الشاب أحمد والسقوط في متاهة التعصّب الديني

عدنان حسين أحمد
2020 / 9 / 29

قبل أن تمسَّه صعقة التطرّف كان الشاب أحمد مُنغمسًا في ألعاب الفيديو، وتكتظ جدران غرفته بالمُلصقات لكنه ما إن التقى بالإمام المتطرّف لمسجد المدينة البلجيكية حتى انقلبت حياته رأسًا على عقب، وأخذ يُحاسب أمه لأنها تتناول كؤوس النبيذ بين آونة وأخرى، ويتذمّر من شقيقته الكبرى لأنها غير محجّبة، وترتدي ملابس شفّافة تكشف عن مفاتنها الأنثوية، كما أنّ غياب الأب قد ضاعف من مسؤولية الأم التي تحاول ترويض ابنها الذي يودِّع مرحلة الطفولة ويقف عند عتَبَة الشباب التي تُضخّم فيه الأنا، وتعزّز في أعماقه روح المكابرة والاعتداد بالنفس. كما أنّ الأمّ لم تضع في حسبانها أن هذا الابن الغِرّ سوف يصبح كارهًا للنساء، ومُعاديًا للسامية، ومُبغضًا للأديان السماوية الأخرى التي يحضّنا القرآن الكريم على التعايش مع أتباعها من اليهود والنصارى والصابئين وما سواهم من أصحاب الديانات الوضعية أيضًا.
يلامس فيلم "الشاب أحمد" للمخرجَين البلجيكيَين الأخوين جون- بيير داردين، ولوك داردين فكرتَي التطرّف والجهاد حيث تأخذ الأولى مساحة واسعة من مدة الفيلم، فيما يُشار إلى الثانية إشارة عابرة تتعلّق بالمجاهد، ابن عمّ أحمد، الذي تخرّج في مدرسة بالمدينة المنوّرة، واستشهد من أجل دينه، وحظي بإعجاب المسلمين، ودفعَ الآخرين إلى تقليده والاقتداء به.
لم يشأ المُخرجان أن يستعملا الموسيقى في هذا الفيلم الدرامي وكأنّ تركيزهما كان مُنصبًا على إيصال الأفكار والالتماعات الذهنية من دون أن يتخليا عن أهمية الصورة في الفيلم السينمائي لكنهما كان يعوّلان على النسق السردي للقصة السينمائية المُتقَنة، والمونتاج المشذّب الذي منح الفيلم إنسيابية غير معهودة جعلت المتلقين يستقبلون الفيلم دون أي شعور بالتذمّر والملل.

تسميم الأدمغة
وقبل الولوج في تفاصيل السيناريو الذي كتبه الأخوان داردين لابدّ من الإشارة إلى أنهما قد تناولا موضوعًا بعيدًا عن أهماماتهما الدينية والفكرية، ولو تفحّصنا الآيات القرآنية الكريمة التي استشهد بها إمام المسجد، وهو يحضُّ أحمد وغيره من الشباب على القتال، لوجدناها خارج السياق الزماني والمكاني الذي تتمحور عليه قصة الفيلم، ومنها الآية (191) المُقتبسة من (سورة البقرة) التي تقول:(واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) فهي تتحدث عن القتال في المسجد الحرام بينما تدور أحداث الفيلم في مدينة بلجيكية يتعرّض فيها الشاب أحمد إلى عملية غسل دماغ تدفعه لارتكاب جريمة قتل لولا خوفه وارتباكه، ودفاع الضحية عن نفسها، الأمر الذي أفضى به إلى سجن الأحداث كي يتأهل ويعود إلى حياته الاجتماعية من جديد.
تعيش أسرة الشاب أحمد "أدير بن عدي" حياةً اجتماعيةً متحررة لكنّ الظروف تتبدّل على حين غرة حينما يلتقي الشاب أحمد بإمام المسجد يوسف "عثمان مؤمن" الذي يأخذه إلى متاهة التعصّب الديني ولا يخرج منها إلاّ بشقّ الأنفس. وثمة معلّمة اسمها إيناس "مريم أخديو" تنتبه إلى التغيّرات التي تطرأ عليه فلم يعد يصافحها حينما يخرج من الدرس شأن بقية الطلاب بحجة أنّ المسلم الحقيقي لا يصافح المرأة، وأنّ لَمس الأنثى حرام، وهذا ما يعلّمه إياه يوسف الذي سنكتشف أنه يحرّض الفتيان الصغار على آبائهم وذويهم، ولا يجد حرجًا في الكذب بغية الحفاظ على وظيفته الدينية التي يعتاش منها، ويتمترس خلفها لتعزيز منزلته الاجتماعية.

الخشية من الاندماج
لا يمتلك يوسف القدرة على مواجهة الآباء لذلك يؤلّب الأبناء على المعلّمة إيناس التي تدرّسهم اللغة العربية كنشاط ثقافي عام خارج إطار المدرسة. وبما أنها تُتقن طرق التدريس الحديثة التي تعتمد على قراءة القصص والروايات والأشعار ومعرفة كلمات الأغاني وما إلى ذلك إلاّ أنّ إمام المسجد يوسف يعترض على هذه الطريقة ويعدّها نوعًا من التجديف، كما يعُدّ المعلمة إيناس مُرتدة وزنديقة لأنها لا تعلّمهم اللغة العربية من القرآن مباشرة "وأنها تريد لديننا الحنيف أن يختفي ونندمج مع اليهود والنصارى". وعلى الرغم من احتدام النقاش بين الطلبة من جهة، وبينهم وبين المعلمة من جهة أخرى نكتشف حجم الهوّة التي خلقها إمام المسجد للطلبة وذويهم، فبينما تريد المعلمة أن توسّع آفاقهم ومداركهم يحاول يوسف حصرهم في الإطار الديني فقط ولا يسمح لهم بالانفتاح على لغة الحياة اليومية التي ستفضي بهم للحصول على الوظائف في المستقبل. يتوتّر النقاش ويبلغ ذروته حينما يخبرها الشاب أحمد قائلاً: "أنتِ لا تهتمين بلغة القرآن الكريم لأنّ صديقكِ الجديد يهودي" ويغادر القاعة من دون أن يردّ على طلب المعلّمة بعودته والاصغاء إليها.

شُحنات التعصّب
تذهب محاولات أم أحمد "كلير بودسون" كلها أدراج الرياح فهي تعرف جيدًا الجهد الكبير الذي بذلته إيناس في مساعدة ابنها الذي كان يعاني من عُسر القراءة، ولهذا طلبت منه أن يعتذر لها، ويحضر دروسها المفيدة في اللغة العربية لكنّ يوسفَ شحنهُ بالتعصّب والضغينة، ورسّخ في ذهنه أنها امرأة مرتدّة الأمر الذي دفعه للإقدام على طعنها بالسكين لكنها نجت منه بإعجوبة وحينما عاد هلِعًا وأخبر إمام المسجد بفشل محاولة القتل أجابه الأخير:"قلتُ لكَ أنها مرتدّة، لكنني لم أقل لكَ أن تقتلها!" ثم راح يتوسّع في أعذاره الواهية التي تفيد "بقتل المرتدين عندما يبدأ الجهاد". وبما أنه يخشى من السلطات المحليّة أن تغلق المسجد فقد أخذه إلى مركز الشرطة مباشرة بعد أن لفقّ له حكاية الإمام الذي التقاه على الإنترنيت وحرّضه على قتلها حتى وإن كلّفتهُ هذه المحاولة حياته. ثم سردَ له بقية القصة عن سجنه التأهيلي الذي لا يتجاوز الشهر أو الشهرين في أبعد الأحوال، ثم يعاود حياته اليومية من جديد.
يبدو أن السيناريو المُتقَن الذي كتبه الأخوان داردين بنفَس احترافي واضح قد راعيا فيه بنيته الدرامية التي تصاعدت حتى بلغت مرحلة الشروع بالقتل غير أنّ هذه الذروة الانفعالية لم تنحدر رويدًا رويدا، ولم تتلاشَ كليًا، فلقد ظلّ البطل يراوغ رغم إدّعاءاته الكاذبة بالتحسّن ورغبته بالاعتذار من معلّمته إيناس التي أساءَ إليها كثيرًا وسبّب لها صدمة نفسية كبيرة لم تتخلص من تداعياتها حتى الآن.

شخصية نمطية متشددة
وفي أثناء تواجد الشاب أحمد في السجن الإصلاحي الذي يخضع فيه إلى طبيب نفسي يتابع سلوكه، والتغيرات التي تطرأ عليه، ومدى التحسّن الذي يحرزه خلال مدة الحجز. كما أنّ هناك مُرشدًا رياضيًا يدفعه للمشاركة في بعض الألعاب الرياضية كالركض، والساحة والميدان، والتمارين البدنية الأخرى. هذا بالإضافة إلى المشرف القانوني للقضية والمتابع لتطوراتها التي صرنا نعرفها كمُشاهدين لكننا لم نثق بادعاءات الشاب أحمد لأنّ عقليته لم تتبدل، وطريقة تفكيره المتشدّدة ظلّت كما هي عليه حينما التقى بـ "لويز" التي تعمل في المزرعة المُلحقة بالسجن الإصلاحي وتقدّم الأعلاف إلى الأبقار وعجولها. ولابدّ للطفل السجين أن يزاول بعض الأعمال والمهن البسيطة، ولقد أخذ أحمد على عاتقه تعليم أحد السجناء الشباب اللغة الفرنسية، كما انهمك في تقديم الأعلاف في مزرعة الأبقار الصغيرة. وخلال تواجده تعرّفنا على شخصيته النمطية التي لم تتغيّر في طريقة النظر إلى الكلاب على أنها حيوانات نجسة، وأنه لا يحبّذ لمس الأرانب، أو تمسيد العجول الصغيرة الناعمة.
وخلال مكوث أحمد في السجن الإصلاحي تزوره أمه أكثر من مرة وتجلب له الأكلات التي يحبّها وتحيطه علمًا بأن أخاه قد اعترف ضد إمام الجامع الذي يورّط الشباب المسلمين بقضايا التطرّف ويملأ قلوبهم بالحقد على أهلهم وذويهم لمجرد أنهم يمارسون الحياة المدينية التي كانوا يمارسونها أصلاً في بلدانهم. كما وجدت المعلّمة إيناس شخصًا آخر أفاد بالمعلومة نفسها التي تؤكد على تأليب الإمام للشباب ومحاولة زرع البغضاء بينهم.
يعرب الشاب أحمد عن موافقته لمقابلة المعلّمة إيناس وحينما تأتي تنهار أعصابها، وتجهش بالبكاء، فتغادر السجن الإصلاحي مباشرة، ولو بقيتْ لفترة أطول قليلاً لضربها بالرأس المدبّب للفرشاة بعد أن برَدَه على أرضية الغرفة الخشنة.
يستمر أحمد في المراوغة ولا نتعرّف على طويّته الداخلية، فهو شخص باطني، شَحَنَهُ الإمام بالحقد والبغضاء. وقد كتبَ لأمه رسالة يقول فيها:" أمي، سامحيني على الأذى الذي سأسبّبهُ لك، وحاولي أن تكوني مسلمةً حقيقية، وستكونين فخورة بي. أحمد أبو صلاح". طوى الرسالة وسلّمها للمحامي لكنه عاد واسترجعها بعد مدة قصيرة متذرعًا بأنه سيتصل بأمه هاتفيًا ويخبرها بما يريد مباشرة.

الشعور بالخطيئة
تتكرر لقاءات أحمد مع لويز "فكتوريا بلوك"في إطار العمل، فهي شابة في مثل سنّه تقريبًا، تُعجب به، وتُحرّضه على تقبيلها لكنه يتراجع لأنه لا يمتلك خبرة في هذا المضمار العاطفي الذي لم يجرّبه من قبل. وحينما تلحظ صمتهُ وسكونهُ تبادر هي إلى طبع قبلة سريعة وخاطفة على شفتيه، ثم تطلب منه أن يفتح فمهُ وحينما تدسّ لسانها بين شفتيه يجفل كمن لسعتهُ أفعى ويتراجع إلى الخلف ثم نراه وهو يغسل فمه وأسنانه وكأنه يتخلّص من شيء نجس! ثم توضأ وشرع يصلّي لكن شعوره بارتكاب الإثم والخطيئة ظل يراودهُ، وقطع عهدًا على نفسه بأنه لن يكرّر هذا الخطأ مرة ثانية.

لماذا لا تصبحين مسلمة؟
لا تتطوّر آراء أحمد بالاتجاه الذي ينسجم مع العقلية الغربية فهو يطلب منها أن تترك ديانتها المسيحية وتُصبح مسلمة لأنّ ما فعلاه في حقل الشوندر من عناق وقُبُلات يعدّ خطيئة عظمى من وجهة نظره لأنها مسيحية وإذا أصبحت مسلمة فإن خطيئته لن تكون سيئة للغاية ويمكن أن يُعدّها نزوة حدثت قبل الزواج، والأدهى من ذلك أنه لم يعد يعتبر نفسه مسلمًا حقيقيًا بسبب هذه القُبلة الخاطفة التي غسل رضابها ولم يبقَ منه أي أثر بين شفتيه. سألتهُ: هل ستتوقف مشاعرك تجاهي إن لم أصبح مسلمة؟ فرد بالإيجاب. وحينما أعاد السؤال بصيغة ثانية مفادها:لماذا لا تصبحين مسلمة مادمتِ قد شعرتِ بشيء ما تجاهي؟ فأجابتهُ: "لستُ مُجبرة على ذلك". فاستفسر منها:"هل ستبعدينني عن الجنة؟" فكان ردّها صاعقًا أوصدَ أمامه أي بارقة أمل ضعيفة، فدفعها على أكداس القش وهو يصرخ بكلمة "كُفّار"، وجاءه الردّ:"أُخرج بحق الجحيم" لتنطفئ هذه الومضة العاطفية التي ارتعش لها القلبان الفتيّان.

الضحيّة تنقذ جلّادها
يوحي أحمد للمشرف الذي يتابع قضيته بأنه قد تغيّر تمامًا وفي الطريق يهرب من السيارة ويتوارى في الغابة الكثيفة فيفقد المشرف أثره، وقبل أن يصل إلى المدرسة سحب من أحد واجهات المنازل وتدًا حديديًا مُدببًا وتسلق جدران المدرسة وحينما تنقّل بين النوافذ وتشبث بألواحها الخشبية المتآكلة سقط من علو شاق على الأرض الحصوية المجاورة لغرفة المعلمة إيناس وطرق نافذتها غير مرة بالوتد الحديدي وشعر بأنّ حياته في خطر وبينما كانت تقول له:"سأتصل بسيارة إسعاف" كان هو قد طوى صفحة التطرّف والتعصّب الديني وأمسك بيدها لأول مرة وخاطبها معتذرًا:"سيدة إيناس، أرجوك سامحيني" وذهبت لتستدعي الإسعاف بأسرع ما يمكن وكأنّ على الضحية واجب إنقاذ الجلّاد.
وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنّ فيلم "الشاب أحمد" قد حصل على جائزة السعفة الذهبية التي أُسندت للمخرجَين الأخوَين داردين في مهرجان "كان" سنة 2019، كما حصل الفيلم على جائزتي أفضل ممثل بدور مُساند، وجائزة أفضل ممثلة بدور مُساند أيضًا، إضافة إلى جائزتي أفضل سيناريو، وأفضل مونتاج من مهرجان Valladolid الإسباني. جدير ذكره أنّ الأخوين داردين قد أخرجا 16 فيلمًا روائيًا ووثائقيًا من بينها" الوعد"، "روزيتا"، "الابن"، "صمت لورنا"، "يومان، ليلة واحدة"، "الفتاة المجهولة". كما أنجزا 14 سيناريو، وأنتجا 41 فيلمًا خلال مشوارهما الفني الطويل نسبيًا.