الفيضان..ف5

عبد الغني سهاد
2020 / 10 / 3

الفيضان….الفصل 5
و اباه....داه ...الواد..!
لن تكون هذه المحاضر سوى افتراضية وتخيلية..مبنية عل عدد من القراءات الخاصة والروايات الشفوية الصادقة للساكنة التي عاشت لحظات الكارثة..مع اضافة الذكريات والخيال الشعبي والمخيال الشخصي ..لانه من المؤكد ان السلطة وادارتها المحلية تحتفظ بسرية المعلومات في اوراقها الرسمية والاكيد انها معلومات جد مختصرة ومبتسرة كما لو ان هذه الادارة غير معنية بمآسي العاملين فيها سوى بمنح شهادة العمل والوفاة لا اقل ولا اكثر...محاضرها وتقاريرها تحررها اقلام عابثة تعتبر الفاجعة مجرد كارثة من الكوارث الطبيعية..وركنتها في هذه الخانة السهلة..وتنكرت لاي صلة لها بحوادث الشغل..كانها تصرح دون حياء لارامل الشهداء وابنائهم..في وجوههم..جميعا..هكذا فاض (الواد..وجرف معاه ..الناس ومنهم فريق العمل وما عندنا ما نديروا ليكم ...سيروا..شربو الوحل ..وكولو الحجر..!)..
احسست كاني حينها بدأت استوعب هروب السلطة من مسؤولياتها القانونية والاخلاقية..وظلم الادارة..وجبن الحكام..في تعاملها مع ارامل الشهداء..وابنائهم..مع من كان الشهداء يعملون هل مع الشيطان..من كان يدفع لهم رواتبهم الشهرية هل هو الوحش..او هما معا..كنت ذلك الطفل في سن 9 سنوات..بدا لتوه يتذوق خبث مقالب الادارة وعفن السلطة..وتعاملها الماكر مع الرعية..طفل دهسته الاحداث..وفاجعه اثر الفيض الطبيعي احيطت به الاسئلة الصعبة ...؟وكان لا بد له من التفكير والتامل فيها والحصول على اجوبة لها..رماه الفيض الطبيعي الى اهتزازات اجتماعية مثله في ذلك مثل باقي ابناء الشهداء..الذين ادارت الادارة وجهها عنهم..وتركتهم للحرمان والمعاناة..ففي حجرة الدرس في بداية ذلك الموسم..لم تتوفر لي البدلة الجديدة للدخول المدرسي كما هي العادة ولا الادوات المدرسية الغالية الثمن ..كان الاقران قد وجدوا الفرصة والوسيلة الجبانة للسخرية منه وكانوا فيما بينهم يتهانسون ..(شفتي هذاك...باه ..داه...الواد..مسكين الله يرحمو..…!)...
والمعلم بدوره لم يباذر ويسالني عن حالي ويعزيني في المرحوم (بو)..الذي اهداه مرة تلك اللوحة السوداء واوصاه بي..كان ينظر في وجهي متاملا..وشاردا وغير بعيد عن حجرة الدرس يتداول مع زملائه اخبار ضحايا الفيضان في ذلك الصيف الاسود..وكنت واحد منهم..
وفي حصته الاولى حضر ومعه ثلة من الزملاء المعلمين..اصطفوا امام السبورة فوق رؤوسهم اللوحة السوداء لسلاطين العلويين..واشار علي بالوقوف ..وقفت وقال لهم ..(هو..هو..هذا اللي باه...داه الواد)..و حدث زملاؤه عن (بو)..وطيبته..ومن ثم تشجع الاقران..وصاحوا..في باصواتهم..العالية.(.باك...داه الواد...باك..داك الواد)...
عندئد ومع نفسه اتخدت قرارا نفذه في كل اطوار تعليمه...ان يجلس في المقاعد الخلفية..على الدوام..حتى لا يتموضع في مركز اهتمام الاقران التافهين والفضوليين..وفي نفس الوقت يتمكن من الحصول على رؤية شاملة بانورانا لما يحدث في حجرات الدرس…!
في ذلك العام الدراسي المشؤوم رافقتني لوحة بو السوداء..وكنت لا اكف عن التمعن فيها..كما يحدق في ذلك السلطان الماكر الحامل لسيفه المقوس بيمينه وبنظراته الخبيثة التي لا توحي لا بالرحمة ولا الشفقة..نظراته النزقة والخبيثة..كنت احدق فيه .. لم يعد له اي ثاتير علي كنت افكر واعيد التفكير في نظراته.ويعب اذناي ضجيج حوار ارامل الشهاداء وهن يحاججن ادعاء ادارة المصلحة كون ما وقع هو كارثة طبيعية ولايعد باي حال من الاحوال...حادثة شغل..!
واغلقت الادارة الملف..ملف شهداء العمل..!
لثلاث سنوات..متتالية..دون اذني اهتمام باسر الضحايا..والوضعية المادية والاجتماعية الايتام…!
كنت اداوم التفكر في اخر كلمة رددها بو وهو يلفظ انفاسه الاخيرة….(اولادي...اولادي….اولادي…)..
ويحيرني السؤال..هل تحرر من وهم صدقه في الادارة..؟..هل فهم حينها..ان لا احد سيلتفت الى اولاده..؟
هل تحسس حينها ان العناء والاهمال والحرمان ..والفاقة وحتى الجوع...سيصيب الاولاد..بعد اختفائه في الوحل..؟
استغرق الموسم كله في مواجهة اللوحة السوداء..لرموز الدولة..الكبري..في مقدمة حجرة الدرس…!
وخلال ثلاث سنوات ارامل الشهداء..كن في ذهاب واياب الى ومن مكاتب مصلحة البريد..يطالبن بالمعاش..والدية..معا….ولا احد يسمع لهن..؟
_ما كاينش المعاش..؟
_ وعلاش..
_ خصكوم تديروا محامي على القضية..
_ كيفاش محامي ..ياك الشهداء كانو خدامين مع الدولة؟
_ نعم...ولكن القضية هي كارثة طبيعية..؟
_ لا...لا...هي حادثة شغل..بالنسبة للعمال والموظفين..و كارثة طبيعية بالنسبة للسكان..؟
_غادي يعطيوكم فقط الدية..؟
_ لا...عندنا الحق في المعاش حتى هو…!
_ ايوا سيرو...كلفو محامي على القضية..
_ لاغادي نمشيو للرباط..!
_سيروا...حتى لهيئة الامم المتحدة..؟
///اه...ليتني انضم الى تلك الجوقة من الشهداء..
الاموات الخالدين الذين يحيون ومن جديد..
في عقول صارت افضل
بوجودهم.//….

شتنبر 2020

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير