نحو المطالبة الشعبية ب-الدولة العلمية-

رابح لونيسي
2020 / 10 / 1

تعددت الشعارات المرفوعة حول الدولة، فنجد من يطالب ب"دولة مدنية" وآخر"دولة دينية"، وهناك من يرفع شعار "دولة ديمقراطية" أو "دولة إشتراكية" أو "دولة ليبيرالية" وغيرها من الشعارات التي تحمل دلالات حول مضمون وطبيعة الدولة والطبقة السائدة فيها، لكن لم نسمع أي أحد رفع شعار "من أجل إقامة الدولة العلمية"، والتي تعني تحكم العلم بمفهومه الصحيح والعالمي في كل قراراتها وسياساتها، كما سيكون هو السلطة العليا في الدولة ومرجعيتها الوحيدة لا غير، فالدولة العلمية هي دولة ضد الأيديولوجيات التي هي مجرد أوهام تنتجها الطبقات الحاكمة والإستغلالية التي تستخدم مختلف الأدوات الأيديولوجية كالمدرسة والمعابد والإعلام وغيرها لتبرير تسلطها وإستغلالها بأسلوب ناعم تجعل الطبقات المحكومة راضية بوضعها المزري، فكما أن في كل دولة تتحكم فيها شريحة أو طبقة محددة، فالدولة الدينية يتحكم فيها رجال الدين والدولة الإشتراكية تكون السلطة لطبقة الكادحين والبروليتياريا وفي الدولة الرأسمالية أو اللبيرالية يكون الحكم للطبقة البرجوازية، ففي الدولة العلمية تكون طبقة العلماء هي الطبقة السائدة في الدولة.
نعتقد انه قد حان الوقت لإيجاد حل جذري لتخلف منطقتنا، والذي يعود أصلا إلى التخلف العلمي الذي سيكون حله الجذري هو الطريق للتقدم والرخاء والرفاهية لشعوبها، كما يجب أن نعي أنه ما لم نقم هذه الدولة العلمية التي يسودها العلماء، سنبقى متخلفين لأن للطبقات الحاكمة علاقة وطيدة بتطور العلم أو تخلفه.
فكلنا مدركون أن منطقتنا المغاربية تعيش تخلفا علميا كبيرا جدا، شأنها في ذلك شأن الفضاء الحضاري الإسلامي، وهو ما جعل الكثير يربطون ذلك بتخلف هذا الفضاء بعد دخول الحضارة الإسلامية مرحلة الإنحطاط حسب دورة الحضارة لمالك بن نبي، لكن السؤال المطروح هل هذا التخلف هي حتمية يصعب التخلص منه؟، فهل هو مرتبط بضرورة إعادة دورة الحضارة من جديد؟، نحن لا ننفي هذا العامل الذي يحتاج إلى دراسة مستفيضة، لكن نعتقد أنه يمكن ذلك لو فهم المسلمون، وأستوعبوا الأمر القرآني الأول "أقرأ" الذي هو دعوة إلى قراءة ودراسة الكون والطبيعة والإنسان والمجتمعات بشكل عميق-أي دعوة إلى طلب العلم-، وهو ما يعني في الأخير تحول المسلم إلى عالم في الكون والطبيعة الذي هو الشرط الأساسي، ليكون مسلما فعلا، فلا نعلم لما أهمل المسلمون هذا الأمر القرآني الذي جاء قبل كل الفروض الدينية الأخرى، وكأنه يقول لهم لا يمكن لكم أن تكونوا مسلمين لو لم تنفذوا هذا الأمر الذي هو شرط أساسي للقيام بمهمة خلافة الله في الأرض، أي تعمير الأرض وتطويرها، كما لا نفهم كيف لم ينتبه المسلمون، ولم يهتموا بعدم المساواة في القرآن الكريم بين العالم وغير العالم، فكيف لم ينتبهوا أن عدم المساواة تعود في الأصل أن العالم نفذ الأمر القرآني الأساسي الأول وهو "أقرأ" وغير العالم لم ينفذه، وهو من المفروض أن ينتج عن تنفيذ هذا الأمر من عدم تنفيذه مجتمع طبقي مبني على العلم بمفهومه الصحيح والعالمي، ولايقصد به معرفة الدين كما روج، ويروج له اليوم.
لا يمكن لنا تجاهل عامل أساسي يتمثل في مدى إرتباط البحث العلمي بشكل كبير بالنخب السائدة في دولنا، والتي تسعى لخدمة مصالحها، وهذا ليس خاص بدولنا فقط، بل هي ظاهرة عالمية، وتظهر بجلاء من تتبع تطور البحث العلمي تاريخيا سواء في فضائنا الحضاري الإسلامي او في الفضاء الأوروبي، فقد بين ميشال فوكو من خلال نظريته حول مراحل تطور العلوم والقطائع التي وقعت في أوروبا بشكل واضح وبالتفاصيل وبالأدلة نظرية إرتباط تطور العلوم بالسلطة، ويمكن لنا أن نجد نفس الأمر في بحوث المغربي محمد عابد الجابري الذي أستلهم من فوكو نفس المنهج، لكنه تتبع تشكل وتطور الخطاب العربي أو ما يسميه ب"العقل العربي" في المراحل الأولى للحضارة الإسلامية، فبناء على ذلك كله لايمكننا إهمال هذه العلاقة أيضا في منطقتنا المغاربية بين العلم والنخب الحاكمة، فهذه النخب الحاكمة هي التي تتحكم وتؤثر فيه، فهي التي تعرقله لدرجة انها وراء هجرة لأدمغة إلى الغرب، كما تحدد هي أيضا مختلف الإهتمامات والقضايا والمشاكل التي يجب أن يركز عليها البحث العلمي.
فقد أثبت التاريخ أن العلوم مرتبط بالطبقات الحاكمة، ولاتخلو الدول المغاربية من ذلك، ولهذا نجد سيطرة الكهنة والسحرة في العصور القديمة بصفتهم هم العلماء، وكلما تطورت البشرية سادتها العقلانية شيئا فشيئا، ففي الفترات الدينية كان للفقهاء والأحبار والرهبان سيطرة على المجالات العلمية بحكم تحالفهم مع الطبقات الحاكمة الإقطاعية، وبمجرد أن صعد نفوذ الطبقة البرجوازية في أوروبا ومدى حاجتها للعلوم والتكنولوجيا لتطوير آلات الإنتاج حتى شجعوا العلم والتكنولوجيا أكثر، وأعطوا له فرصة للظهور، فهذا ما لايجب علينا أيضا إهماله إن أردنا تطور العلوم والتكنولوجيا، لكن للأسف الطبقات المسيطرة عندنا هم الكمبرادور المرتبطين بالمراكز الرأسمالية، فهم يقومون بعملية إستيراد-إستيراد فقط، ولهذا فلا يهمهم أي تقدم علمي وتكنولوجي، وكي يهتموا به علينا بفك الإرتباط بالرأسمالية العالمية ودفع هؤلاء بواسطة آليات قانونية وتنظيمية للإستثمار في القطاعات المنتجة، فيصبحون بحاجة إلى تطوير العلوم والتكنولوجيا، لكن هذا لايكفي في ظل الأنظمة والطبقات السائدة المرتبطة بهذه الراسمالية العالمية، فلهذا فنحن بحاجة اليوم إلى ثورة تؤدي إلى تولي العلماء والباحثين السلطة بالتحالف مع الطبقات الكادحة لأن حتى هي مصيرها مرتبط بهذا التقدم العلمي على عكس الكمبرادور(إستيراد-إستيراد) المرتبطة مصالحها بقوى أجنبية، وتعمل على دفع الأدمغة إلى الهجرة لخدمة الإقتصاد والرأسمالية الغربية.
نعتقد أن الحل الجذري لهذه المشكلة يبدأ من إعادة النظر في ميكانيزمات الترقية والصعود الاجتماعي، فيكون أساسها الرئيسي العلم والمعرفة، وهو مايتطلب بناء مجتمعا طبقيا جديدا، لكنه إيجابي، وليس سلبي مدمر كما هو حاصل اليوم، طبقية ليست مبنية على الثروة والسلطة بل مبنية على العلم والمعرفة عكس النظام الرأسمالي المبني على طبقية الثروة والملكية، وكذلك النظام الشيوعي الذي رغم نفيه للطبقية في مجتمعه وإنكاره لها، إلا أن أحاديته وإستبداده أنتج لنا طبقية أكثر بشاعة تتمثل في سيادة برجوازية بيروقراطية متمثلة في رجال السلطة الذين استغلوا مناصبهم فوصلوا إلى الثروة، وهو ماوقع في بلادنا منذ عهد الأحادية.
فهذه الطبقة البرجوازية البيروقراطية التي هي وليدة الإستبداد مدمرة للإقتصاد والمجتمع، لأنها لا تمتلك ذهنيات وممارسات البرجوازية في الغرب التي أستثمرت في القطاعات المنتجة والبحث العلمي، ولعبت دورا أساسيا في بناء إقتصاد دولها، أما برجوازيتنا البيروقراطية فما هي إلا كمبرادورا- أي خادمة للإقتصاد الغربي كوسيط لإستيراد وتسويق منتجات الرأسمالية الغربية-، وهو ما تطلب منها تدمير الإنتاج الوطني وعرقلة ظهور برجوازية وطنية منتجة تقيم المصانع وتخلق الثروة ومناصب الشغل، فكرست هذه الطبقة البرجوازية البيروقراطية التخلف أكثر، مما يتطلب منا اليوم نظاما وميكانيزمات جديدة تقطع الإرتباطات السلبية بين هذه الطبقة والرأسمالية العالمية ثم تحويلها إلى الإستثمار في الإقتصاد المنتج والبحث العلمي بدل إستيرادها لكل السلع بمافيها الممكن إنتاجها محليا.
ولحل مشكلة التخلف يجب أن نحول العلم والمعرفة المقياس الرئيس للامتيازات في المجتمع، وليس السلطة ومقاييس أخرى، علينا التفكير في وضع الميكانيزمات الملائمة لتطبيق هذا المبدأ الذي سيتحول محفزا على طلب العلم والبحث العلمي الجاد والتنافس من أجل الإبداع العلمي والتكنولوجي لأنه هو الطريق الرئيسي للصعود الاجتماعي، وهو المبدأ الذي سيجعل الطفل يلد وهمه وهم والديه النجاح في التعليم الذي سيسمح له بولوج عالم الباحثين العلميين، لعله سيفتح له الطريق ليصبح مخترعا ومبدعا علميا، مما سيدر عليه إمتيازات عدة، وتجعله من الطبقة العليا في المجتمع، وبذلك نكون قد وضعنا بذور التقدم بدل هذا التكالب المدمر من أجل الثروة والسلطة.
فإن لم نسارع إلى إعادة النظر في نظامنا السياسي والإجتماعي بتطعيمه بميكانيزمات جديدة تسمح بإعادة الإعتبار لقيمة العلم والبحث العلمي وممارسيه والقائمين عليه، فإننا سنضيع قرونا وقرونا على أمتنا.
ففي الحقيقة أن مختلف شرائح المجتمع لا تقف ضد طبقة العلماء إذا لم تنفصل عنها، ولأن هذه الشرائح أيضا واعية بأن أحد أسباب مآسيها هو التخلف العلمي، ولا يمكن تحسين أوضاعها إلا بالتقدم العلمي الذي لا يمكن أن يكون إلا بجعل الإبداع العلمي والمعرفة وسيلة للصعود الاجتماعي.
ليس من الصعب إعطاء إمتيازات للمخترعين والمبدعين في المجالات العلمية كما أعطيت لبعض رجالات السلطة، بل يمكن حتى خلق رتبة أو وسام مواطنة عالية نسميها "المواطن الممتاز" أو أي تسمية أخرى لكل من ينجز إختراعا وإبداعا علميا يخدم مجتمعنا ويطوره، ولهذا سيكون كل مواطن همه تحقيق هذه الرتبة المفتوحة للجميع، وتتكافأ فيها الفرص، ولايمكن لأي كان أن يغش فيها لأن إختراعاته وإكتشافاته وإبداعاته هي التي تتكلم، فإننا في أمس الحاجة اليوم إلى من يرقيها ويطورها ويبنيها بعقله وعلمه وإختراعاته وإبداعاته العلمية، وهل من الصعب وضع ميكانيزمات لجلب كبار الباحثين العالميين وتحويلها إلى قبلة لهم، فلنتحول إلى دولة ديمقراطية وإجتماعية وعلمية تستند فقط على العلم، ويكون فيها لرجال العلم والفكر والعقول الكبرى دورا أساسيا في القرارات وصياغة مستقبلنا، نعتقد أن تحقيق ذلك ليس صعبا كما يوهموننا البعض، ونعرف أن فكرة كهذه سيضع الفاشلون المقتاتون والمستفيدون من النظام الإجتماعي والسياسي الحالي كل العراقيل في وجهها، وسيصفونها بالطوباوية وصعوبة التنفيذ، لكن هي في الحقيقة لا تحتاج إلا إلى إرادة سياسية وثورة في الذهنيات والتفكير في ميكانيزمات جديدة لتطبيق هذا المبدأ ومجموعة قوانين ومراسيم تنفيذية لها، والتي ستلقى الدعم من كل المجتمع لأنه يعلم أن تحسين حياته وترقيته وتطويربلده لا تتم إلا بالبحث العلمي الجاد المرتبط بحاجاتنا التنموية الإقتصادية والإجتماعية.
نعتقد انه بعمل توعوي كبير، سيأتي اليوم الذي ستطالب فيه شعوب منطقتنا ب"الدولة العلمية" بعد ما أثبتت كل الدول المرتبطة بمختلف الأيديولوجيات فشلها في حل مشاكله وتطوير هذه البلدان، بل حتى ثوراته ضد الأنظمة المستبدة أثناء ما يسمى "الربيع العربي" قد أفشلتها هذه الصراعات الأيديولوجية، وحولتها إلى خريف دموي، فالدولة العلمية هي دولة ضد كل الأيديولوجيات، ويتحكم فيها العلم بصفته مرجعيتها الوحيدةن وستكون كل القرارات والسياسات مبنية على ما تتوصل إليه مختلف الدراسات العلمية، ويمكن أن يقول البعض بالبرغماتية أي قرارات حسب المصلحة والفائدة، لكن يمكن أن نعتقد أن هذه المصلحة في خدمتنا، لكن لو نخضعها للعلم يمكن أن نكتشف عكس ذلك، ولهذا سيكون العلم أيضا فوق البراغماتية، كما أنه ضد كل الأيديولوجيات، لكن يجب مرافقة ذلك برقابة شعبية قوية أيضا لأنه من الممكن أن يتم الإستغلال والإستبداد بإسم العلم بتحريفه عن أهدافه، وقد حددت بوضوح وبالتفصيل كل هذه الآليات والمؤسسات الرقابية لهذه الدولة العلمية في كتابنا "النظام البديل للإستبداد- تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-"، وفي الأخير نقول أن مفتاح الحضارة لشعوب المنطقة هو اليوم الذي سترفع فيها مطلب إقامة "الدولة العلمية" أين سيكون العلم بمفهومه الصحيح هو المرجعية الوحيدة للدولة والمحدد لكل قراراتها وسياساتها، وتنبذ فيه كل الأيديولوجيات التي هي مجرد أوهام تصنعها الطبقات الحاكمة لتخدير الشعوب كي يسهل إستغلالها.