مَن يستحق فعلاً صفة المسلم ؟

أحمد إدريس
2020 / 10 / 3

لا أعتبر نفسي في هذا المقام مُخوَّلاً بتقديم الوَصف الوافي لِمن يستحق إسم المسلم، و لذا أُفضِّل الإستئناسَ بأصواتٍ يُعتدُّ بها على العموم في الأوساط المُسمَّاة إسلامية :


« لقد طرأ على المسلمين كثير من الدَّخن ذهب بجمال دينهم و طمس معالم الإنسانية فيهم، فنريد أن نُصفِّي أذهاننا من الغَبَش و نطرُد القسوة من قلوبنا، لِنَعلم، وَفق تعاليم ديننا الأصيلة، أنَّ لليد الممدودة قوة كبرى، و رُبَّ ابتسامةٍ أقوى من السلاح، و أن ما يجمع البشر أكثرُ مِمَّا يُفرِّقهم لأن الذي يحاسبهم على عقائدهم - صحيحة أو فاسدة - هو الله تعالى يوم القيامة (…). مرَّت علينا دهور مِلؤُها المِحن و العداوات و المؤامرات فاصطبغنا بصِبغة الحقد و عمَّمنا الحكم على الآخرين جميعاً، و هذا تجاوُز لِحَد العدل، فيما بيننا نحن المؤمنين أليس العفو مُقدَّماً على الثأر ؟ و حتى مع غيرنا لا يجوز شرعاً و لا عقلاً أن يكون العَداء هو الأصل، فكم في الآخرين من طيِّبِين و مُنصِفين و أصحابِ قلوب رحيمة و عطاء مِن أجل الانسانية، يبحثون و يخترعون و يصنعون و يَنشُدون العدل و السِّلم و يُدافعون عن المظلومين و يَمُدُّون أيديهم لِكُلِّ مهموم، وسِعَت قلوبُهم الناسَ كُلَّهم من أصحاب الدِّيانات المختلفة و الثقافات المُتنوِّعة و الأجناس المُتفرِّقة، و كان ينبغي أن نكون نحن المسلمين السَّباقين إلى هذه المكارم لأن التديُّن الأصيل الصحيح لا يكتمل إلاَّ بإندماج الرَّبانية في الإنسانية و العكس، فنطرب لسعادة الآخرين و نتقاسم فرحتَهم، لأن آصِرة الإنسانية مُعتبرة كآصرة العقيدة، ننقُد و نقبل النقد و لا نتحصَّن في بروجنا و لا نتقَوْقع في حصوننا الفكرية و الشعورية لأن الدنيا لا تُبالي بالمُنعزلين و المُنسحِبين، و الأوْلى من كل هذا أن نَعُدَّ الآخر أخاً قبل كل شيء - ما عدا الظالم المعتدي و المستبد المتجبِّر - يُمكِن التعايُش معه رغم أشكالِ الإختلاف و صُوَرِه، فقَبُوله بيننا علامة القوة و الثقة بالنفس (…). مَن اعتنق هذه الحقائق و تشبَّع بِمَعناها خَلَصَ إلى أنه يُمكِن صناعة السِّلم، الذي ليس حكراً على السياسيين أو العسكريين بل مهمة كل واحد مِنا، يجب أن نضع لَبِناتِه و نتفانى في لمساته في كل يوم نستقبله و في كل حركة نقوم بها، أما الذين يؤمنون بالحرب فقط و يُقدِّسون العداوة و يطوفون حول أنفُسِهم فلن يصنعوا لنا سِوى مزيد من المآسي و الشقاء. » (الشيخ عبد العزيز كحيل، "إنسانية المسلم" - مقال على الإنترنت -، 2017)

« إن المسلم الكامل عضو نافع في أمته، لا يصدر عنه إلاَّ الخير، و لا يُتوقَّع منه إلاَّ الفضل و البِر، فهو في حركته و هدأته شعاع مِن نور الحق، و مَدَد مِن رَوافد البركة و اليُمن. يسعى في هذه الحياة و قلبُه مُفعم بالمحبة، و لِسانه رَطْب بالوُد و المُسالمة، و يدُه مبسوطة بالنعمة يُفيئها على مَن يلقاه، و يقدِّمُها - مِن غير تكلُّفٍ - إلى سِواه. تلك هي طبيعة الإسلام و رسالة المسلم في هذه الحياة. (…) هو خير كلُّه، يتألَّق في جبينه الشرف، و تُلتمس في سيرته المُروءة، و يُقبِل عليه مَن يعرفونه و مَن يُنكرونه، و هم واثقون مِن نُبل خصاله، و كرم خِلاله. إن شر الناس عند الله مَن لا يُرجى خيره، و لا يُؤمَن شرُّه. و المؤمن لن يكون كذلك أبداً، فصِلتُه بالله تجعله مرجُوَّ الخير، مأمون الشر، و رسالته في الحياة لا تجعله عضواً أشلَّ، و لا عضواً فاسداً، بل عضواً يُحقِّق الصالح العام، و يُرتقَب في ظِلِّه الأمان. » (الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله و غفر أخطاءه -، "جدِّد حياتك"، 1962)

« المسلم هو الذي يُقدِّس الحق، و يعيش له و يموت في سبييله. فالحق في اعتتقاد المسلم إسم من أسماء الله، و وَصْف من أوصاف كتابه، و نَعْت من نُعُوت رسوله، و قيمة عُليا من قِيَم دينه. و المسلم، بإعتباره فرداً، مُطالَب بأن يعرف الحق و يُؤمِن به و يدعو إليه و يصبر على ما يلقاه في سبيله. و المسلمون، بإعتبارهم أمة، مُطالَبون أنْ يُقيموا الحق في الأرض و يتواصوا به و يهدوا إليه. غير أن المسلمين ـ وا أسفاه ـ غافلون عن الحق الذي شرَّفهم الله به و حمَّلهم أمانة تبليغه و نُصرته، و نشر نوره في العالَمين. فكيف يهدي الناس إلى الحق مَن عمِيَ عنه أو تعامى، و مَن نسيه أو تناساه ؟ (…) و هنا حقيقة لا بد أن نذكرها، و هي أن الحق لا ينتصر وحده، و لكن سُنَّة الله أن ينصر الحق، إذا كان له رجال يؤمنون به و يدعون إليه، و يتجرَّدون له و يعيشون من أجله، و يموتون في سبيله. (…) إنَّ صيحة الحق لا تذهب سُدىً. إنها تترك أثرها في ضمير الوجود، و إنْ لم تسمع لها دَوِياً، و لم تلمس لها أثراً مباشراً. و هي إن تذهب اليوم مع الريح، فغداً تذهب بالأوتاد، و هي إن ضاعت عند الناس، فلن تضيعً أبداً عند الله. (…) و هَبْ أن الناس كلهم قد انطمست بصائرهم، و خُتم على سمعهم و أبصارهم، و غشِيَ الباطل قلوبهم، فلم يعودوا يستجيبون لصيحة الحق و لا لدعوة الخير، فلا يَفُتَّن ذلك في عَضُدك، و لا يُقعدنَّك عن واجبك. فإنما عليك البلاغ و على الله الحساب، عليك الدعوة و على الله الهداية، عليك أن تبذر الحب، و أن ترجو الثمار من الرب. » (الشيخ يوسف القرضاوي - هداه الله و سدَّد رأيه -، "الناس و الحق"، 1987)


كم هو مُؤسِف و مؤلم يا إمام، أنك أمضيت سنوات عمرك الأخيرة مُنهمِكاً بشراسة مُذهِلة في الذَّوْدِ و الدِّفاع عن الباطل و نشر بذور الفتنة و الكراهية و الأحقاد، بدل الإخاء و المحبَّة و الوئام ! أيا شيخنا لَوْ كُنتَ فِعلاً عاشقاً و خادماً مُخلِصاً للحق، راجياً مبتغياً بكل أعمالك فقط وجه الله و نائياً بنفسك عن المآرب الدنيوية، لاسْتَجبتَ على الفَوْر و بِلا تأخُّرٍ لِهذا النِّداء الأخوي :

https://www.youtube.com/watch?v=x9ZjlQLljmo
(كلام نفيس للشيخ البوطي رحمه الله)


للأسف بدل أن تستمع و تستجيب للنصيحة، قتلتَ الإنسان الذي أسدى لك هذه النصيحة. نعم قتلتَ هذا الرجل بواسطة فتوى مجرمة أوحى بها إليك هواك أو هوى أميرك المُفدَّى الذي كان عليك أن تَزْجُرَه قائلاً بل صارخاً : "أتأمُرون الناس بِالْبِرِّ و تنْسَوْن أنفُسَكم ؟!". أحد مُوَاطِني إمارتك الديمقراطية زُجَّ به في السِّجن لسنين عِدَّة لأنَّه نَظَم أبْيَاتاً مِن الشِّعر، أعْرَبَ فيها عن رغبتِه بِأنْ تصِلَ نسائمُ و بركات "الربيع العربي" إلى حَيْث يُقيم ثَوْرَجِي فذ لا نظير له هو فضيلتك، و لَكِنَّ لِسانَك الفصيح الطَّلق القوي المُسَلَّط على دُوَلٍ بِعَيْنِها ما استطاع التنديد بِهذا الفِعل. لقد خرَّبَتْ بل أماتت ضميرَك أهواءُ السِّياسة - و أموالُ السَّاسة خاصَّة أمراء الذَّهب الأسود. و عندما يموت ضمير الإنسان، لم يَبق أي معنى لِما يُسمَّى دين ! لا إيمان لِمَن لا ضمير له، لا إسلام لِمَن فقد إنسانيته… فهنيئاً لك تتويجَ مِشوارك الطويل كشيخ إرهاب و بائع أوهام، و كَوْنَك صِرْت من أكبر المقاوِلين في العالَم لمشروع الدجال !

« لو جاز لِكُل إنسانٍ أنْ يقتل كُلَّ مَن يُخالِفه في رأيِه و مذهبِه لأقْفَرَت البِلادُ مِن ساكِنيها. » (مصطفى المنفلوطي)

تعلَّمنا جميعاً و نَحْنُ صغار أنَّ من غشَّنا فليس مِنَّا و أنت غَشَشْتَ و خدعتَ و دمَّرتَ هذه الأمة. مِن المُفترَض أنَّ "الرَّائدَ لا يَكْذِب أَهْلَهُ" كما أخبرنا النبي : كيف يكون رائداً لهذه الأمة، إذَنْ، مَن ثبت لنا كذِبُه على الأمة ؟ إنه الواقع الموضوعي و الحقيقة المُرَّة التي لا يُنكِرها إلاَّ طائفة مِن الصُّم العُمْي، و أعني زُمرة المشركين الذين اتَّخذوك و هم لا يشعرون رباً معبوداً مِن دون الله. يا فقيه الزمان بإمكانك و في استطاعتك إيقاف، أو على الأقل الإسهام بِقدرٍ غير هَيِّن في التخفيف منه، إيقاف النزيف الحالي و اللامُنقطع للدم العربي : ماذا تنتظر لتقوم بِوَاجبك نحو الأمة و كُلِّ العالَم ؟ عُذرُك الوحيد هو أن تكون قد رُفِع عنك القلم منذ أمدٍ بعيد ! أو أن تكون مُغيَّباً كُلِّيةً و بالكامل عن الحقيقة، أي مقطوع الصلة تماماً بما يجري في الواقع. بفعل فاعل أي أُناس بلا ضمير يُحاصرونك و لا يُفارقونك بِحَالٍ من الأحوال…

« إن معلِّم الدين الذي يأمر بالخير و يخالفه، و الذي يكذِّب فعلُه قولَه، و الذي يدعو إلى الآخرة و همُّه الدنيا، هذا المعلم شر مركَّب. » (علي الطنطاوي، "مع الناس"، 1960)

« إن أكبر إساءة للدين، تتأتَّى من التلاعُب به سياسياً و مصلحياً، و تَوظيف نصوصه لتبرير سفك الدم و المُمارسات الهمجية. » (عبد الله الطوالبة‎، "معالم في طريق النهوض"، 2019)


مُذهِل تماماً بل مفزع، الزمن الذي نحن فيه، هو أغربُ مِن الخيال ! زمن إختلطت فيه الأمور و غَمُضت و ارتبكت، زمن تعقَّدت فيه الأمور و باتت متشابكة للغاية. زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، زمن يُصدَّقُ فيه الكاذب و يُكذَّبُ فيه الصادق التقي، زمن انقلبت فيه كل الموازين : الحق أصبح باطلاً و الباطل أصبح حقاً. الصدق غدا رذيلةً و الكذب غدا فضيلةً. و لِذا ليس عندي بالمُستغرَب أن يكون تتويجُ كل ذلك هو هذا المُنجَز الشيطاني بإمتياز : الدين تم ذبحه من الوريد إلى الوريد على يد شيخ دين، على يد علاَّمة يُلَقَّب من طرف البعض بعلاَّمة العصر !

في حقيقة الأمر مشكلتي مع شيوخ أقحموا نفوسَهم، بلا رَوِيَّة و مِن غير تَحَرٍّ جاد للصواب، في أمور سياسية خطيرة تتلخَّص في تساؤلٍ بسيط : كيف يجتمع إيمان صادق بوجود الله و النفور مِن الحق في قلب إنسان ؟ مَن مِنا إذاً لم يُصادِف في حياته مِراراً و تَكراراً أناساً يزعُمون الإيمان بالله، الذي ما رأوه قَطُّ، و في الوقت ذاته تجدهم لا يَتوَرَّعون عن إنكار حقائق ملموسة لا تقبل الشك ؟ أكيد أن عوامل نفسية تكمن وراء إنكار الحقائق الواضحة. ذلك لأنني أتعجَّبُ و أستغرب بشِدَّة و أتساءل كيف يجْتَرِئ إنسان يجحد حقائق مرئِيَّة، على أن يعتبر كافراً مستحِقاً لعذاب أبدي لامتناه مَن عجز عن التصديق بأشياء غيبِيَّة. ما الأشنع و الأفظع عند الله، يا مَن تزعُمون الإيمان بالله : إنكار مرئيَّات أم إنكار غيبيَّات ؟ أضف إلى ذلك كله تصرفات بعض "المؤمنين" الذين هم أخلاقياً دون مستوى كثير من "الكفار"…



« إذا لم تَكُن، أيها المسلم، في قلبك و فكرك و عملك، رحمة للعالَمين، فأنت على طريق غير طريق رسولك محمد - صلَّى الله عليه و سلَّم -، فقد قال له ربه الذي أرسله : "و ما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالَمين". » (عصام العطار)

« إن انتشار الكفر في العالَم يحمل نصف أوزاره مُتديِّنون بغَّضوا الله إلى خلقه بِسوء صنيعهم و سوء كلامهم. » (الشيخ محمد الغزالي)

« ليست الحياة بِسُطوحِها بل بخفاياها، و لا المرئِيات بقُشورها بل بلُبَابها، و لا الناس بِوُجُوهِهم بل بقُلوبهم ؛ و لا الدين بما تُظهِره المعابد و تُبيِّنه الطُّقوس و التقاليد، بل بما يَخْتبِئُ في النفوس و يتَجَوْهَرُ بالنِّيات. » (جبران خليل جبران، "البدائع و الطرائف"، 1923)