هل هي بداية مرجوة في توطيد الحكامة الأمنية في المغرب؟

لحسن ايت الفقيه
2020 / 9 / 28

فرضت حاجة الحكامة الأمنية الجيدة نفسها، بما هي ملازمة للديموقراطية وحقوق الإنسان، في المغرب، إن لم نقل، لعلها مرادا مرغوبا فيه، فور تدفق المفعولات السيئة لجائحة كورونا، في الحال. ولقد سلف لهيئة الإنصاف والمصالحة، إن هي إلا وجهَ العدالة الانتقالية المغربية، أن سطرت، باستمرار، ضمن حلقيات النقاش التي دأبت على تنظيمها، وطر الحكامة الأمنية.
ولئن كانت خطة العمل الوطنية في مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان تغمدت حقل الحكامة الجيدة في شموليتها، فإن دستور 2011 عرج إليها وسطر مبادئ تبدو مُؤسِّسة للحكامة الأمنية المغربية، من ذلك النزوع إلى إدماج الأمن ضمن السياسات العمومية، وإبرازه ضمن ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع نطاق الرقابة البرلمانية، وتخصيص، وهذا هو الأهم، الفصل 54 من الدستور لإحداث «مجلس أعلى للأمن، بصفته هيئة للتشاور بشأن إستراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر أيضا على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة...»، وسن السياسة الأمنية، والإشراف على تنفيذها. ومنذ وقتها بات موضوع السياسة الأمنية مفكرا فيه.
وإنه من الصعب تحديد جل الخصائص النوعية للحكامة الأمنية، لذلك سنقف عند الفهم البسيط الذي لن يزيغ عن التدبير السليم للأمن وفق قيم الوطنية والديموقراطية، وفي إطار مؤسساتي، لا يخلو الآداء فيه من الشفافية وتأسيس الفعل على النص القانوني، والاستئناس بنصوص حقوق الإنسان ابتغاء مراعاة حياة الإنسان وسلامته الجسدية وحريته في التفكير والتعبير. فالحكامة الأمنية وجه من أوجه إعمال حقوق الإنسان، وبالتالي، فهي واحدة من طبائع السياسة الأمنية المطلوبة، أو بعبارة أخرى، كلنا ينتظرها، لولا بطء تنزيل الدستور في هذا المجال، والتوجس من سوء تنزيل محتمل.
وينبغي أن نمضي في مسيرنا بما يوافق إيقاع الديموقراطية وحقوق الإنسان في بلادنا. وحسبنا أن الحقل الأمني يحمل غموضا كبيرا في الجانب المتصل في العلاقة بين السلطة والفرد، لغياب مرجعية للاحتكام، قبل تنزيل الدستور في المجال المذكور. وأمام هذا الغموض، وفي الوقت الذي يُنتظر فيه تحسين صورة الساهرين على الأمن زاغت المقاربة الأمنية، قليلا، أوان الحجر الصحي، وتأكد تسجيل بعض المنزلقات، من ذلك الاعتداء على نائب وكيل الملك، في طنجة، وملامسة وقائع من الصفع والضرب، في عين حرودة.
وإنه من حسنات الوباء أن تنفعل المقاربة الأمنية مع الجانب الصحي، أوان الحجر في ربيع سنة 2020. وكلنا يعترف أن وطر الصحة، بما هو غاش الحق في الحياة، يستصحب معه الحق في السلامة الجسدية، والحق في التغذية، ويمتد إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحق في التنمية.
لنتابع الوضع باستقراء الوقائع وجمعها، قبل الوقوف عند العلاقة فيما بينها. كلنا يتذكر الحجر الصحي المفروض أمدا يداني ثلاثة أشهر، ولا خيار لنا غيره، وإنه قدر لا مفر منه، بقطع النظر عن جدواه وأهميته. حمل الحجر المساواة بين المواطنين في الالتزام بالمكث في المنزل، ولا خروج إلا لغاية قصوى. وقد تبين أن الخيار، فضلا عن كونه لا يطيق الميز بين زيد وعمرو، لا يقبل الزيف من الأخبار، وكل ما يروم التشكيك في قدرة الدولة على مواجهة الوباء، ويمقت الخيار نشر الخوف والترويع في المجتمع. وفي ذلك ثلة من نقط الهشاشة لغياب السياسة الأمنية، بما هي مرجع ثابت في الأمن، لا يهتز أمام كل دعِيٍّ كذاب. فماذا يعني أن يحاكم شخص، ويجزى بما كسب لا لشيء سوى أنه عبر عن موقف؟ وما الحاجة إلى الاعتداء بالصفع والركل وإساءة المعاملة، والوضع وقتها يحتكم إلى القانون؟ لقد برزت الحاجة إلى الاستمرار في إصلاح القطاع الأمني والعمل على ترسيخ ثقافة جديدة في الأمن لدى السلطة والمجتمع تعتمد قيم المواطنة وحقوق الإنسان.
إن الانزلاق إلى الضرب وجه من أوجه المس بالكرامة، وقد يؤدي التمادي فيه إلى مس السلامة الجسدية للمواطنين، وربما حقهم في الحياة، وحقهم في التعبير. هناك حالات عنف بموازاة مشاهد الترغيب والترشيد والعتاب، كما فعلت قائدة بمنطقة أسفي. وإذا كان الشعب المغربي قد نوه بالمرأة القائد في ترغيبها ونهجها السلمي السليم، وكان راكم المغرب خبرة في محاربة التطرف، وحقق نجاحا في تفكيك جملة من الخلايا الإرهابية، فإن الوقت قد حان لغرس ثقافة أمنية جديدة تستنشق روح الديموقراطية وحقوق الإنسان.
لنَذَرَ الأمن، بما هو يروم ضبط المواطنين، وضبط مدى احترام القانون جانبا، وننثني إلى الأمن الصحي، والأمن الغذائي، والأمن الاقتصادي. وقبل ذلك لنقف عند الجانب الإجرائي.
خرج قانون مرسوم يحدث بموجبه صندوق خاص لتدبير جائحة كورونا «كوفيد 19»، بالمغرب، مرسوم رقم 269- 20 -2 المنشور بالجريدة الرسمية يوم 17 من شهر مارس من العام 2020. وإن إحداث الصندوق تدبير عاجل، أتى من حيث الجانب «المدين» منه، لسد «النفقات المتعلقة بتأهيل المنظومة الصحية»، وكذا «النفقات المتعلقة بدعم الاقتصاد الوطني من أجل مواجهة آثار انتشار جائحة فيروس كورونا «كوفيد 19»، زيادة على «النفقات المتعلقة بالحفاظ على مناصب الشغل والتخفيف من التدعيات الاجتماعية لجائحة فيروس كرونا «كوفيد 19»، ولا يجب إغفال ذكر «المبالغ المدفوعة لفائدة المؤسسات العمومية أو الهيئات العمومية والخاصة»، و«المبالغ المدفوعة للجماعات الترابية»، و«المبالغ المدفوعة إلى الميزانية العامة»، و«النفقات المختلفة». إنه صندوق «من أجل التمكن من ضبط حسابات العملية المتعلقة بتدبير جائحة فيروس كورونا، «كوفيد 19»، يجمل اسم «الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا، «كوفيد 19»»، وله موارد ونفقات.
أتى الصندوق لتدبير حالة مستعجلة طفا فيها الأمن الصحي على السطح، مما يفرض التعاطي مع الوضع وفق قواعد الحكامة الأمنية، لا المقاربة الأمنية، سؤلا في التخفيف من حدة الفقر ومساهمة في النمو الاقتصادي.
ومما لا شك فيه، أن إصدار قانون لتدبير الصندوق المذكور يفيد حضور قصد سليم لتدبير سليم لموارد هذا الصندوق، وتلك بداية حسنة لاعتماد الحكامة الأمنية في مواجهة الأمن الصحي في المغرب، لو مضى مدبرو الصندوق بعيدا وبثوا مناهل موارده بالاسم والاأرقام، وبكل التفاصيل الممكنة.
لا أحد يماري في أن لحظة المواجهة استوجبت إحداث الصندوق وما صاحبه من إجراءات كانت ضرورية خصوصا وأن الكل أدرى بمستوى هشاشتنا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. فلا مناص، إذن، من إيجاد إطار تمويلي معقلن ومحدد يميل إلى ترسيخ بعد المواطنة لدى المغاربة وينصب في نهاية المطاف في إرساء الأمن الاجتماعي والأمن الصحي.
ولأن الصندوق يهدف إلى دعم الصحة ببناء مراكز الاستقبال وشراء أدوات الفحص والقياس، وضمان موارد المواطنين المغاربة خلال فترة الحجر، فهو مبشر بالمدخل السليم نحو الحكامة الأمنية. وهل صاحبت الحكامة الأمنية هذا الإجراء من حيث الضبط؟ لا يمكن الجواب بالإثبات، لأن الإجراءات بعضها، ولا نقول كلها نائية عن مبادئ حقوق الإنسان. قد تنفع المعذرة، ولا بد من قبولها من جانب أن الوباء لم يدع متسعا من الوقت للانقطاع لتكوين كل الرجال الذين يحملون الزي العسكري والمتصلين بالأمن كالشرطة، والدرك، وحراس السجون، ورجال القوات المساعدة الذين فتح لهم المجال للمساهمة في حراسة الحواجز بمداخل المدن، وبالتالي، ثبتت بعض الزلات التي لا تفسد الإرادة المتوافرة.
ويعنينا، باختصار، أن تدبير الجائحة لاتصاله بالجانب المالي، ولا شك أنه فتح الباب أمام الماهن السياسي لتدبير أمن صندوق التضامن «كوفيد 19»، مدعو لتأسيس الفعل على الحكامة والشفافية. وهل فعل المدبر واستأنس بمبادئ الحكامة؟
لنتابع الوضع، ثانية، باستقراء الوقائع وجمعها. لا أحد يجادل في أن هناك مواجهة الجائحة منذ ظهور الحالات الأولى في مستهل شهر مارس من العام 2020، وأن إحداث الصندوق تدبير عاجل للإسراع في المواجهة، إلا أنه يواجه تحديات الحكامة والشفافية. لقد اتضحت غاية المرسوم المؤسس للصندوق في مواجهة الطارئ الصحي لوقعه السلبي على الاقتصاد والمجتمع، إن لم يكن الطارئ مس القطاعات جميعها، مقاولات صغرى وكبرى، وشركات، والمواطن البسيط، وافتعل جوا من الأزمة، كلنا يدري بدايتها، وكلنا يجهل نهايتها.
لوحظت الارتجالية في اتخاذ القرارات، ينزل قرار، وينسخ بقرار آخر. قالوا إن القناع يلبسه المريض وحده، ثم تنبهوا وقالوا إن الأقنعة فرض عين على الجميع، ثم غابت الأقنعة في نقط البيع لحظة لتصادفها مبثوثة في كل مكان. ولا غرو، فحينما تسود أزمة اليقين تقوم القرارات على تخمينات وتنبوءات، تفرض المراجعة كلما بدت خاطئة. ويعنينا أن كثرة المراجعة وجه من أوجه الارتباك في التعاطي مع شأن الوباء، مما يؤثر سلبا على الحكامة الأمنية. وأما دعم الاستهلاك ترى كلنا متفق عليه واقتصادنا ضعيف، لأن مستوى تخلف التنمية لدينا لم تُمكننا من الاستغناء عن دعم الاستهلاك.
وبموازاة ذلك، عرّى الصندوق واقع القطاع غير المهيكل، وكشف أن عددا كبيرا من المواطنين لم يجدوا فرص العمل رغم أنهم خريجو المدارس والمعاهد، وحتى الذين يعملون في القطاع الخاص غير معترف بهم كلهم. وإذا وقفت عند عدد المقاولات الصغرى التي حاق بها الهلاك، بينت أن القطاع الخاص هش أحوج إلى الدعم، ستصادف أن الثروة بيد فئة قليلة من المواطنين.
تظل الإجراءات المستعجلة حلولا مرحلية في غياب التخطيط الإستراتيجي. ويحسُن تسجيل احترام التدابير المتخذة لمنع تفشي الوباء أول الأمر، وإن عقبه التراجع والتراخي. وتحسُن الجائحة إذ عمقت وطر المقاربة الشاملة التي تتغمد الأمن والتعليم والصحة والاقتصاد، دون نقاش أيهما أولى بالاعتناء، (الاقتصاد أم سلامة المواطن). لا على مغفرة أخطاء ثبت أنها من وحي الارتجال، كطول أمد الحجر الصحي وضعف فعاليته، رغم صرامة تطبيقه. ولا بأس في تجاوز استنزاف الصندوق دعما للاستهلاك لمدة ثلاثة أشهر، مما أنتج مفعولا غير مرغوب فيه، يتمثل في الانتظارية والتوزيع غير المعقلن للموارد مما نتج عنه الاحتجاج في بعض المناطق. لكن وجب، بعد تعزيز المنظومة الصحية بنسب مرتفعة، الإسراع في سن سياسات عمومية حكيمة في مجال الأمن بكل جوانبه تدمج حقوق الإنسان في متنها.