كلمات من دفتر الأحوال... (21)

كاظم الموسوي
2020 / 10 / 2

زيارة لندن للبحث والدراسة وتجميع مصادر مطبوعة أو نسخ منها أمر بات مهما جداً، ولا بُدَّ من الإعداد والتحضير، سباقاً مع الزمن وظروفه، حيث يتطلب الموضوع، وتقتضي الحاجة. وفرت لي ادارة الأكاديمية تذكرة السفر ذهاباً وإياباً. واتّصلت بالصديق الرفيق الدكتور ماجد الياسري، المقيم والعامل في مستشفيات لندن، وحدثته عن مشروعي، فرحّب وأخبرني أنَّ السكن متوفر، لا انشغل به، وبانتظار إبلاغه الموعد فقط، وتم فعلا.
وصلت لندن، واستقبلني الرفيق العزيز... أوّل مرة، أدخل فيها بلداً رأسمالياً، وأين؟ عاصمة المملكة المتحدة التي احتلت بلدنا، واستعمرته ونهبت خيراته وزرعت قواعدها فيه، العسكرية والسياسية والاجتماعية أيضاً. كانت الخاتون، مس غروتود بيل، المرأة الحديدية التي تحكمت في عقول الرجال في بغداد، واشتهرت ليس كسكرتيرة للمندوب السامي البريطاني، بل صانعة الملوك، وحفلت رسائلها الرئيسيّة إلى اهلها بالكثير من المعلومات والمعطيات عنها والاحتلال والإدارة المتنفذة. لها قصص كثيرة كما لبلادها التي كانت في فترتها تسمى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. وهذه الخطوة الأولى، وبعدها أتت الخطوات بالتسلسل.
كنت قد قرأت أنَّ اللجنة المركزية للحزب البلشفي الروسي أرسلت رسالة انتقادية حادة للينين المقيم في لندن، حينها، لأنه يضيّع كثيراً من وقته في قضاياه الشخصية، ورد عليها برسالة كتب فيها أن كلّ الرفاق الذي أوفدتموهم لي أخذتهم من أوّل يوم إلى المتحف البريطاني لأريهم كيف نهب المستعمرون ثروات الشعوب التاريخية وكنوزها الحضارية، أولى خطط الاستعمار ومنها يمكن معرفة النتائج الاستعمارية ومنهج الدول التي مارست هذا الدور، وهذه مهمة نضالية وليست تضيع وقت... وظلت هذه الفكرة مخزونة في ذاكرتي حتّى حققتها بزيارة المتحف وشاهدت بعيوني ما قال عنه لينين، عن النهب الاستعماري. وأضاف في جوابه أنهم يزورون قبر كارل ماركس في حديقة هاي غيت. شمال لندن، وكان يعيش ويكتب ويناضل في المنطقة تلك من لندن. وذهبت وحدي مستهديا بالخرائط التي توزع مجانا في محطات المترو. ومن الطرائف في هذا الشأن، حين انتقلت إلى لندن في أواخر التسعينيّات، بعد سنوات من تلك الزيارة، كنت أقوم مع كلّ ضيف يزورني بإعادة تنفيذ البرنامج نفسه، زيارة المتحف البريطاني، وقبر ماركس، ومتحف مدام تسو (متحف الشمع) والحدائق العامة. وكان ضيفنا هذه المرة زميل صحفي من السويد، نائب رئيس اتّحاد الصحفيين، ونقيب الصحفيين الأحرار، المستقلين، آرنه كونيش، واقترحت عليه الفكرة وذهبنا مسرعين، وهناك حدثت المفاجأة لنا. شاب في العشرينيّات من عمره محتضن تمثال ماركس، ويبكي بحرقة، ويدور حول الرأس المنتصب على قاعدة فوق القبر، وينحب بصوت عال ويبدو متألما لعدم قدرته الحديث مع صاحب القبر، أو كأنه كذلك، وبالتأكيد قرأ عنه وكتاباته وأعجب بها حدّ التأثر العاطفي الصارخ والواضح عليه... وتذكرت أنا زياراتنا لقبور الأولياء ومراقد الأئمة عندنا، وكيف يأخذنا أهلنا في الزيارة وشراء العلق، القماشة الخضراء التي نلفها على أيديّنا، أو رؤوسنا، وقراءة الأدعية، ودخول الزيارات. وشرحتها للصديق السويدي، والتقطنا صورا وتحرّكنا في دهشة وضحك مكتوم.
في ورشة البحث في مكتبة المتحف البريطاني، والمكتبة البريطانية، ومكتبة وأرشيف وزارة الخارجية البريطانية، والمكتبات العربية والشخصية، كنت اقضي جلّ النهار بحثاً وتسجيلا وتصويراً، حصلت منه على قسم غير قليل من المراجع والمصادر والوثائق، وطلب مني الرفيق الياسري، ابو آلان، أن أصوّر نسخة منها لمكتبة المنظمة والأرشيف، وكانت الأماسي جولات مفتوحة في مناطق متعددة من أحياء لندن وحدائقها وساحاتها وشوارعها ومقاهيها ومطاعمها الكثيرة والتاريخية والممتعة. تعلمت من الرفيق العزيز الياسري وباقي رفاقه الذين احتفوا بي أشياء كثيرة عن الوفاء للصداقة، والاعتزاز بتلك الأيام التي جمعتنا، حينها في دروب بغداد وانتقالها إلى لندن ومناخاتها. لم تكن سفرة دراسية وحسب، واطّلاعا أكاديميا وحسب وإنَّما جمعت كلّ الأمثال والتعبير عن تلك الأيام وما كانت تحمله أو تقوله عن السفر والصداقة.

من طرائف زيارة مكتبة وزارة الخارجية التي كان العمل فيها، يتلخص بالبحث في إدراج تحوي بطاقات الفهرس لمحتويات المكتبة، وتقديم طلب بالمواد وباسم الطالب إلى الاستعلامات، وبعد فترة ينادون بالاسم لاستلام المطلوب، ومرة سمعت اسم محمّد الموسوي، ففرحت أن اخا آخر يدرس أو يبحث هنا، فتابعته وذهبت إليه وسلمت عليه بالعربية، ردّ السلام بمحبة وقال لي أنه لا يعرف العربية، فسألته: أين ولدت ولماذا؟ ضحك وقال لي بالإنجليزية أنه من الهند، وضحكت معه حتّى في الهند لنا فرع وأغصان موسوية، وصرنا نلتقي في الأيام التالية تجمعنا الابتسامات أوّلا ثمّ نشرب الشاي أو القهوة في الكافتيريا ونمزح على امتداداتنا الجغرافية.
تضمّ مكتبة المتحف البريطاني، قسم الصحف والمجلات، أعدادا ليست قليلة من مطبوعاتنا العراقية منذ أوّل صدورها وإلى سنوات متأخرة، ولكن ليست جميعها أو كلها، وقد استفدت منها كثيرا، لأهميتها التاريخية أوّلا وكمصدر أصلي ثانيا الذي سأنقل منه مباشرة وليس من أو عن آخرين. وكانت الحوارات واللقاءات الصحفية مع المسؤولين العراقيين وأجوبتهم تنم عنهم وعن خدمتهم لمن عينهم ومن ربطوا مصيرهم به، في أغلب الأحيان. خصوصاً في الفترة التي أدرسها.
في مكتبة وزارة الخارجية بحثت عن ملف الرفيق فهد، (الأمين العام ومؤسس الحزب الشيوعي الذي أعدم شنقا عام 1949) وأخبروني بأنَّه مغلق ولا يستطيعون مساعدتي حوله، رغم أنَّ المدّة القانونية قد جاوزته، وفتحت الملفات التي كانت في عمره. لكن فضائحهم في رسائل سفارتهم إلى الوزارة تكشف ما كانوا يعملون أو يخططون.
بادرت إلى زيارة الريف البريطاني، في العطل الأسبوعية مرتين، أعطاني الصديق ابو آلان، الاسم والخارطة ومحطة الانطلاق وأذهب سائحا متجولا، مغيّرا أجواء المدينة ومستنشقا هواء الطبيعة الغناء. أراضي بريطانيا خضراء كلها من الصعب ان ترى أرضا جرداء فيها. حتّى التي خارج الحقول والمزارع والبساتين المملوكة. وتستقبل المرء في القرى باراتها الصغيرة والأنيقة والمبنية بطرق وأساليب قديمة ومن خشب قديم صلد وزاه بألوانه، ورواده ينتظرون الزوار بشوق وانفتاح كأنّهم معرفة سابقة، أو من أبناء "العشيرة" نفسها. هذا ما حصل معي في المرتين التي تمتعت بهما فعلا، واغتنيت معرفة بالأجواء والناس والطبيعة الغناء. حياة الفلاحين والمزارعين وأصحاب المراعي أو معامل الدواجن والأسمدة ومربي الحيوانات... لماذا كلّ الأراضي خضراء والمراعي فيحاء؟.
ساحات لندن تاريخية أيضاً، لكلّ ساحة قصة وتاريخ، ساحة الطرف الاغر، ساحة البيكاديلي، ساحة أكسفورد، ساحة ماربل آرش، ساحة الدوق... أو ساحة الملكة أو ساحة البرلمان وغيرها. وتزدان أغلبها بالتماثيل لشخصيات بريطانية تاريخية، والزهور والنافورات وإعلانات الأضواء البراقة. كما هي حال الحدائق الكبيرة فيها، مثل الهايد بارك، كافن غاردن، هولاند بارك، الريجنت بارك، لويشهام، غرينتش، دليتش، وغيرها الكثير. مساحات مرتبة ومنظمة وتجذب الإنسان إليها برغبته أو بدونها، وتملا العين بهجة وسرورا بها، وتشدّ زوارها شدا إليها، فلا تراها فارغة يوما من الأيام أو في أي طقس من أشهر السنة.
بعد أنْ حكيت لصاحبي ما رأيت وجدته مردداً ما قاله أبو الطيب في وصف شعب يوان:
مغاني الشعب طيباً في المغاني ** بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها ** غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها ** سليمان لسار بترجمان
طبت فرساننا والخيل حتّى ** خشيت وإن كرمن من الحران
غدونا تنفض الأغصان فيها ** على أعرافها مثل الجمان
فسرت وقد حجبن الشمس عني ** وجئن من الضياء بما كفاني