جمال عبد الناصر .. مثقفا

كاظم الموسوي
2020 / 9 / 30

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (1918- 1970) شغل الناس والسياسات المحلية والإقليمية والدولية في زمنه، وحتى بعد رحيله، ولعل الفترة التي تلت اصبحت محكا أو اثباتا لما كانت عليه قبلها. أي أن الفترة اللاحقة كشفت مصداقية وعظمة الانجازات والاخطاء، كما رثاه الشاعر محمد مهدي الجواهري. ولعل السؤال والبحث عن الثقافة ودورها في بناء وعي السياسي، صاحب القرار ومصدره، وتاثيرها على قراراته ودوره العام مهمة كبيرة تسهم في توضيح المكانة والمسؤولية والإدارة والإجراءات وانعكاسها العملي، لا سيما في دولة مثل مصر وفي فترة حاسمة من الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية محليا ودوليا.
في كتابه الصادر عام 2018 في القاهرة، بعنوان عبد الناصر.. مثقفا، بحث الكاتب والقائد السياسي، امين عام الحزب الاشتراكي في مصر، المهندس أحمد بهاء الدين شعبان، في هذا الموضوع المهم، كاتبا عن الثقافة والسياسة، السياسي والثقافي، في شخص عبد الناصر، بدايات القراءة والاهتمام في المطالعة، والممارسة والانجاز والتداعيات وما آلت إليه سيرة الشخصية الثقافية في الدور السياسي والقيادة الفعلية والاسهام في البناء الاجتماعي، وكيف تشابكت عند عبد الناصر في مصر وتداعياتها عند العرب، مع اضواء على من أسهموا معه في هذا الدور والتداعيات التي استمرت أو تكشفت بعده.
عبد الناصر رجل عسكري قاد مجموعة عسكرية لتغيير نظام حكم، تحول التغيير إلى ثورة شعبية لعب فيها الضباط العسكريون إدارة القيادة والتغيير والتحولات على الصعد المختلفة. وكانت هذه التحولات والاتجاهات التي ظهرت بعدها وليدة طبيعية لتركيب المؤسسة العسكرية، السياسي والثقافي. وما حصل خلالها من صراعات واصطدامات ونجاحات وتراجعات وحتى خيبات. حيث قدم الى القيادة وصناعة القرار ما تفاعلت به وتمكنت من الخروج منه إلى فضاءات الإصلاح والتغيير المطلوب بكل ما حملته من إيجابيات وسلبيات، باتت اليوم من صفحات التاريخ، أو التاريخ هو الشاهد عليها.
رغم ذلك كتب المؤلف في تقديمه، "والصفحات التي يتضمنها هذا الكتاب، لا تدعي استهداف التغطية الكاملة لموضوع "عبد الناصر والثقافة" وتطور العلاقة بين " الزعيم" وهذا البعد المعرفي الكبير، لكنها تلقي اضواء أولية على دور الثقافة في تكوين شخصيته الفريدة في تفاعلها مع نشأته ودراسته المدنية والعسكرية، كما تلمح إلى دوره في نشر التعليم المجاني وانحيازه لان يكون المنتج الثقافي ميسرا لمحدودي الدخل (...) وتشير إلى بعض التعثرات التي صادفته وصادفت الوطن في هذه المسيرة، ومنها الصدام بين نظامه وبين قطاع من المثقفين الوطنيين من المفكرين الاشتراكيين المصريين." (ص(6 أما فصول الكتاب فقد تناولت ما تمت الإشارة اليه، أو الأبرز فيها. حيث جاء الفصل التالي بعد المقدمة. بعنوان الكتاب: عبد الناصر مثقفا، والفصل الثاني بحث في وهم الليبرالية وعصرها الذهبي، والفصل الثالث بعنوان عبد الناصر واليسار ومن ثم لحقه فصل بعنوان هيكل واليسار ، وبعده التوظيف المتبادل أو عبد الناصر و"الطليعة" وختم الكتاب بفصل المثقف العربي والسلطة. مركزا على مصادر التثقيف والدور السياسي والالتزام والتأثير في التكوين والقرار الثقافي والسياسي معا.
في تقديمه لترجمته لكتاب لينين، تطور الراسمالية في روسيا، كتب فواز طرابلسي: "بين سجنه في سان بطرسبورغ ومنفاه السيبيري، كرس لينين ثلاث سنوات (1898-(1896 لوضع "تطور الراسمالية في روسيا". أما جهد الدراسة والتنقيب فاقل ما يقال فيه أنه خارق. خلاله اطلع لينين، اطلاع الباحث الناقد، على اكثر من 500 كتاب ومجموعة إحصائية ومجلة ومقالة - باختصار ، كل ما كتب عن الاقتصاد الروسي. وكعادته لم يترك هذه المناسبة "الأكاديمية" بدون استغلال في عمله النضالي السري تتعلق باوضاع الحلقات الماركسية المبتدئة تحت راية "عصبة النضال من أجل تحرر الطبقة العاملة" التي كان لينين من مؤسسيها، وقد اعتقل بتهمة الانتماء إليها، وحين صدر الكتاب، في مطلع العام 1899 عرف رواجاً ملفتا في أوساط المعارضة الروسية.".
أردت الإشارة هنا إلى أن الكاتب والمثقف والسياسي لا يمكنه التصدي في هذه المجالات دون حصيلة معرفية وجهود ثقافية وبحث ونقد، وهو ما ينبغي قراءته أو البحث فيه عند الحديث عن ثقافة أية شخصية عامة. وليست للمقارنة ولاسيما الاختلاف الكبير في متغيرات الظروف الموضوعية، ولكن الدلالة مهمة ولابد من الانتباه لها.. وقد سعى كما يلاحظ الكاتب في الإشارة إلى بدايات عبد الناصر الاولى في مرحلته التأسيسية، وهو طالب في المرحلة الثانوية، وكتابته لمقال عن فولتير، الفيلسوف التنويري الفرنسي. " رسول الحرية في القرن 18" ومن ثم تأثره برواية توفيق الحكيم، عودة الروح، حسب ما كتبه رجاء النقاش، واستخلاصه منها في فكرة الوحدة الوطنية، وفكرة عودة الروح لمصر في دورها الحضاري، واضاف لها المؤلف فكرة " التوحد" او الجمع بين الموضوع والذات، بين الأمة والزعيم أو بين الشعب والقائد، وتوسع في رصد الكاتب السويسري جورج فوشيه في كتابه " جمال عبد الناصر ورفاقه" قائمة الكتب التي استعارها وقام بالاطلاع عليها من مكتبة الكلية العسكرية. وهي لها دلالاتها من خلال عناوينها ومضمونها، ثم تأثره في مسرحية الكاتب الايطالي لويجي بيرانللو، "ست شخصيات تبحث عن مؤلف"، ورؤيته فيها دعوة إلى التحرك من أجل الاستجابة لصرخة الكاتب ولملء الفراغ الرهيب، والبحث عن " القائد المنقذ". ومن خلال هذه الكتب ومضامينها يستدل على اهتمام ومعرفة قارئها وتأثره في اختيارها ودورها في تنمية الوعي والإدراك الثقافي، وتبيان الخلفية الفكرية أو عواملها الأساسية ومعرفة انعكاساتها اللاحقة.
يشير المؤلف إلى انطباعات مقربين أو عاملين مع عبد الناصر عن اهتمامه في الثقافة عموما، سواء في القراءة واختيار الكتب، أو في مناحي ثقافية اخرى، كعشقه للسينما، وحضور الحفلات الموسيقية والغنائية وعروض الأوبرا والمسرحيات. ويلفت الإنتباه إلى طلب عبد الناصر من خالد محيي الدين:" يذكر الأخير أنه بعد أن هدأت العاصفة، ووافق عبد الناصر على رجوعه إلى مصر من منفاه في جنيف، طلب منه أن يشتري له قبل عودته، "شوية كتب عن الاشتراكية بمختلف مدارسها" كان ذلك أواخر عام 1955 حين بدأ عبد الناصر يبحث عن مسار يجيب على التساؤلات الحادة التي طرحتها ظروف مصر والمنطقة عليه وعلى نظام حكمه" (ص(21 وبغض النظر عن تقييم مضمون ومآلات السياسات فالنتائج العملية تخدم الشعب ونقلت عمليا قطاعات واسعة وبالتالي المجتمع إلى مراحل متقدمة من التطور على هذا الصعيد.
ورغم ذلك فإن الحياة العملية وضغوط العمل السياسي والهواجس الأمنية والأخطار المتنوعة اشتركت في محنة مثقفين في عهد عبد الناصر. وهذه المحنة سجلت سلبا في تاريخه وزمنه وذريعة لخلفه في تعميقها واستغلالها بالضد من مشروع النهضة المزمع تعبئته وتنفيذه في البلاد. ورغم التبريرات أو التفسيرات، فإن هذه الأخطاء كانت من الخطايا التي وصمت فترته وفاته الزمن في معالجتها. مثل ما ذكر الكاتب نقلا عن فتحي غانم، الذي كان عضوا في "التنظيم الطليعي" ووثيق الصلة بمراكز صنع الأحداث، بتناقض حاد في غلبة الهاجس الأمني، " كانت استراتيجية الأمن عنده، اقوى من استراتيجية الثقافة" (ص(24 واعتبر هذا من اخطاء النظام، التي كشفت بعد رحيل الرئيس ناصر، في 28 ايلول/ سبتمبر 1970 وصعود انور السادات الى الرئاسة، وبصورة أوضح على الثقافة والمعرفة والتعليم، اثر انتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادي وعشوائية التطبيق والعمل على عكس ما كان عبد الناصر يمارسه ويعمل عليه.
وتلك فاجعة يعالجها الكاتب في فصول تالية، أبرز فيها رأيه وحاول البحث عن اسباب تضاف إلى ما نشره كثيرون من المتابعين والمنتسبين، أو الضحايا والناشطين، تستند إلى ما حصل فعلا من ما سماه بالشروخ الكارثية في معسكر الثقافة الاشتراكية، وصراع عبد الناصر واليسار، ودور الوزير والكاتب الاستاذ محمد حسنين هيكل ومجلة الطليعة ومجموعتها اليسارية. وتحتاج هذه القضية التي أثارها الكاتب ووضع مقدمات لها، وبالإضافة اليها، إلى قراءة موضوعية ودراسة علمية تتم منها الاستفادة من دروس فترتها وعبَر التاريخ وعدم تكرارها أو استمرارها بأشكال أخرى.
يفيد الكاتب أن التيار الاشتراكي في مصر من أقدم التيارات السياسية والفكرية المنظمة، والذي لعب دورا في التعبئة الشعبية لبناء البلد وتطوره وحريته واستقلاله، ومع ذلك، أو لاجله، تعرض خلال تاريخه إلى حملات تصفية وقتل وتعذيب، وهو ما سماه بمحنة مثقفين، وسؤال كبير. "والثابت أن معرفة الرئيس عبد الناصر، الذي تأكدت زعامته الوطنية يوماً بعد يوم بالحركة الشيوعية المصرية، كانت قديمة وليس سرا أن "حدتو" كانت تقوم بطباعة منشورات " الضباط الأحرار" وتسلمها لعبد الناصر من أجل التوزيع.." (ص (48 ورغم ذلك (حيث تذكر هذه القصة بمثيلتها في العراق، فقد اهدى الحزب الشيوعي العراقي بقيادة سلام عادل، آلة طابعة، الى حزب البعث ودرب كادرا له في مطبعة الحزب السرية، وكيف عومل سلام عادل بعد وصول حزب البعث للحكم، أشبه بما حصل لشهدي عطية او افضع)!، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فعلى عكس المامول والمتوقع، تكرر الصدام بين النظام الجديد، والحركة الشيوعية، رغم الأرضية السياسية والفكرية المشتركة وخسر النظام، بل خسرت مصر كثيرا من هذا الخلاف الدامي. (الصفحة نفسها) ويتساءل الكاتب: هل كان هذا الصدام حتميا؟!. ويعرف الكاتب أن الإجابة ليست سهلة، ويحتاج الرد الصحيح عليه الى بحث تاريخي علمي معمق، لكن المؤكد أن هذا البحث له أهمية راهنة بقدر أهميته التاريخية. (ص(49 وما علاقة الصراع بالثقافة؟!. سؤال اخر يبين دور الثقافة في هذه القضية التي ربما لم تبحث بعمق.
بالتاكيد هذه القضية ليست للتاريخ فقط بل للحاضر والمستقبل، وهو ما تطرق له الروائي صنع الله ابراهيم في روايته، يوميات الواحات، واشاراته الى مذكرات العديد من الشيوعيين الذين واجهوا تلك المحنة ومواقفهم الوطنية التي تؤشر إلى خفايا وراء المحنة، لا يكون الرئيس عبد الناصر بالضرورة وراءها، او على علم بها، ولكنه مسؤول عنها بحكم موقعه ودوره وثقافته وتحولاته. وحين واجهه أعضاء برلمان او حزبيون في زيارته ليوغسلافيا بالاحتجاج على استشهاد شهدي عطية الشافعي في السجن، وقالوا له وهو يعلن لهم أن مصر في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية ستتجه الى نوع من الاشتراكية الديمقراطية فقالوا له كيف تتحدث عن الاشتراكية وانتم تقتلون قادتها في مصر؟. (تنظر تفاصيل اخرى في رواية يوميات الواحات، ص(231 وهناك روايات عديدة للجريمة والتحقيقات وغيرها موجودة في كتب وملفات منشورة. كما وصف كثير من الكتاب المصريين المعتقلين تفاصيل التعذيب الوحشي، الذي تحملوه، "وقد وصف السيد يوسف في "مذكرات معتقل سياسي" (الهيئة العامة للكتاب، (1999 كيف استوحى القائمون على التعذيب في البداية تجربتهم مع الإخوان المسلمين فامروا المعتقلين بأن يهتفوا للجمهورية في طابور الصباح وعندما لم يعترض أحد امروهم بالهتاف بحياة جمال عبد الناصر وترديد نشيد "الله اكبر". وقد امتنع اسماعيل صبري عن النشيد فتعرض للضرب". وتطرح قضية استشهاد الشافعي وقضية فرج الله الحلو نفسها بقوة على المشهد السياسي والثقافي والهواجس الأمنية والأخطار، والقوى المتنفذة التي تدير الأمور من خلف موقع الرئيس، واتصلاتها وارتباطاتها المتعددة الولاء والانتماء، وهي خطايا لا يمكن أن تمر دون درس واعتبار، لاسيما من يتابع موقف الشافعي وجماعته من الثورة وجمال عبد الناصر يتفاجا مما حصل له وكيف حدث. وهذه قضية كما ذكر الكاتب في قراءته راهنة مثلما هي من التاريخ، ولابد من زيارة موضوعية لها ولما يربطها بمثيلاتها في مصر أو خارجها، بنزاهة فكرية وأيديولوجية وحتى عاطفية. ولكن تظل صورة الملايين في وداع عبد الناصر معبرة عن "يقين أنه اخلص لوطنه فاحتفظ له الشعب بمكانه الخالد في سويداء القلب، اختلفوا معه حول قضايا واجتهادات لصالح الوطن والناس، لكنهم لم يسيئوا الظن ابدا به وباحلامه. كان وطنيا عظيماً، عاش ومات من أجل قضية بلاده، أخفق واصاب، لكنه كان باستمرار صاحب بوصلة صحيحة". ( ص(57
توفي عبد الناصر عن عمر قصير، لم يمهله زمنه، لاسيما بعد أن جرب وتعرف على منهج يقوده إلى بناء بلده وعمرانه وتنمية شعبه، (وكذلك هناك روايات عن الرحيل)!. ومثلما فاجات وفاته او قطعت سلسلة تطوره العام وبروزه القيادي، فأن تذكره من هذه الزاوية تفتح اهمية الثقافة في مشروع القيادة والقرار والنهضة المنشودة. وهنا الدرس والخبرة في هذه الدروس التي استخلصها من رواية توفيق الحكيم، وتجارب حركة التحرر الوطني والتحولات التاريخية في الفكر والسياسة وقيادة الشعب والوطن والأمة.