عن أي عُزير تحدث القرآن

محمد ليلو كريم
2020 / 10 / 4

على مبعدةٍ من الشيخ جلستُ منهكًا أستغِلُ دقائق الخطبة لأسترجع قواي فمجالس العزاء ( الفواتح ) تتطلب بذل جهد كبير ، وبسبب وباء كورونا لم يُنصب سردق القماش بل تم الاكتفاء بالكراسي المُرفقة بالطبلات الصغيرة ، وعلى شكل مستطيل طويل جلس المُعزين على كراسي خضراء اللون ينصتون لحديث الرجل المُعتمر عِمّة بيضاء كعادة شيوخ الحوزة الشيعية .
ما كنت من المنصتين لخطبة المجلس فالتعب اخذ مني طاقة كثيرة ، ولكن ؛ تنبهت لآية قرآنية أحتج بها الشيخ على اليهود والتي تقع في سورة التوبة ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ) والآية تحمل التسلسل رقم ٣٠ في السورة .
تسائلت : هل في عقائد اليهود قولٌ ببنوة الله لعُزير ، وهل من نص توراتي يقول بذلك ؟ .
وأستدركت ؛ لماذا لا اسأل أهل التوراة وديانتها لأنال جوابًا منهم لأن القرآن أتهمهم هم ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ ) ووجه تهمة الكفر لهم ( ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ) فهل من إجابة من الجانب الحاخامي ترد على هذه التهمة .
قبل تلقّي الإجابة استطرد في توضيح :
لم يرد إسم ( عُزير ) في التوراة ، ولكن التوراة تتحدث عن ( عزرا ) وله سفر في العهد القديم يحمل إسمه ( سفر عزرا ) وعزرا وبحسب ما متوفر لدي من مصدر عاش في القرن الخامس قبل الميلاد وكتب سفره حوالي عام ٤٥٠ ق م ، مُسجلًا للأحداث من عام ٥٣٨ الى ٤٥٠ ، وأكثر الظن إنه كتب سفره في بابل وأتمّه في أورشليم ، وبالمجمل فالسفر يروي ما جرى بعد إنقضاء فترة السبي إذ أصدر الملك كورش الفارسي مرسومًا بعودة اليهود لديارهم وذلك بعد ٤٨ سنة من تدمير نبوخذ نصر لأورشليم والتنكيل بالمملكة الجنوبية ، مملكة يهوذا ، ونقل اليهود لبابل في ما يُعرف بالسبي ، وأستمر السبي لسبعين سنة ، وقد أسقط الملك كورش مملكة بابل سنة ٥٣٩ قبل الميلاد وأصدر مرسومه سنة ٥٣٨ ق م ، وجرت عودة المسبيين عام ٥٣٧ ق م ، وكانت عودة الفريق الأول بقيادة زربابل ، وبقيادة عزرا جرت عودة الفريق الثاني في عهد الملك الفارسي أرتحششتا بعد عودة الفريق الأول بثمانين سنة ، وبطرح ٤٥٨ من ٥٣٧ تكون النتيجة ٧٩ سنة الفارق الزمني بين العودة الأولى والثانية ، وعلى كل حال فالقرآن لم يتطرق لهذه القصة ناهيك عن أن الاسم مختلف ( عُزير - عَزرا ) فعن أي عُزير وعن أي يهود يتحدث القرآن ؟؟ !! .
يتحدث سفر عزرا عن عودة اليهود بقيادة زربابل ، أي أن عزرا يروي ما جرى قبله بثمانين عام ، وبدءًا من الإصحاح السابع من السفر تبدأ قصة عزرا وقيادته لجماعة المسبيين الثانية ورعاية الملك أرتحششتا بن أحشويروش بن كورش لهم وأصدار مرسوم يُعادل جواز السفر ليكون سبيل رجوعهم لديارهم رسميًا وأيضًا تزود عزرا برسالة من الملك يمكن قرائتها في الإصحاح السابع من السفر .
هو عزرا بن سرايا بن عزريا بن حلقيا بن شلُّوم بن صادوق بن أخيطوب ، بن أمريا بن عزريا بن مرايوث ، بن زرحيا بن عُزِّي بن بُقِّي ، بن أبيشوع بن فينحاس بن ألعازار بن هُرون رئيس الكهنة ، وعزريا كاتب ماهر ولهذا أطلق عليه إسم " عزرا الكاتب " ويرقد في ضريحة بمحافظة العِمارة - ميسان العراقية في منطقة تحمل إسم " العزير " .
لا وجود لأي تأكيد في التوراة يعضد التهمة القرآنية بإتخاذ عزرا ابنًا لله في دين بني اسرائيل ، ولستُ اعلم علة التهمة .


حبذا لو تصفحنا المراجع الكتابية والنصوص الأصلية واللغات الأم لنصوص مُترجمة أو منقولة بصيغ لغوية مختلفة لنتحصّل على معلومات حقيقية ونتعرّف على أصل الحكاية باحثين عن مصداق لكل ما نقرأ .

ويظل السؤال الأساس للمقال قائمًا ؛ من أي مصدر أخذ القرآن مادة اتهامه لليهود " وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ " ؟؟ !! .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي