ثقافة التغيير – تكنولوجياتها ومستقبلياتها عند العلماء والمفكرين 4/2: مكانة -التغيير- فيما قبل ومابعد التكنولوجيا (ب- فى حركية المعرفة)

محمد رؤوف حامد
2020 / 9 / 28

يمثل الطرح الحالى استكمالا للمقال الثانى ضمن سلسلة من أربع مقالات تتعلق بثقافة التغيير, وكان الجزء الأسبق من هذا المقال قد تناول مكانة المنهج العلمى فى "التغيير".

ثانيا) فى حركية المعرفة:

"لايمكن التوصل الى حل لأى مشكلة من نفس مستوى الوعى الذى أوجدها"
البرت أينشتاين

تمهيد:
مع إرتفاع منسوب المعرفة العامة (بمعنى المعرفة بخصوص الشأن العام) عند عموم المواطنين, فى أى مجتمع, يحدث إرتقاء فى قدراتهم على الفهم, والفعل, وردالفعل.

هذا بالضبط هو مايُشاهد حاليا, وبقدر كبير من التلقائية, عند عموم المواطنين فى كافة بقاع العالم تقر يبا.

تبزغ هذه الظاهرة كإنعكاس لمجمل مايجرى فى العالم من تناقضات و مقاربات وتغييرات حادة (أو شبه حادة) فى معظم مجالات الحياة, بدءا من منتجات العلم والتكنولوجيا, مرورا بمفاجئات وأزمات أحوال المال والتجارة والعمل والهجرة, ووصولا الى أوضاع العلاقات الدولية, عالميا واقليميا.

تؤدى هذه الظاهرة بجماهير المواطن العادى الى تخطى المواقف العفوية (أو الوجدانية الخام) تجاه الأحداث, والتفاعل مع مقاربات معرفية (بقدرالإمكان), مثل إستجلاب وتصنيف المعلومات والملاحظات, وممارسة التحليل بشأن عموم الأحداث ومجرياتها (من توجهات وقرارات وقضايا) ...الخ, الأمر الذى يقود بالضرورة الى تصاعد فى القدرة على التقييم, والتقويم, وتصور البدائل (ظاهرة تصاعد منسوب المعرفة السياسية عند عموم المصريين – الشروق – 27 أغسطس 2018).

من هنا, يمكن القول بأن مظاهر التأهل المعرفى الجارى, بخصوص الشأن العام, تتجسد فى حركيات تحوُلية Transformational , تظهر فيها ملامح رئيسية على غرار:
- إستيعابات وتساؤلات إستراتيجية بخصوص قضايا معينة مثل الإرهاب, والصراعات الإقليمية, والحيودات و الإزدواجيات فى العلاقات الدولية.
- تطورات فى إمكانات الحوار, والإستماع النشط لوجهات النظر المعاكسة.

1- التحول الى الحركية:
بالأخذ فى الإعتبار لما سبق ذكره, و بالإشارة الى المعرفة باعتبارها الفهم النظرى والعملى لموضوع ما, أو هى جملة الحقائق و/ أوالمعلومات و/أو القدرات و/أو الإنتباهات التى يمكن أن تُكتسب من خلال الممارسة و الخبرة, أو عن طريق التعليم والتأهيل, فإن للمعرفة ذاتها طاقة تؤدى بمالكها كفرد, أو ككيان (جماعة أومؤسسة أو أمة ...الخ) الى القدرة على الإنجاز (حركية المعرفة السياسية – الشروق- 30 مارس 2019).

قد يتمثل الإنجاز فى صياغة لرؤية (أو توجه), أو فى إقتراح لبدائل, أو فى تصميم لمخطط أو برنامج, أو فى ممارسة للتواصل والتشارك مع الآخر ...الخ.

هنا يجدر الإنتباه الى أن التحول, بمعنى الإنتقال أو التحرك, من مجرد المعرفة بالشىء الى تحقيق الإنجازات, يحدث من خلال ماتحمله (أو تُنشئه) هذه المعرفة عند صاحبها من عزم.

وهكذا, للمعرفة عزم, ومن الطبيعى أن يكون للعزم حركية, والتى تتجسد فى مخرجات وعائدات.

من هذا المنظور تبزغ أهمية تناول أبعاد العلاقة بين منسوب المعرفة وحركيتها. حيث ينشط بينهما عائدا إرتداديا (أى Feedback ) ثنائى الإتجاه.

هذا العائد الإرتدادى لا يتعلق فقط بتصاعد حركية المعرفة مع تصاعد المنسوب, أو بتجريفها مع إنخفاضه (والعكس), وإنما يتعلق - أساسا - بإتجاه المعرفة. هل هو إتجاه إيجابى (أى للصالح المجتمعى/الإنسانى العام), أم إتجاه معاكس يخدم مصالح خاصة, أو مؤقته, أو مضادة للمصالح الإنسانية الأطول مدى.
وهكذا, تبزغ أهمية التعرف على تضاريس حركية المعرفة (لمزيد من التفاصيل: "حركية المعرفة فى الشارع السياسى العربى – 4/5 التضاريس" – الحوار المتمدن – العدد 6272- 26/6/2019).

2- تضاريس حركية المعرفة:

يمكن تناول هذه التضاريس من خلال مايلى:.

1-2 ) دورة حركية المعرفة:

تتجسد حركية المعرفة فى خطوات (أو مراحل) يمكن إيجازها كالتالى:
أ‌) مرحلة التنقيب عن المعرفة ونقلها.
ب‌) مرحلة إستخدام المعرفة وتقييمها.
ت‌) مرحلة تطوير المعرفة وتوليد معرفة جديدة.

( أ ) مرحلة التنقيب عن المعرفة (ونقلها):
تنطلق هذه المرحلة من التصاعد فى منسوب المعرفة. إنه يصنع خليطا جديدا من عمليات الفهم والإندهاش والتساؤل, مما يقود الى الإرتقاء نحو إدراكات جديدة, والتى تتجسد فى أسئلة و/أو مشكلات و/أو رغبات و/أو تحديات.

التحول العملى الذى تصنعه الإدراكات الجديدة يتمثل فى التنقيب عن المسار (أو المسارات) بخصوص التوصل الى إجابات للأسئلة, أو حلول للمشكلات, أو طرق لمواجهة التحديات.

هذا التنقيب قد يُبحر فى الخبرات الذاتية الموجودة فى المعرفة المحلية, كما قد يرجع الى التراث, أو الى خبرات أخرى خارجية, مما يؤدى عموما الى تحديث وتطوير للبنية المعرفية القائمة.

( ب ) مرحلة إستخدام المعرفة (وتقييمها):

يتصاعد منسوب المعرفة أكثر وأكثر مع الإستخدام التطبيقى للمعرفة, خاصة عندما يجرى ذلك فى مسار يتضمن "التقييم وإعادة التقييم", بمعنى تقييم عمليات التطبيق ذاتها, وأيضا تقييم كفاءة المعرفة المنقولة من حيث مدى مناسبتها لما كان قد استدعى التوصل اليها (من أسئلة ومشكلات و تحديات).

( ت ) مرحلة تطوير المعرفة (وتوليد معرفة جديدة):

بلوغ هذه المرحلة يكون نتاجا طبيعيا للتراكم فى الخبرات الناجمة عن المرحلتين السابقتين.

وهنا, قبل النظر الى المراحل الرئيسية الثلاث لحركية المعرفة, كمتتالية صانعة لحلزونية الإرتقاء, ت

تجدر الإشارة الى أن تعويق الدخول الى (أو الإنخراط فى) المراحل الثلاث لحركية المعرفة, أيا كانت خلفياته من أسباب, يُعد المانع الرئيسى لتقدم الكيانات البشرية, من مؤسسات و مجتمعات وبلدان, وبالتالى هو الحاضن الحقيقى للتراجع والتخلف.

2-2 ) الإرتقاء الحلزونى لحركية المعرفة:

يجرى هذا الإرتقاء على منوال متشابه مع عمليات الإزدهار التكنولوجى.
مع إفتراض إنجاز المرحلة " أ", والخاصة بالتنقيب عن المعرفة ونقلها, فإن الخطوة التالية "ب", والخاصة بتطبيق المعرفة وتقييمها تقود الى خبرات تؤدى الى إدراكات من نوع جديد.

هذه الخبرات هى التى تقود الى المرحلة الثالثة (ت), والخاصة بتطوير المعرفة وتوليدها. الأمر المؤكد فى هذه المرحلة هو التوصل الى التصور لتحسينات فى صياغة المعرفة وإستخدامها.

وهكذا, تتواصل العمليات التطويرية, فيما تأخذ شكل "تغذية مرتدة" Feedback بين المرحلتين "ت" و "ب".

ببساطة, المرحلة "ب" تصنع حاجات وأهداف جديدة يكون على المرحلة "ت" إنجازها. وعندما تصل المرحلة "ت" الى الإنجاز (بتوليد الجديد) فإنها تدفع المرحلة "ب" الى إستخدام وتطبيق هذا الجديد, والذى يكون أرقى فى الكفاءة (و/أو الموصفات).

أما عن المرحلة "أ" ,والخاصة بالتنقيب عن المعرفة (ونقلها), فمع إستمرارية الإرتقاء المعرفى يحدث لدورها قدر من التبدل, والذى يظهر فى ثلاث نقاط.

النقطة الأولى تتمثل فى إتساع وتعمق مجال التنقيب, وزيادة سرعته.

وأما النقطة الثانية فتتمثل فى تعظيم الإستفادة من الإرتقاءات التكنولوجية المحضة, مثل الذكاء الإصطناعى (أو ذكاء الآلة).

وعن النقطة الثالثة فتختص بالإرتقاء الى قدر نقل وتصدير المعرفة الى الغير, بشكل مباشر أو غير مباشر.

بعد ماسبق ذكره من تفاصيل, تجدر الإشارة الى أن الإرتقاءات التى تنجزها المرحلة "ت" تكون فى أكثر الأحيان بسيطة, تأتى كإمتداد متوقع, فى ظل الأداءات الروتينية (أو الإنتظامية Regulatory ) التى تحفل بها المرحلة الأسبق "ب" (بخصوص التطبيق والتقييم وإعادة التقييم).

غير أنه يحدث فى بعض الأحيان أن تصل المرحلة "ت" الى تطوير (أو تغيير) جذرى, يكون خارج حدود التوقعات النمطية (أو الخطية). وقد ينطبق عليه الوصف بأنه "من خارج الصندوق".

عندها, تنتقل المرحلة "ب" الى إستخدام (وتطبيق) التغيير الجذرى الجديد, أيضا مع تقييمه وإعادة تقييمه.

عندما يحدث ذلك تكون المرحلة "ب" قد إنتقلت الى مستوى (أو مدار) معرفى أكثر جدة وإرتقاءا مقارنة بكل ماسبق.

من هنا تأتى مسألة حلزونية إرتقاءات حركية المعرفة. حيث تأخذ هذه الإرتقاءات شكل عديد من التصاعدات المتتالية البسيطة, ثم فجأة يحدث قفز الى مدأر إرتقائى أعلى بكثير, والذى ينجم هذه المرة عن التغيير الجذرى.

3-2 ) النماذج (والأمثلة) العملية للحركية الإرتقائية للمعرفة:

توجد هذه النماذج (والأمثلة) فى شتى المجالات والأنشطة, كالإدراة, والمنتجات التكنولوجية, والموضة, والتدريبات والأداءات الخاصة بالرياضات البدنية (مثل الجمباز والقفز بالزانة والقفز العالى وكرة القدم), وكذلك الرؤى والتصورات الفكرية والسياسية ...الخ.
ومن أمثلة هذه النماذج يمكن الإشارة الى مايلى:
- الإدارة الكلية للجودة.
- الإدارة بتطبيق مبدأ "فى الوقت المحدد تماما" Just in Time , أو JIT .
- رسم سيناريوهات لحل الصراعات.
- إمتحانات الكتاب المفتوح, والأخذ فى الإعتبار للأداء الجماعى للطلاب عند منحهم درجاتهم فى الإختبارات (يمكن الرجوع لمزيد من التفاصيل فى مقال بعنوان "خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة" – الحوار المتمدن 2/3/2018 ).
- الهدم البناء (كمفهوم يتعلق بالتنمية التكنولوجية).
- توصُل الشارع السياسى التونسى فى وقت ما الى حل معضلات حادة تعتريه عن طريق مبادرة "الرباعى التونسى للحوار".
- تحولات النموذج الإسترشادى Paradigm Shift (نظرية لتوماس كون).

3- العوامل المساعدة على تعظيم حركية المعرفة:

فيما يلى بعض أهم هذه العوامل:
●إستخدام الإزمة, أى أزمة, كنافذة لحل المشكلات وإحداث تطوير.
●التفاعلية الصحية مع الآخر, والذى يُقصد به نسيج عموم الآخر من المواطنين, من أصحاب المصلحة, والخبراء, والأكاديميين, والمفكرين, والمعارضين السياسيين ... الخ.
●تحريك "الطلب" و "العرض" فى المسافة بين السياسات العامة من ناحية, والبحث العلمى من ناحية أخرى.

4- التوجهات المجتمعية الحاضنة لحركية المعرفة:

لهذه التوجهات أشكال عديدة, ومن أمثلتها مايلى:

(أ‌) توجهات مفاهيمية:
من أمثلة ذلك تأتى "الوطننة", والتى تعنى تجنب الأوضاع أو السياقات أو الإرشادات المفروضة من الخارج بينما يمكن أن يكون لها تداعيات سلبية على عناصر الشأن الوطنى, كالموارد البشرية, والقدرات الإنتاجية والخدمية ...الخ.( "الوطنية فى مواجهة العولمة" – سلسلة إقرأ – دار المعارف- القاهرة - 1999).
إضافة الى ذلك يمكن الإشارة الى التوجه الخاص بالتقدم الأُسى كهدف وآلية لإحداث التقدم بأعلى فعالية ممكنة وبتسارع ( "التقدم الأُسى-إدارة العبور من التخلف الى التقدم" – كراسات مستقبلية – المكتبة الأكاديمية – القاهرة – 1997).

(ب‌) توجهات تتعلق بالإدارة:
من هذه التوجهات إدارة المعرفة ذاتها, وإدارة الإبداع المجتمعى ( "إدارة المعرفة والإبداع المجتمعى" – مكتبة الأسرة – الهيئة العامة للكتاب - القاهرة - 2006).
وبينما يمكن للتوجهات المتعلقة بالإدارة أن تتكامل مع التوجهات الفلسفية للتقدم, فإن التمكن من الأخذ بها يدعم النجاح فى إدارة الجدليات التى يمكن أن تظهر أثناء عمليات التحول, والتى قد تأخذ أشكالا مختلفة, على غرار مايلى:
● التمييز فى مقابل التكامل (فيما يتعلق بالأفكار والخبرات والأفراد والجماعات والخلفيات ... الخ).
● الذهنيات فى مقابل السلوكيات.
● الطاعة (و/أو الإحترام) فى مقابل الرفض (و/أو الإختلاف).
● الجديد فى مقابل القديم (أو التقدمية فى مقابل المحافظة).
● التناقضات التى تنشأ عن (أو تسبب) النقص (و/أو الجهل) المعرفى.

(ج) توجهات سياسية الطابع:
تتعلق هذه التوجهات بالعادات, والممارسات, والقيم التى يمكن أن تتداخل مع الوزن السياسى للأفراد والكيانات, وكمثال, يمكن الإشارة الى ما قد يحدث من إكتساب رجال الأعمال لأوزان أعلى من غيرهم نتيجة ما قد يكون لهم من علاقات وتفاعلات.

5- المخرجات المجتمعية الأعظم لحركية المعرفة:
للتطورات الإيجابية لحركية المعرفة مخرجات نفسية, وإجتماعية, وسياسية تكون فى حد ذاتها صانعة لسياقات حاضنة وسامحة للتقدم.
من أبز هذه المخرجات مايلى:
- رفع مستويات الثقة المتبادلة بين أفراد وكيانات المجتمع.
- زيادة مستويات اليقينية ودرجات الطمأنينة, ومن ثم تقليل القلق المجتمعى.
- زيادة إمكانات وفرص التشاركية (من الأفراد والكيانات) فى إدارة الشأن المجتمعى على كافة المستويات.
- رفع مستويات الوعى بالمستقبليات.

وهكذا, بعد قدر من التوصيف لحركية المعرفة, و لتضاريسها فإن الأعظم فى أهميتة دوما يتعلق بالعلاقة "المتفردة" لحركية المعرفة (ومعها المنهج العلمى والتغيير التكنولوجى) بالمستقبليات, الأمر الذى يحتاج الى التعرف على "تكنولوجيا ثقافة التغيير" باعتبارها منصة إنطلاق, موضوع المقال الثالث ان شاء الله.