الفلسفة والعداء للفلسفة

مالك ابوعليا
2020 / 10 / 6

الكاتب: الماركسي البُلغاري نيكولاي نيكولوف ايريبادجاكوف*

ترجمة مالك أبوعليا

كان مُصطلح "الفلسفة" في العصور القديمة، يعني المعرفة العلمية الحقيقية، ونحن احتفظنا بهذا المعنى للفلسفة، بشكلٍ عام، حتى القرن الثامن عشر. لكن بدايةً من ذلك الحين، استحوذت العلوم الخاصة، التي تميزت كمجالاتٍ مُستقلة، على المشاكل التي كانت في وقتٍ من الأوقات ضمن اختصاص أمهم الفلسفة، والتي ارتبط بها مجد الماضي وأهمية الدياليكتيك. خلال القرن التاسع عشر، وخاصةً القرن العشرين، حققت العلوم الخاصة نجاحاتٍ هائلة في تطورها، وهي حقيقة وجدت تعبيرها بشكلٍ مُركز في الثورة العلمية والتكنولوجية الحالية.
نشأ مفهومان فيما يتعلق بمصير الفلسفة في ظل الظروف الحالية لتطور العلم. أحدهما، الذي وضعه الماركسيون في المقام الأول، يعتبر الفلسفة علماً، وانفاذاً قوياً لاكتساب المعرفة والتحويل الثوري للعالم. يُنكر المفهوم الثاني أن الفلسفة علمية في طبيعتها، ويعارضها بالعلوم، ويرى توسّع وتعمّق المعرفة العلمية كعامل يُشجع على القضاء على الفلسفة كشكل من أشكال الادراك. يدعم هذا المفهوم الفلاسفة المثاليون وبعض مُمثلي العلوم الخاصة. وصار يُعرَف على نطاقٍ واسعٍ في الدول الغربية في عشرينيات القرن العشرين بمناهضة الفلسفة، أو العداء لها. لم يُنكر مؤيديو وجهة النظر هذه طابع الفلسفة العلمي وعارضوها بالعلم فحسب، بل أعلنوا أنها تفتقر الى اي هدف وليس لديها أي مُشكلات حقيقية وذات مغزى ايضاً.
يبدو لنا أن مثل هذه الآراء مُرتبطة بالمنهج الميتافيزيقي والمثالي للفلسفة، وعملية تطورها التاريخي الفعلي، وارتباطها وتفاعلها مع العلوم الخاصة ومع الحياة المادية والفكرية للمُجتمع.
تتجلّى المُقاربة الميتافيزيقية للفلسفة قبل كل شيء وبشكل أساسي في غياب أي مُقاربة تاريخية أصيلة لها، والفشل في فهم دياليكتيك العمليات التاريخية الحقيقي، للتمايز والاندماج، والانفصال والانقسام والتداخل والتفاعل الذي يحدث داخل الفلسفة من ناحية، وبين الفلسفة والعلوم الخاصة من ناحيةٍ أُخرى.
ان التطور التاريخي للفلسفة هو عملية مُعقدة ومُتناقضة بشكلٍ كبير. من ناحية، كان هناك تغيّر مُستمر في موضوع الفلسفة، في مشاكلها وأسئلتها، وفي طبيعة الاجابات عليها. من ناحيةٍ أُخرى، فان تاريخ الفلسفة هو تاريخ صراع لانهاية له بين المدارس والتيارات الفلسفية المتنوعة، والذي تم التعبير عنه قبل كل شيء في الصراع بين الاتجاهين الفلسفيين الرئيسيين والمتناحرين-المادي والمثالي. يجد هذا الصراع أيضاً حتماً تعبيراً عنه في نفس التفسيرات التي توضع لتعريف الفلسفة.
لكن بغض النظر عن النزاعات حول موضوع الفلسفة والتغييرات التي حصلت فيها، ووجود العديد من النظريات والتيارات الفلسفية التي تستثني أحدها الآخر، فان فلسفات العصور القديمة وحتى عصرنا قد واجهت، ولا تزال تواجه مجموعة رئيسية ومُتميزة من المسائل الرئيسية. هذه المسائل تتعلق بالعلاقة بين المادة والعقل، وجوهر العالم وقابلية معرفته، وحدة العالم وتنوعه، انتظامات تطوره، وطبيعة المكان والزمان والحركة والسببية والصدفة والقانون، وبعض المسائل الأُخرى التي لا تنظر فيها العلوم الخاصة أو تحلها.
من المؤكد أن هذه المسائل ليست قضايا زائفة وليدة الاستخدام غير السليم للغة، كما يؤكد فيتغنشتيان وأتباعه، ولكنها مسائل حقيقية تنبع من العالم الحقيقي والنشاط والادراك الانسانيين. تهتم جميع النظريات والمدارس والاتجاهات الفلسفية بهذه المسائل، بغض النظر عن التفسير الذي تخضع له.
لا يُمكن لأحد أن يدحض الحقيقة التاريخية التي لا جدال فيها وهي أن الفلسفة نشأت باعتبارها علم عن العالم، وعن الانسان ومعرفته، وبأنها، تضمنت، بالنسبة للجزء الأكبر من تاريخها، كل العلوم. كان الفلاسفة الأوائل في نفس الوقت، علماء فلك وعلماء رياضيات وفيزيائيين وعلماء أحياء وسيكولوجيين وسوسيولوجيين وعلماء أخلاق وعلماء جمال، وما الى ذلك، قاموا بعددٍ من الاكتشافات العلمية التي تُشكّل أساس المعرفة العلمية وصاغوا أفكاراً عبقرية أشارت الى طريق نشاط البحث في مجالات مُتنوعة مما قاد الى عددٍ من الاكتشافات الأساسية في العلم الحديث.
يصح هذا بدرجة كبيرة على تلك الطفرة التي شهدتها الفلسفة بعد فترة القرون الوسطى المُطلمة، مُنذ بداية عصر النهضة وحتى نهاية القرن الثامن عشر. كان قادة الفلسفة في تلك الفترة، مثل بيكون وهوبز ولوك وديكارت ولايبنيتز وآخرون في نفس الوقت من كبار العُلماء. في دراسة العلاقة بين الفلسفة والعلم حلال هذه الفترة، كتب ماركس أن العلم الطبيعي بالمعنى الدقيق للكلمة(1)، يندمج مُباشرةً مع المادية الديكارتية، وحتى مع الميتافيزيقيا غير المادية لفلاسفة مثل ديكارت ولايبنيز، والتي كانت لا تزال تشمل "مُحتوىً أرضي ايجابي" وساهم بشكل كبير جداً في تطوير المعرفة العلمية. لقد حققت الفلسفة "في الرياضيات والفيزياء والعلوم الدقيقة الأُخرى، اكتشافاتٍ، بدت أنها ترتبط بها نفسها بشكلٍ لا ينفصم"(2).
من الجدير بالذكر، أن الفلاسفة الأوائل، الذين كانوا في نفس الوقت العلماء الأوائل، من طاليس الى ديموقريطس، كانوا ماديين، وفي مُعظم الحالات، كانوا دياليكتيكيين عفويين. ومن اللافت للنظر أيضاً أن "المؤسس الحقيقي للمادية الانجليزية"، بيكون، كان ايضاً المؤسس الحقيقي "لكل العلوم التجريبية الحديثة"(3).
كتب آنجلز، في كشفه عن علاقة المادية الدياليكتيكية بتاريخ الفلسفة وماضيها، أن "المادية الحديثة"، أي المادية الدياليكتيكية، "لا تشتمل على مُجرّد استعادة للمادية القديمة، لانه بالنسبة للمبادئ الدائمة للأخيرة، فان محتواها الفكري مُتعلق بتطور الفلسفة والعلوم الطبيعية لمدة ألفين عام، انها مادية هذين الألفي عام بالذات"(4).
الفلسفة الماركسية هي الوريثة الحقيقية لأقدم الرسالات الفلسفية وأكثرها دواماً- رسالة كونها علماً، وفي نفس الوقت، كونها نظرة الى العالم.
تُعرّف الماركسية نفسها بأنها علم القوانين الأكثر عموميةً عن تطور العالم والمعرفة الانسانية.
وكعلم حول العالم، فانها تشمل في مجالها دراسة الواقع الطبيعي والاجتماعي. تتمثل مُهمتها في فهم العالم وطبيعته وأهم خصائصه الأساسية ككل، وكل المعرفة المأخوذة في علاقتها بالواقع الموضوعي والنشاط العملي للانسان والطبقات والأنظمة الاجتماعية. وتتمثل مُهمتها في تأسيس أكثر القوانين والمقولات عموميةً حول الفكر والمعرفة الانسانية، وقوانين تطورها وترابطها وعلاقاتها بالعالم الخارجي والمُمارسة الانسانية.
ان هدف ومهام الفلسفة تُحدد بشكلٍ حتمي طابعها كنظرة الى العالم، وفي نفس الوقت، تُحدد سماتها الخاصة التي تُميزها عن العلوم الخاصة الأخرى، وتدرس اي مجال من مجالات الواقع الطبيعي أو الاجتماعي والمعرفة والنشاط الانساني، وهي لديها درجة مُعينة من الأهمية من وجهة نظر النظرة الى العالم. ولكن لسبب أنها تدرس أحد أجزاء الواقع أو المعرفة الانسانية ونشاطه، فانه لا يوجد علم خاص واحد، يُمكن أن يكون نظرةً الى العالم.
تسود وجهة النظر في الفلسفة الغربية أن الفلسفة، باعتبارها مُتميزة عمّا يُسمّى العلوم الوضعية، لا يُمكنها اثبات تأكيداتها، لان هذه التأكيدات لا تستند الى التجربة والمُلاحظة، ولكن تستند فقط على الخبرة بشكلٍ عام. ولهذا السبب بالتحديد، فان البُرهان والدحض هما كلمتان ميتتان بالنسبة للفلسفة(5). وبالطبع، فان الفلسفة بوصفها غير علمية، لا يُمكنها أن تشتغل بالحُجج التي لديها مضمون يطلب "براهين" و"تفنيد". ومع ذلك، فان هذا التأكيد لا يُمكن الدفاع عنه عند تطبيقه على الفلسفة العلمية، أي المادية الدياليكتيكية.
في الحقيقة، ان الفيلسوف ليس مُضطراً الى اجراء تجالاب لاثبات تأكيداته. ولكن هذا ليس، ولا يُمكن أن يكون حُجةً ضد الطابع العلمي، والتجريبي، الى حدٍ ما، للفلسفة المادية الدياليكتيكية، لسببين. في المقام الأول، يرجع هذا الى أن عدداً كبيراً من العلوم أيضاً لا تستخدم ولا تستطيع أن تستخدم، المنهجية التجريبية، بينما يكون تطبيق هذه المنهجية في بعضها الآخر محدوداً للغاية، ومع ذلك، فهي علوم. ثانياً، رغم أن فلسفة المادية الدياليكتيكية لا تستخدم المنهجية التجريبية بشكلٍ مُباشر، فانها تقوم على كل المُمارسات الاجتماعيةالتاريخية، والتجربة الانسانية، وقبل كل شيء، مُنجزات العلوم الخاصة.
وهكذا، فان فلسفة المادية الدياليكتيكية "تهتم" بالعلوم، وتستوعب مُنجزات النشاط العلمي والاجتماعي والمُمارسة.
لكن هذا الاهتمام مُتبادل، سيكون من الصعب اثبات أي من هذين الطرفين يُظهر اهتماماً أكبر بالآخر: اهتمام الفلسفة بالعلوم الخاصة، أم اهتمام العلوم الخاصة بالفلسفة. ومع ذلك، لا جدال في أن جميع العلوم الخاصة، وكذلك جميع أشكال النشاط الفكري-الدين والفن والأخلاق والقانون، الخ- تلجأ، في التحليل النهائي، الى الفلسفة ومسائلها ومقولاتها ومفاهيمها.
كيف يُمكن تفسير ذلك؟ من خلال حقيقة أن الفلسفة هي أعمق أساس منهجي لجميع العلوم الخاصة، وكل النشاط الفكري والعملي للمُجتمع والانسان.
يتحدد دور الفلسفة هذا من خلال بُنية المعرفة الانسانية نفسها، والتي، تُحددها بدورها، بُنية الدياليكتيك الموضوعي للعالم كما هو موجود في الواقع.
ان التفاعلات بين الفلسفة والعلوم الخاصة ليست سوى انعكاس ومظهر للتفاعلات بين الجُزء والكل، بين العام والخاص والفردي الموجود في الواقع الموضوعي الفعلي. هكذا هو الواقع، انه كُلٌ يتكون من أجزاء ويُمثل منظومةً من المكونات، ومثلما لا يوجد الكُل خارج أجزاءه، أو نظام خارج مُكوناته، لذا فان الأجزاء هي أجزاء عندما تكون أجزاءاً للكل، ومُكونات، عندما تكون مُكوناتٍ لنظامٍ مُعين.
في دياليكتيك الواقع والمعرفة هذا، يتجذر اختلاف وحدة وتنوع العلوم الخاصة، كعلومٍ عن مجالاتٍ مُتميزة من الواقع، والفلسفة كعلم عن أعم خصائص وقوانين وعلاقات العالم والمعرفة والممارسة الانسانيتين.
بهذه الطريقة فقط يُمكن للمرء أن يُفسر حقيقة أن الصلة بين الفلسفة والعلوم الخاصة لم تنقطع، بعد ان تمايزت الأولى عن الثانية، لذلك بغض النظر عن عمليات الاندماج والتمايز التي حدثت داخل العلوم الخاصة، فانه لم تتلاشى لا الفلسفة ولا دورها المنهجي. على العكس من ذلك، كلما زاد توسّع وتعمّق العلوم الخاصة، وكلما ازدادت عمليات التكامل والتمايز في داخلها، وكلما ازداد دور وأهمية المسائل الفلسفة ومقولاتها، ودور وأهمية المسائل المنهجية للعلم، وفي نفس الوقت، يزداد دور الفلسفة، ولكن السؤال هو: أي فلسفة؟
يوضّح تطور التفاعل بين الفلسفة والعلم بشكلٍ لا لُبسَ فيه أن الفلسفة المادية فقط، وعلى وجه التحديد، المادية الدياليكتيكية، هي التي تتوافق مع طبيعة وروح ومهام العلم. انها وحدها فقط التي تُزود العلم بالأسس المعرفية والمنطقية والمنهجية الأُخرى المطلوبة، وقد اعترف بذلك أكثر من مرة حتى الفلاسفة المثاليين، وأيضاً عدد من العلماء البارزين، الذين على الرغم من أنهم ليسوا ماديين واعيين في الفلسفة، الا أنهم تبنّوا بوعي، في كثيرٍ من الحالات الأفكار الفلسفية، على الرغم من تبنيهم لأفكار مثالية في كثيرٍ من الأحيان.
منذ بداية القرن العشرين، أدرك هوسرل أن العلم الطبيعي مادي في جوهره، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، وأن الفرضية الرئيسية التي ينطلق منها العلم هي الاقتناع المادي بأن الطبيعة مادية وبأن قوانينها موجودة موضوعياً، أي خارجة ومُستقلة عن كُل وعي ومعرفة. هذه القناعة، كما اعترف هوسرل "خالدة" في العلوم الطبيعية، ويتم تكرارها فيها باستمرار(6)، وسيكون العلم الطبيعي مُستحيلاً بغياب هذا الاقتناع.
نجد نفس نوع هذا الاعتراف عند مُمثلي الاتجاهات الفلسفية الأخرى. وهكذا، على سبيل المثال، كتب الباحث النمساوي فيكتور كرافت Victor Kraft الذي كان ذات مرة عضواً في مدرسة فيينا يقول: "سواءاً في العلم أو الممارسة العملية، لا يُمكن تجنّب افتراض وجود عالم موضوعي ملموس، وأن الآخرين لديهم تجارب عاطفية، وهذا ليس كما أن نفترض واقعاً مُتعالياً عن التجربة. العلوم التي تتعامل مع الواقع-سواءاً كانت العلوم الطبيعية أو تلك التي تبحث في العلم-تفترض أن الأشياء الموضوعية موجودة باستمرار بشكلٍ لا جدال فيه، حتى عندما لا يتم فهمها. بالنسبة لعلم الفلك والبيولوجيا والعلوم التاريخية عن الأرض والعضويات وعن الانسان وثقافته، فان هذا الأمر لا يحتاج الى أدلة"(7).
لهذا السبب بالتحديد، من الطبيعي تماماً أن يقاوم عدد من مُمثلي العلوم الطبيعية مُحاولات تقديم تفسير مثالي للأشياء الطبيعية. من الجدير بالملاحظة في هذا الصدد الرفض الحاسم الذي قدّمه علماء الفيزياء مثل اينشتاين وفون لاو von Laue وشرودنغر ولانغفين Langevin ولويس دي بروي Louis de Broglie وديفيد بوم David Bohm وآخرين على التفسيرات المثالية للكيانات المادية، ويُلاحظ هايزنبرغ أن هؤلاء الفيزيائيين مُتحدون بشأن النقطة التي تقول: يجب أن تلتزم الفيزياء الحديثة "بأفكار الفيزياء الكلاسيكية حول الواقع، أو بمعنىً عام، بأنطولوجيا المادية، أي المفاهيم التي تنص على أن هناك عالماً واحداً موضوعياً وحقيقياً، وأن أصغر الجُسيمات لها وجود موضوعي بقدر موضوعية وجود الصخور والأشجار، سواءاً استطعنا أن نراها أم لم نستطع"(8)، يجب على الفيزيائي في علمه، أن يفترض أنه يدرس عالماً لم يخلقه بنفسه، وأنه كان موجوداً بدونه"(9).
ان النظرة المادية للعالم مقبولةً من قِبَل الغالبية العُظمى من مُمثلي علم أساسي طبيعي آخر: البيولوجيا. وهكذا، على سبيل المثال، فان البيولوجي الانجليزي البارز كونراد هال وادينغتون Conrad Hal Waddington، الى جانب عدد آخر من العُلماء في تخصصه اليوم، ينطلق من القناعة المادية بأن العالم مادي، وأنه موجود بشكلٍ موضوعي، خارج وعينا، وأن الحياة، هي ببساطة "حالة خاصة للمادة"(10). ولكن هذا ليس كل شيء. يُقدّر وادينغتون الفلسفة المادية الدياليكتيكية تقديراً عالياً، ولا سيما فكرة لينين عن المادة باعتبارها حقيقةً موضوعية. ويؤكد أن الماركسية تتفق تماماً مع العلم، لانها "فلسفة مادية"(11). ان وجهة نظر البيولوجي النمساوي لودفيغ فون بيرتالانفي Ludwig von Bertalanffy وحتى البيولوجي الانجليزي جوليان هكسلي Julian Huxley حول الفلسفة والعلوم الطبيعية ذات أهمية خاصة من وجهة نظر الفلسفة المادية الدياليكتيكية.
كُل هذا يُشير الى ان تطور العلوم الخاصة وتطور الفلسفة المادية الدياليكتيكية مُترابطان ويُحفز كلٌ منهما الآخر.
لا يرتبط الدور المُتصاعد للفلسفة العلمية فقط بأهميتها الهائلة في تطوير العلوم الخاصة. ان له أساس أوسع. ان ثقافة المُجتمع الحديث مُعقدة ومتنوعة، وهي تشمل العلوم الخاصة المتنوعة والمتكاثرة باستمرار التي تهتم بالطبيعة والمُجتمع، الفن، الحقوق، الأخلاق وغيرها، كما تشتمل على الفلسفة.
ومع ذلك، الفلسفة ليست مُجرد جزء من أجزاء نظام الثقافة الروحية العديدة. الفلسفة هي أعم رابطة تكاملية بين العلوم الخاصة وجميع أشكال النشاط البشري الأُخرى. انها الخيط الفكري للثقافة الذي يربط مكوناتها الفردية في منطومة مُتكاملة. الفلسفة هي روح كل ثقافة، وهي على حد تعبير ماركس، جوهر كل ثقافة. لذلك فان مستوى تطورها هو أحد أهم مؤشرات مستوى تطور ثقافة كل مُجتمع، وسيظل كذلك.
يتجلى هذا الدور الأساسي للفلسفة في نظام الثقافة الفكرية للمُجتمع في وظيفتين أساسيتين ومُترابطتين في تاريخ الثقافة الانسانية: المنهجية والنظرة الى العالم.
ان حاجة الانسان الى نظرة عن العالم أمرٌ لا مفر منه، علاوةً على سعيه لتصور العالم ككل، كوحدة، لانه جزءٌ من العالم الذي يُجسد وحدته في ذاته. انه يعيش في عالمٍ لا حصر له في تنوعه. وطالما يسعى الانسان الى فهم نفسه، فانه سيسعى جاهداً لفهم عالمه وسيعمل على تشكيل نظرةٍ حوله. وكلما ازداد اتساع وتعمّق تماي المعرفة في العلوم الخاصة، ازدادت حدة الشعور بالحاجة الى ادماج مُختلف فروع المعرفة العلمية المُتخصصة، والذي يجد أرقى تعبيراً لها-أي (الادماج)- في الفلسفة المادية الدياليكتيكية العلمية.
ومع ذلك، فان النظرات الفلسفية للعالم مُختلفة، وهنا نواجه خطأ مثالي أساسي آخر لتعريف الفلسفة ووجهات النظر عنها ينطلق من مُعاداة الفلسفة، بمقاربته الفلسفية لمسألة العلاقة بين الفلسفة وظروف حياة المُجتمع، ومسألة دورها-أي الفلسفة- في الحياة الاجتماعية.
ان فكرة السمة التأملية الصرف للفلسفة، والتي تكون مهمة الفلسفة بموجبها هي مُجرد تفسير العالم، ولا تحل بأي حالٍ من الأحوال مسألة كيفية تغييره، كانت سائدةً على نطاقٍ واسعٍ في الفلسفة المثالية لفترةٍ طويلة. كان برتراند راسل أحد أكثر المُعبرين عن وجهة النظر هذه حيويةً في العقود الأخيرة. كتب: "هناك فلاسفة يعيشون ليعضدوا الوضع الراهن، وهناك آخرون يعيشون ليقلبوه رأساً على عقب-وماركس ينتمي الى هذه الفئة بالطبع. وأنا من جانبي أرفض الاتجاهين، ولا أعتبرهما المهمة الحقيقية للفلسفة، وأعتقد أن مهمة الفيلسوف ليست في تغيير العالم، وانما في فهمه- وهو عكس ما قاله ماركس تماماً"(12). ولكن بينما يحرم الفلاسفة من أمثال راسل الفلسفة من وظيفة تغيير العالم ويقصرون مهامها على تفسيره فقط، يسعى الوضعيون المنطقيون وممثلو التحليل اللغوي الى حرمان الفلسفة حتى من مهمة تفسير العالم.
كما نعلم، يؤكدون أن مهمة الفلسفة ليست تفسير العالم ولا تغييره. وهكذا تفقد الفلسفة كل دورٍ وكل مغزىً لاكتساب المعرفة والنشاط العملي للبشر.
كقاعدة عامة، يتسم الموقف الاجتماعي والسياسي لهؤلاء الفلاسفة بالخوف والعداء الواضح للتغييرات الثورية في العالم. واذا حدثت تغيرات اجتماعية من أي نوع، فلتكن، ولكن بدون مشاركة الجماهير، ولتحدث تغيرات ضمن حدود الاصلاحية البرجوازية، ولا يجب أن تمس أُسس النظام الرأسمالي. يبدو لنا أن الفريد آير Alfred Ayer عبّر بوضوح تام عن الدافع الايديولوجي الأساسي لهذه الفلسفة في كتابه (الميتافيزيقيا والحس السليم) Metaphysics and Common Sense، يكتب: "حول هذه المسألة، أنا غير قادر على اقتراح اي شيء جيد بخلاف "المبادئ الليبرالية القديمة المعروفة... حكومة نيابية، اقتراع عام، حرية التعبير، حرية الصحافة، المساواة أما القانون، وكل ما يرتبط بما يُسمى دولة الرفاهية"(13). يُتابع آير قائلاً: "حقاً سيكون من الأكثر رومانسيةً أن نسير جنباً الى جنب تحت راية جديدة زاهية لعالمٍ جديدٍ مُشرق. لكنني لا أعرف مثل هذه الراية: ربما يرجع ذلك الى عُمري. لا أشعر بالحاجة الى أي شيءٍ مهما كان ليستبدل هذا النوع من الراديكالية النفعية والمتسامحة وغير الدرامية. بالنسبة لي، لا تكمن المُشكلة في ابتكار نظامٍ جديدٍ من المبادئ السياسية، بل في ايجاد وسائل أكثر فاعليةً لتطبيق المبادئ التي نعرفها مُعظمنا من قبل- يقصد الليبرالية، المُترجم-"(14). في ضوء مثل هذه الحقائق، يتضح أن لاتجاه العداء للفلسفة جذورها الاجتماعية العميقة.
تعتبر الماركسية الفلسفة ظاهرة اجتماعية وُلِدَت من الاحتياجات الفكرية والعملية للأفراد والطبقات التي تُشكل المُجتمع، وبالتالي، فانها أدت، وستؤدي دائماً وظائف اجتماعية مُحددة.
من دون الفلسفة، من المُستحيل القيام بأي صراع ايديولوجي جاد، وقوانين الصراع الايديولوجي عنيدة. انها، اي تلك القوانين، لا تترك مجالاً لوجود فلسفة تقف خارج الصراع الايديولوجي للطبقات والأنظمة الاجتماعية. في التحليل النهائي يأخذ أي نظام فلسفي مكانه على احدى الجبهات الايديولوجية، ويتضح أنه مُدمج في جزء مُحدد من البُنية الاجتماعية، حتى عندما يتعارض هذا مع النوايا الذاتية لمُبدعيها. يعتقد العديد من الفلاسفة الغربيين أنهم اذا قاموا بالترويج لموقفٍ تأمليٍ تجاه الواقع، أو تهربوا من المشاكل العملية، فان هذا سيجعل فلسفتهم ذات طابع لااجتماعي. ومع ذلك، فان هذه اللااجتماعية هي محض وهم. في الواقع، لا توجد فلسفة مُحايدة، ولا يُمكن أن توجد. السؤال فقط، هو ما هي المصلحة الاجتماعية لفلسفة مُعينة؟ وهذا يعتمد على الفلسفة نفسها.
يوضح تاريخ الفكر الفلسفي، كقاعدة عامة، أن الطبقات الاجتماعية والحركات التي تُناضل من أجل التغيير الثوري للعالم، من أجل التقدم الاجتماعي الحقيقي، هي مادية. وليس من قبيل المصادفة أن الاشتراكية والشيوعية، في اصولهما الأولى والطوباوية، ارتبطتا ارتباطاً مُباشراً بالفلسفة المادية(15).
ارتبطت الأشكال الطوباوية للاشتراكية والشيوعية بأشكال فلسفية مادية أقل تطوراً. على عكس الاشتراكية الطوباوية، فان للشيوعية العلمية أساسها الفلسفي في شكل جديد نوعياً من الفلسفة المادية يُعرف بالمادية الدياليكتيكية والتاريخية. تختلف الفلسفة المادية الدياليكتيكية اختلافاً جوهرياً عن الفلسفة المثالية الميتافيزيقية. لذلك، يختلف موقف هاتين الفلسفتين من الثورة الاجتماعية والعلمية التكنولوجية اختلافاً جوهرياً.
بينما ترى الفلسفة المثالية في هاتين الثورتين المُترابطتين تهديداً لوجودها-ليس بدون سبب-تجد فلسفة المادية الدياليكتيكية والتاريخية فيهما قوتها ودعمها الجبّار. انها تجد فيهما تأكيدات جديدة لأفكارها، ومشاكل جديدة وموادٍ واسعة للحلول الفلسفية الجديدة، وفُرَصاً لم تكن متوفرةُ من قبل لمواصلة تطويرها ورفع دورها وأهميتها في تطوير النشاط المعرفي والعملي للبشر.

* الماركسي البُلغاري نيكولاي نيكولوف ايريبادجاكوف 1920-2008. كان مُهتماً في مجال تاريخ الفلسفة وتاريخ السوسيولوجيا وتاريخ الماركسية ونقد الفلسفة البرجوازية، وهو بروفسور في أكاديمية العلوم البُلغارية، وكان عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البُلغاري.
من مؤلفاته: (اللينينية والفلسفة والصراع الايديولوجي) 1970، (الفكر السوسيولوجي في العالم القديم) 1978، (نقد العقل الميتافيزيقي) 1979، (نحو نقد فلسفة التاريخ المثالية المُعاصرة) 1989.

1- See K. Marx and F. Engels, Soch., Vol. 2, p. 193
2- Ibid., p. 141
3- Ibid., p. 142
4- Op. cit., Vol. 20, p. 142
5- F. Weismann, "HOW I See Philosophy," in Logical Positivism, A. J. Ayer, ed., Glencoe, Ill., The Free Press, 1960, p. 345. [All non-Russian quotations are retranslated from the Russian. ]
6- E. Husserl, Philosophie als strenge Wissenschaft, Frankfurt am Main, 1965, p. 19
7- V. Kraft, Erkenntnislehre, Vienna, 1960, p. 269
8- W. Heisenberg, Physik und Philosophie, Stuttgart, 1959, p. 120
9- Ibid., p. 134
10- C. H. Waddington, The Scientific Attitude, 2nd ed., Harmondsworth, Pelican Books, 1948, pp. 98-99
11- See the collection Na puti k teoreticheskoi biologii. Prolegomeny, Moscow, "Mir" Publishing House, 1970, p. 8
12- محاورات برتراند راسل، برتراد راسل، ترجمة محمد عبدالله الشفقي، الدار القومية للطابعة واالنشر 1961، ص11
13- A. J. Ayer, Metaphysics and Common Sense, London, 1969, p. 259
14- Ibid., p. 260
15- K. Marx and F. Engels, Soch., Vol. 2, pp. 145-46

ترجمة لمقال:
Philosophy and Antiphilosophy, Nikolai Iribadjakov, Soviet Studies in Philosophy, 13:1, 37-48, 1974

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي