و ظلماً و قهراً و تشريداً سُدىً و هدرا ؟
من ذاك الذي استبدل بضاعتنا ؟ و كيف تم له ذلك ؟
كيف قبلنا السماح باستبدالها ؟
كيف استبدلنا بناء سوريتنا بأماننا المؤقت ؟
أ أغبياء و جبناء أيضاً ؟ !
كيف استبدلنا وطننا بأدياننا و مذاهبنا و طائفيتنا و إقليميتنا و قبليَتُنا و عشائريتنا و حقدنا و كراهيتنا و استمرار جهلنا و تسلطنا و عنجهيتنا الآنية ؟
أيستبدِلُ الحلم العظيم بالغبار إلا غبي جاهل ؟ !

كيف لأمةٍ قدمت للعالم الأبجدية .. أن تنسى الحرف و تنهَج الأُميَّة ؟ !
كيف لأمةٍ قدمت للعالم النوتة الموسيقية .. أن يموت فيها الفرح و تقتلها السوداوية ؟ !
كيف لأمةٍ قدمت للعالم أول وعاء .. أن تمتهن اليأس و تتحول للدعاء ؟ !
كيف لأمةٍ قدمت للعالم خيَالَ لوقيانوس .. أن يتحجَّر فِكرُها و تبقى في عصر الفانوس ؟ !
كيف لأمةٍ قدمت للعالم السكين و الشفرة .. أن تصبح أمةً عاجزةً نَكِرة ؟ !
كيف لأمةٍ قدمت للعالم معنى الحضارة و الألوهة .. أن تتقهقر مفاهيمها الاجتماعية و السياسية و الدينية إلى هذه الدرجة المعتوهة ؟ !

أيعقل أن يودي بنا الصمت إلى كل هذا ؟
أيكون هذا ثمن صمتنا على التفتيت و التجزيء ؟
صمتْنَا على تجزيء كرامتنا كأمة فباتت كرامة مجموعات ثم كرامة عائلات فكرامة أفراد !
صمتْنا على تجزيء شرفنا فانحسر الشرف إلى فروج نسائنا و استقر بها !
صمتْنا على تفتيت حرياتنا فانحصر خيارنا بين الشعير و البرسيم !
لقد انهزمنا منذ أن أصبحت كرامة و شرف و حرية الفرد السوري مسألة فردية لا تعني إلاهُ ..
كلنا كنا خونة بطريقةٍ ما .. فيكفينا تخويناً لبعضنا البعض
كلنا كنا قتلة بطريقةٍ ما .. فيكفينا تجريماً لبعضنا البعض
كلنا كنا شياطين بطريقةٍ ما .. فيكفينا شيطنةً لبعضنا البعض
تعالوا لنتفق على أن قراءتنا لتاريخنا كانت خاطئة و أودت بنا إلى الجحيم .
تعالوا لنتفق على أننا لم ندفع كل هذه الأثمان إلا لأننا لم نتغير .
تعالوا لنتفق على أننا لاندفع كل هذه الأثمان الفادحة الآن إلا لأننا أجلنا دفع الثمن الزهيد في الماضي .
تعالوا لنتفق على أن أولئك الذين يؤجلون دفع الأثمان بهدف اتقاء الشرور سيدفعونها هم و أبناؤهم فيما بعد أضعافاً مضاعفة .
تعالوا لنتفق على أن غالبية هذه الأثمان التي دُفعت لم تقترب حتى من الهدف الحقيقي و لابد لنا من إعادة توجيهها كي نصل للمبتغى .
تعالوا لنتفق على أننا لم نشخص أمراضنا بدقة و جرأة و أننا ها نحن الآن نحتضر نتيجة علاجاتنا الخاطئة .
تعالوا لنتفق على أن البضاعة السورية العظيمة لاتزال معروضة للبيع و أنها تنتظرنا جميعاً كي نطرق بابها .
تعالوا لنتفق على أن دفع الثمن يكون بلا إكراه و لا تدليس و أننا حتى الآن لم نقبض سوى الريح ..
فإذا اتفقنا كان لنا ما نريد ..
و إن لم نتفق فسيبقى السؤال عالقاً : هل حقاً دفعنا كسوريين الثمن ؟؟؟

أيهم حسن
6 / تشرين الأول / 2020

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين