حين ينهار العالم !

سليم نزال
2020 / 9 / 29

قرات رواية غاسبى الكبير فى بداية التسعينيات .كان الكتاب حدثا مهما فى حياتى لانى لم اكن قد قرات اى ادب نقدى للمجتمع الامريكى . لكنى لاحقا قرات بضعة روايات و مسرحيات حول انهيار ما يعرف بالحلم الامريكى .
لكن ان راينا الامر ببعده الانسانى الاكبر سنرى ان حالة انهيار الحلم هى حالة انسانية مر بها كثيرون .لانى اعتقد ان الشعور بالكارثة من اقسى المشاعر على الانسان .و هناك روايات اخرى مثل ذهب مع الريح لمارغريت ميتشل و الحرب و السلام لليو لتولستوى فيها اشارات لهذه الفكرة .
حتى الرواية الدينية التى تفسر بداية الحياة على الارض بدات لدى طرد ادم و حواء .اى بمعنى اخر لدى انهيار عالمهما هناك و انتقلا الى الارض كلاجئيين .و لعلهما استنادا للرواية الدينية كانا اول لاجئيين فى التاريخ .
ان فكرة الاقتلاع فكرة مرعبة و لا اظن انه توجد حتى كلمات تعبر عن هول الفكرة .
فكرة الاقتلاع تعادل تماما فكرة انهيار العالم .انه يعنى تدمير الذكريات سواء كانت شخصية او موروثه.اتذكر كيف كانت تعابير وجه الجيل الذى اقتلع من وطنه و كان والدى من هؤلاء . تعابير الحزن العميق تبدو جلية فى كل كلمة يقولونها . احساس عميق بالمرارة لانهيار عالمهم .و فى وقت لاحق التقيت بالمانية كانت تسمى نفسها المانية فلسطينية من الذين طرد اهلها من مناطق صارت تتبع بولندا بعد الحرب .اخبرتنى ان امها ظلت حتى اخر لحظة من العمر تتحدث عن بيتها . قالت ان والدتها كانت تحب ان ترسم البيت .غرف البيت و الشرفة و الحديقة و كل شىء . كانت بهذا المعنى( تستعيده) و ان من خلال الرسم .و الحديث سواء كان عبر استرجاع الذكريات او عبر وسائل اخرى مثل الفن او الرواية الخ ربما يكون نوع من اعادة بناء العالم الذى انهار . و ربما يساعد على تحقيق التوازن النفسى .
من لم يرى عالمه ينهار لن يتمكن من معرفه هذا بما فى ذلك جيلى الذى لم يعش كارثة الاقتلاع حتى لو سعى لفهم ذلك نظريا . .ولدنا لاجئيين وورثنا نتائج الانهيار لكننا لم نعاصره و لم نفقد مباشرة المكان و كل ما يرتبط به من ذكريات .لكنى شاهدت تجارب انهيار العالم الذى اعرفه كانت اسواها على الاطلاق عندما شاهدت الجيش الاسرائيلى يسير بغطرسة فى شوارع مدينة صور ..كان منظرا اكبر بكثير من قدرتى على احتماله . كان شعورا بالذل لا استطيع وصفه مهما قلت .و الثانى كان عندما شاهدت الجيش الامريكى يدخل بغداد . تملكنى شعورا بالمهانة الى درجة لا تحتمل .اغلقت التلفزيون لانى لم اكن اقدر ان اتحمل مشاهدة المنظر .
ما زلت اتذكر الجملة التى قالها غاسبى و التى استوقفتنى و التى يقول فيها ان اكثر اللحظات صعوبة هى اللحظات التى ينهار فيها عالم المرء و لا يستطيع ان يفعل شيئا سوى ان ينظر للانهيار .
استعيد هذه العبارات لانى دخلت فى حوار مع زملاء و زميلات فى مقهى العلوم الاجتماعيه فى جامعة اوسلو .و قد حاول خلال الحوار ان اتجاوز الفكرة الاصلية الواردة فى الكتاب لاضعها فى باب التجربة الانسانية