الدولة والدولانية في العراق إشكاليات منهاجية وعملانية

عبد الحسين شعبان
2020 / 9 / 28

الدولة والدولانية والدستور والدستورانية في العراق
إشكاليات منهاجية و عملانية



تمهيد
لم يعرف العراقيون في تاريخ دولتهم المعاصر جدلاً دستورياً مثلما عرفوه بعد الاحتلال الأمريكي لبلادهم في العام 2003 . ربّما يعود الأمر في جزء منه إلى تعويض عن غياب دستور دائم منذ "ثورة" 14 تموز (يوليو) العام 1958، حين كرّت الدساتير المؤقتة كل بضعة أعوام أو بعد كل انقلاب عسكري، حيث صدر الدستور المؤقت الأول في 27 تموز (يوليو) العام 1958 وحكم البلاد لغاية 8 شباط (فبراير) 1963، واستبدل هذا الدستور بقانون المجلس الوطني الدستور المؤقت الثاني الذي صدر عقب الانقلاب البعثي الأول وأطاح بحكومة الجنرال "الزعيم" عبد الكريم قاسم.
أما الدستور المؤقت الثالث فقد صدر في العام 1964 عقب انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 الذي كرّس عبد السلام محمد عارف رئيساً للجمهورية. وإثر انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 ومجيء حزب البعث العربي الاشتراكي ثانية إلى السلطة، صدر الدستور المؤقت الرابع في أيلول (سبتمبر) 1968، واستبدل هذا الأخير بدستور مؤقت خامس صدر في تموز (يوليو) العام 1970 واستمرّ لغاية العام 2003 أي نحو 33 عاماً.
ومن المفارقة أن تكون فترة الدستور المؤقت الخامس الذي حكم العراق ثلاثة وثلاثين عاماً، مساوية للفترة التي حكم بها الدستور الدائم الأول الذي شُرّع العام 1925 بإشراف بريطانيا وهو أول دستور للدولة العراقية المعاصرة بعد تأسيسها في 23 آب (أغسطس)1921، والذي أُبطل في العام 1958.
وإذا كان العهد الملكي قد اتّسم بوجود دستور دائم واستقرار نسبي، فقد شهد العهد الجمهوري دساتيراً مؤقتة وانقلابات عسكرية، إلى أن وقعت البلاد تحت الاحتلال وأطيح بنظام صدام حسين الاستبدادي (9 نيسان/ابريل/2003)، بعد حروب لا مبرّر لها دامت نحو ربع قرن وحصار دولي جائر استمر نحو 13 عاماً، حيث تم سنّ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية في العام 2004، وكان قد تردّد أن المشروع الأساسي أعدّه نوح فيلدمان اليهودي الأمريكي المتعاطف مع "إسرائيل" وبدور متميّز لـ بيتر غالبرايت الذي عمل مستشاراً في إقليم كردستان .
ولأن "العراقيين" لم يصوغوا دستورهم في الماضي، فإن نقاشاتهم وحواراتهم بدت أكثر سخونة وحدّة، وربما في بعض منها لتعويض فترة الغياب عن ممارسة "حق مفقود" فالدستور الأول الدائم "القانون الأساسي" وضعت مسودته الأولى وزارة المستعمرات البريطانية، من قبل الميجر يونيك والسير بونهام إدوارد بإشراف المستر دافيدسون، وعرضتها على الملك فيصل الأول فوافق عليها مبدئياً، وأحالها إلى لجنة عراقية ضمّت وزير العدلية ناجي السويدي ووزير المالية ساسون حسقيل وفيما بعد لجنة برئاسة عبد المحسن السعدون وعضوية ناجي السويدي ورؤوف الجادرجي .
أما الدساتير الجمهورية التي أعقبت القانون الأساسي، فقد كانت بقضّها وقضيضها دساتير مؤقتة كما تمت الإشارة إلى ذلك وصدرت بمعزل عن الشعب ولم تتم مناقشتها من قبله، بل كانت هيئات مصغّرة تصوغها وتصدرها الجهة التنفيذية وهي " مجلس قيادة الثورة" في الغالب، الذي كان يعطي لنفسه الحق للنطق باسم الشعب باعتباره قائد الثورة وصاحب مشروع التغيير الاجتماعي.
وكان قد صدر مشروع دستور دائم عشية غزو القوات العراقية للكويت العام 1990، ولكنه لم يرَ النور، وقد تألّف من 179 مادة عكست تجذّر التوجه الشمولي التوتاليتاري في الفكر القانوني السائد، حيث تحدثّت 69 مادة منه عن صلاحيات واختصاصات رئيس الجمهورية، الذي ذكره المشرّع بالاسم خمسة مرّات بصفته " القائد الرمز" و"قائد الشعب" و"قادسية صدّام" و"ابن الشعب وقائده" و" ابن الشعب"، كما جاء المشرّع على ذكر اسم حزب البعث والبعثيين بصيغة المباهاة والتبجح أحد عشرة مرّة في المقدّمة أيضاً، مخالفاً بذلك القواعد المتعارف عليها والمألوفة في الفقه الدستوري .
ولم يشذّ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية عن هذه القاعدة، على الرغم من تشكيل لجنة دستورية موسعة يوم 11 آب (أغسطس) 2003، أي بعد حوالي شهر على تأسيس مجلس الحكم الانتقالي، وتألفت في البداية من 25 عضواً واعتمدت صيغة المحاصصة الإثنية- الطائفية التي قام عليها المجلس والوزارة المنبثقة عنه، ثم جرى توسيعها بعد زيارة كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة التي أشارت إلى ضرورة " إشراك السنّة" في لجنة الصياغة، وهكذا انضم 15 عضواً آخر بصفتهم ممثلين "للسنّة"، كما انضم آخرون ليصبح العدد الكلي 55 عضواً. ومن المفارقة أن يكون المطلوبون من قبل الولايات المتحدة من المسؤولين العراقيين للنظام السابق عددهم 55 أيضاً، وقد جرى طبع صورهم على قائمة أوراق اللعب.
توزع أعضاء اللجنة وفقا لما يأتي : "الشيعية السياسية" والأكراد والقائمة العراقية (إياد علاوي) ومن "الأقلّيات" المقصود المجموعات الثقافية الأخرى التي جاء ذكرها في الدستور بصفة "المكوّنات"، حيث ضمّت أعضاء من التركمان والإيزيديين والكلدو- آشوريين. ولم يكن في اللجنة في البداية سوى 2 من السنّة فقط ، مما دفع كونداليزا رايس لتعديل الصيغة بإضافة أعضاء باسم "السنّية السياسية"، لكن العديد من الإشكالات والمشكلات واجهتها، علماً بأن بعض المسوّدات الأولية كما أشرنا كانت قد وضعت في واشنطن وتم تداولها قبيل وبعد احتلال العراق .
وكان قانون إدارة الدولة بروفة أولية للدستور العراقي الدائم، ونُقل الكثير من قواعده ونصوصه ومواده إليه. ومثلما واجه قانون إدارة الدولة مشكلات عديدة، فإن هذه المشكلات استمرّت في مواجهة الدستور الدائم، المتعلّقة بشكل نظام الحكم والدولة الاتحادية المركبة والعلاقة بين الإسلام والدولة وموضوع الفيدرالية ومشكلة كركوك، ناهيك عن باب الحريات والحقوق الذي يعتبر متقدّماً على جميع الدساتير التي سبقته، لكن ثمة قيود عديدة تكبّله وألغام كثيرة في جوفه يمكن أن تنفجر في أية لحظة، ومنها ما سمّي بالمكوّنات التي ورد ذكرها في المقدمة مرّتين وفي المواد 9 و12 و49 و125 و142، وليس ذلك سوى تقاسم وظيفي مذهبي وإثني انعكس على مؤسسات الدولة وكيانيتها التي قامت وفقاً لصيغة بول بريمر- نغروبونتي - زلماي خليل زاد .
جدير بالذكر أن الدستور الدائم الذي تم الاستفتاء الشعبي عليه (15 تشرين الأول /اكتوبرالعام 2005) نحت ديباجته منحى مشروع الدستور الدائم في عهد صدام حسين الرئيس الأسبق، والذي نُشر عشية غزو الكويت، حيث اتّسمت باللغة الإنشائية التي هي أقرب إلى بيان سياسي استعرض أحداثاً مأسوية كثيرة ، وبلغة تفخيمية وتمجيدية، إذْ كان يمكن الاكتفاء بالقول "نحن شعب العراق الناهض توّاً من كبوته والمتطلّع بثقة إلى مستقبله من خلال نظام جمهوري اتحادي ديمقراطي تعددي ...(كما ورد في النص)، وحذف الأقسام الأخرى التي عدّدت المآسي للفئات والجماعات المختلفة، ولم يدرج مأساة الاحتلال الأمريكي للعراق من بينها، فالدستور ليس المكان المناسب لاستعراض التاريخ المأساوي، وإنما هو استحقاق تاريخي وتتويج يتوافق المجتمع فيه على عقد اجتماعي سياسي جديد، يعبّر عن درجة تطور المجتمع، فلا علاقة لمثل تلك القضايا بالدستور والصياغات الدستورية .
والدستور باعتباره مجموعة القواعد القانونية الناظمة لعلاقات الدولة بالمجتمع واختصاصات الدولة وأجهزتها وحقوق المواطنين وواجباتهم، هو تعبير عن تطوره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والروحي في مرحلة من مراحل تطوره وعليه يمكن القول : إن الدستور هو القانون الأساسي في أي دولة يعبّر عن إرادتها وينظم علاقات السلطات ببعضها وعلاقتها بالمواطنين الذين ينظم حقوقهم وواجباتهم .
والدساتير الفضلى ليست هي التي تُقنِنْ آيديولوجيا المبادئ والأهداف الإنسانية التي يبشر بها الآيديولوجيون، بل هي الدساتير التي يمكن للمجتمعات التي تعمل بموجبها وأن تسير في تطورها الآني ضمن قيمها .
ولذلك كان الدستور وما زال أحد الإشكالات الأساسية للدولة العراقية لأنه يعتبر "أبو القوانين" والمقياس الذي تُقاس به دستورية القوانين، باعتباره يمثّل القاعدة العليا في الدولة، أي أن لقواعده طبيعة علويّة وسموّاً على بقية القوانين، فالدستور هو الذي يجدّد طبيعة الدولة ونظامها السياسي وعلاقة الحكام بالمحكومين والفرد والمجتمع بالسلطة .
ويعرّف منذر الشاوي الدستور بأنه "مجموعة القواعد أو السنن والقوانين التي تتعلق بتنظيم ممارسة السلطة في الدولة" .
أما لفظ الدستور فيقول العالم اللغوي العراقي مصطفى جواد في "المعجم المستدرك" إنه يعني "الوزير الكبير" ويحيل إليه في الأصول ، التي تعود إلى " الدفتر" الذي يجمع قوانين الملك وضوابطه .
أسس الدولة الجديدة
لعلّ ما ورد في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، كان الخلفية الدستورية التي قامت عليها أسس الدولة العراقية الجديدة الاتحادية كما حدّدتها المادة الأولى من الدستور "المؤقت" حين نصّت "نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي " (فيدرالي) ديمقراطي، تعددي، ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية. ويقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية والفصل بين السلطات..." .
وهكذا تحوّلت الدولة العراقية من دولة بسيطة، حيث استمرت نحو ثمانية عقود من الزمان، لاسيّما بعد استقلالها ودخولها عصبة الأمم في العام 1932، إلى دولة مركبة "اتحادية" جديدة. وكان قد جرى النقاش حول مستقبل الدولة العراقية ذات الطبيعة المركزية الصارمة في اجتماعات المعارضة منذ العام 1992 في مؤتمري فيينا وصلاح الدين . وقد تولّدت قناعات جديدة لجهة لا مركزيتها وكان الاتجاه يميل إلى صيغة الدولة المركبة، أي " الاتحادية" (الفيدرالية). وقد بُني على أساسها قانون إدارة الدولة والدستور الدائم الذي تم إقراره في 15 آب (أغسطس) 2005 وجرى الاستفتاء عليه يوم 15 تشرين الأول (أكتوبر) من نفس العام، وتمت الانتخابات النيابية بموجبه في 15 كانون الأول (ديسمبر) من العام ذاته.
لكن الدستور " الموعود" خيّب الآمال والطموحات التي كان ينتظرها العراقيون فحمل في طياته ألغاماً عديدة تكاد تنفجر عند أي احتكاك أو حساسية بين ما أطلق عليه اسم " المكوّنات " فقد صيغ وفقاً لرؤى وتصوّرات الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر ومصالح الولايات المتحدة، وعلى أساس قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وقد أثار إشكالات وعقد زادت مع مرور الأيام، خصوصاً في ظل التفسيرات والتأويلات المتناقضة والمتعارضة، والألغام الكثيرة التي احتواها ، وعلى الرغم من حصول القوى النافذة على مزايا وصلاحيات فاقت طموحاتها أحياناً بسبب اختلال توازن القوى وبمساعدة القوى الخارجية، فإنها هي الأخرى ظلّت تشكو من غبن وإجحاف وتطالب بإنصافها، الأمر الذي عطّل إلى حدود كبيرة مواد الدستور الأساسية، لاسيّما بتوافق القوى السائدة والتقاسم الوظيفي المذهبي والإثني الذي حكم المعادلة السياسية .
وانعكس بعض نصوص الدستور المرتبكة على لغة الصياغة، فجاءت في بعض الأحيان ضعيفة المبنى ومتناقضة المعنى، وخصوصاً لجهة دلالاتها، إرضاء للأطراف المتحالفة - المتعارضة "الإخوة الأعداء" . وقد أجرت الباحثة أنيد هيل Enid Hill مقارنة بين صياغة الدستور (الدائم) التي جاءت مرتبكة ومتناقضة، وبين الصياغة المحكمة للقانون المدني العراقي التي كتبها عبد الرزاق السنهوري والذي حاول فيها أن يولّف بين بعض الأحكام الإسلامية مع القوانين الغربية العصرية، وكانت تلك أول تجربة عربية قانونية حداثية.
قضايا عقدية
بقي الكثير من القضايا العقدية في الدستور عالقاً أو معلّقاً ومحلّ خلاف انفجر لاحقاً مثل حدود الفيدرالية وسقفها وموضوع حق ثلاث محافظات في إبطال أي تعديل دستوري، وقضية الأقاليم من غير إقليم كردستان، حيث كان مجلس النواب قد أقرّ قانوناً للأقاليم رقم 13 في 1/1/2008 لكنه تم تأجيل تطبيقه إلى 18 شهراً ، وبعد ذلك طواه النسيان، وقضية كركوك والاختلاف بشأن المادة 140 التي جاءت مرحّلة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والمناطق المتنازع عليها، وتوزيع الثروة والمياه ومشكلة الموارد الطبيعية، لاسيّما النفط والغاز.
وعلى الرغم مما ورد في نص المادة 111 من أن "النفط والغاز ملك الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات"، لكن نصوصاً وتفسيرات تعويمية أبقت قضية النفط والصناعة النفطية في البؤرة الساخنة بين بغداد وإربيل، وبين الأخيرة وبعض الأطراف الحكومية والسياسية بشكل خاص، ناهيك عن أطراف أخرى كان بعضها خارج العملية السياسية.
وإذا كان النفط محور الصراع السياسي والاجتماعي في العراق وفي المنطقة، فإنه كمشكلة اقتصادية حيوية سيؤثر سلبياً أو إيجابياً على مسيرة العراق في المستقبل القريب والبعيد، وهو مفصل أساسي بالنسبة لواشنطن أيضاً التي غامرت بغزو العراق من جهة ، ومن جهة أخرى بالصراع الدائر على السلطة والثروة والنفوذ، قرباً أو بعداً عنها.
ويتعلّق الأمر بغموض بعض مواد الدستور التي لها علاقة بالنفط والصناعة النفطية و"الغازية"، إضافة إلى صلاحيات السلطة الاتحادية قياساً إلى صلاحيات السلطة الإقليمية، تحت مبرر التخلّص من آثار الدولة المركزية الشمولية وتحت عنوان الفيدرالية، وقد أعطت للأقاليم حق التصرّف في الحقول النفطية غير المستخرجة بالاتفاق مع السلطة الاتحادية (الفيدرالية)، الأمر الذي أثار حساسيات ومشاكل بين إقليم كردستان وبغداد ، خصوصاً بعد رفض السلطات الاتحادية العقود التي وقعتها حكومة الإقليم مع الشركات النفطية.
وهكذا نشبت أزمة بين بغداد وإربيل تفاقمت مع مرور الأيام، لاسيّما خلال وعقب هيمنة داعش على الموصل 10 حزيران (يونيو) 2014، وقال وزير النفط حسين الشهرستاني في حينها أن العقود التي وقعتها إربيل مخالفة للدستور وهي غير قانونية وغير أصولية ، خصوصاً بعدم استشارتها وزارة النفط، وأشار إلى أنه لن يسمح بتصدير النفط من كردستان، كما إنه لن يسمح للشركات الموقعة لعقود العمل باستخراج وتصدير النفط بهذه الطريقة وهي تتحمّل تبعات مخالفة القانون العراقي .
تعديل الدستور
كان يفترض أن يتم تعديل الدستور، بناءً على اتفاق بين القوى السياسية عشية الاستفتاء عليه، باعتباره شرطاً لبعض القوى التي كانت ممانعة للتصويت عليه بالصيغة المعتمدة، لاسيّما "جبهة التوافق" في حينها، ولكنه لم يتم التوصل إلى اتفاق بذلك وتم تأجيل المسألة إلى ما بعد الانتخابات، حيث حُدّدت فترة 4 أشهر بعد افتتاح جلسات البرلمان بعد الانتخابات العام 2005 لإنجازها، وشُكّلت لجنة لهذا الغرض، لكنها وصلت إلى طريق مسدود، وقد انتهت ثلاث دورات انتخابية وعام جديد من الدورة الانتخابية الرابعة ولم يتم إجراء التعديلات المذكورة، فلا القوى التي وعدت بتنفيذ ذلك استجابت، ولا القوى التي أصرّت على إجراء التعديلات واصلت ذلك أو طالبت به، وهكذا ظلّت الصيغة القائمة تحمل عواراً باعتراف جميع القوى.
ظلّ تعديل الدستور الدائم مجمّداً حتى الآن أو مؤجلاً إلى إشعار آخر، ناهيك عن صعوبته التي هي أقرب إلى الاستحالة في ظلّ العقبات التي احتوتها مواده، علماً بأنه يعدُّ من الدساتير الجامدة، خصوصاً فيما يتعلق ببعض المواد، يضاف إلى ذلك فإن نحو 50 مادة من مواده ذُيلت بصدور قانون لتكون صالحة للاستعمال، إلاّ أن هذه القوانين لم يتم تشريعها من جانب البرلمان، وهكذا فإن غالبية هذه المواد ما تزال غير نافذة هي الأخرى، بل إن قسمها الأكبر معوّماً وهو أمر يحتاج إلى أكثر من دورة برلمانية اعتيادية لكي يتم إنجازها، كما تبيّن التجربة، وهذا يعني أن أزمة العملية السياسية المستفحلة منذ العام 2003 ولحد الآن ستصبح أكثر تعقيداً، ناهيك عن الوضع الأمني للبلاد بشكل عام، خصوصاً بعد احتلال داعش للموصل ونحو ثلث الأراضي العراقية بما فيها محافظتي صلاح الدين والأنبار وأجزاء من محافظتي ديالى وكركوك ووصوله إلى مشارف العاصمة بغداد، ورغم هزيمته إلّا أن خلاياه النائمة وبيئته الحاضنة ما تزال موجودة ويحتاج القضاء عليها جهداً فكرياً وثقافياً معمّقاً وإنجازات حقيقية اجتماعية واقتصادية وخدمية في مجالات الصحة والتعليم والعمل والبيئة وعموم البنية التحتية، لاسيّما بمحاربة الفساد ووضع حد لنفوذه الذي يغذي الإرهاب .
وقد ورد في الأحكام الختامية والانتقالية بخصوص التعديل ما يلي: أولا- لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) أعضاء مجلس النواب اقتراح تعديل الدستور. ثانيا- لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلّا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين وبناء على موافق ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. وثالثا- ..... ورابعا- لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم
وعلى الرغم من هزيمة داعش عسكرياً (أواخر العام 2017) وبمساعدة التحالف الدولي ودول الإقليم، لكن انفجار أزمة استفتاء إقليم كردستان في 25 أيلول (سبتمبر) العام 2017 زاد من تعقيد الوضع السياسي، لاسيّما ردود الفعل التي واجهها نظرياً وعملياً، وكان الدستور محور المشكلة الأساس، فهو من جهة لا يقرّ بالحق بالانفصال أو الاستقلال، لكنه من جهة أخرى أعطى صلاحيات أقرب إليه وبما يتجاوز النظام الفيدرالي ، بل النظام الكونفدرالي كنظام قانوني، ومثل هذا التناقض أحدث حالة استعصاء للدستور أو استحالة تطبيقه أو الاحتكام إلى قواعده بسبب جوانب عملية وأخرى فنّية وإشكاليات سياسية ودينية وطائفية،خصوصاً في ظل التمترس الطائفي والمذهبي واستمرار ظاهرة العنف والإرهاب واستشراء الفساد المالي والإداري، على الرغم من تشبّث "الجميع" بالدستور!.

الدين والدولة
على الرغم من أن الدستور يتوسّع في وضع الأحكام بخصوص الديمقراطية والحرّيات، وهما مسألتان إيجابيتان وردتا فيه، فهناك مضادّات تقف بوجههما وتحدّ من امتداداتهما، لاسيّما في علاقة الدين بالدولة، حين نصّ الدستور في المادة الثانية على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع، وفي الفقرة "أ" لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، وتلك هي أيضاً قضية إشكالية، خصوصاً بتداخلها مع اجتهادات وآراء المفسّرين والمؤوّلين الذين يسعون لتوظيفها سياسياً ومذهبياً أحياناً، وهي واحدة من إفرازات الوضع العراقي بعد الاحتلال، ويقابل هذه النصوص، نصوصاً أخرى خاصة بالديمقراطية والحرّيات حيث أكدت المادة الثانية نفسها الفقرة "ب" من الدستور على أنه: «لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية» والفقرة "ج" التي نصّت على: «لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور» .
وكقانوني أقول لقد كان كافياً القول إن الإسلام دين الدولة (وخصوصاً أنها فقرة عامة وردت في الغالبية الساحقة من النصوص الدستورية السابقة في العراق أو في معظم دساتير البلدان العربية) علماً بأن لا دين للدولة، فالدين هو دين المؤمنين: مسلمون كانوا أم مسيحيون أم إيزيديون أم صابئة مندائيون أم يهود أم غيرهم، وتكون الدولة المدنية في العادة، محايدة وتضع مسافة واحدة من جميع الأديان والتكوينات القومية أو الإثنية أو السلالية أو اللغوية أو غيرها.
وحتى لو اعتمدت فقرة تقول بأن الإسلام هو دين الأغلبية الساحقة من السكان، فسيكون الأمر مفهوماً بمراعاته عند صياغة أي قانون أو تشريع، ثم ماذا لو حصل اختلاف بين نص دستوري يفسره "الإسلامويون" أو "الإسلاميون" بشيء، وبين الديمقراطية وحقوق الإنسان والحقوق والحرّيات العامة والخاصة، التي يمكن تفسيرها بشيء آخر؟ فلمن ستكون الغلبة، خصوصاً بين المصادر الأساسية التي يعتبر الإسلام واحداً منها؟
وتعكس هذه النصوص ارتباكاً حقيقياً في الصياغة وترضية متناقضة للفرقاء، ناهيك عن عدم وجود فهم مشترك للأطراف المعنية المؤتلفة والمختلفة، ما يدلّ على ضعف الثقة بينها، بل وانعدامها في أحيان كثيرة، فضلاً عن تداخل السياسي بالديني، والديني بالمذهبي، وهذا الأخير بالفقهي، في ظل اختلاف الفقه والمجتهدين والاجتهاد تاريخياً، يضاف إلى ذلك تداخل العراقي بالإقليمي والدولي، وتأثيرات القوى المتنفذة في هذا المجال.
وإذا كانت الأوساط السياسية العراقية، لاسيّما المشاركة بالحكم والعملية السياسية أخذت تتحدّث عن الدستور وتدعو إلى التمسك به وتعزو صراعاتها إلى مخالفة أحكامه أو بعض مواده، فذلك يعود إلى انتشار "الثقافة الدستورية"، وهي مسألة إيجابية وإنْ كان تفسيرها لا يزال اعتراضياً ومصلحياً، وأحياناً بالضد من المعايير القانونية، خصوصاً في النظر إلى دور القضاء، لاسيّما عند الفصل في القضايا السياسية الشائكة، مثلما حصل في موضوع "حق الترشيح" للانتخابات لبعض من قيل شمولهم بقانون "اجتثاث البعث"، أو "قانون المساءلة والعدالة" وفيما بعد تفسير "الكتلة الأكبر" بعد حصول إياد علاوي على 91 مقعداً وحصول نوري المالكي على 89 مقعداً فهل المقصود نتائج الانتخابات أو التحالفات داخل البرلمان لتشكيل الكتلة الأكبر، وإذا كان اللجوء إلى بعض القضايا للمحكمة الدستورية العليا لحسمها، فإن قراراتها غالباً ما تُنتقد ويُشكّك بفتواها، لاسيّما إذا جاءت متعارضة مع التوجه السياسي لهذا الفريق أو ذاك، وقد انفجر الخلاف مجدداً بشأن الكتلة الأكبر أو الأكثر عدداً بعد حركة الاحتجاج الواسعة التي اندلعت في 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، لاسيّما بخصوص تسمية رئيس الوزراء بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي .
وفي الغالب الأعم يتم استخدام الدستور والاحتكام إليه في غير موضعه، والأغرب من ذلك فإن مواد الدستور غالباً ما يجري الاستهتار بها، ويتم تعطيلها بحجة التوافق، ولعل اتفاق إربيل بخصوص إنشاء المجلس الوطني للسياسات العليا، الذي اسميته "غير الممكن دستورياً" ليس سوى أحد هذه المظاهر الصارخة، التي يتم ابتداعها، لاسيّما إذا كانت مصالح الاصطفاف السياسي والمذهبي والإثني تقتضي ذلك، وهناك العديد من الأمثلة التي لا يتّسع المجال لذكرها.
الدولة البسيطة والدولة المركّبة
لعلّ الاختلاف بين دساتير ما قبل الاحتلال العام 2003 وما بعده وأعني بذلك الدستور المؤقت " قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" والدستور العراقي الدائم هو شكل الدولة وطبيعتها، فقد كانت في جميع الدساتير السابقة تعتبر العراق دولة بسيطة، وأصبحت بعد العام 2003 دولة مركّبة، أي اتحادية حسبما ورد في المادة الأولى من الدستور التي تقرّر "جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ، وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق".
ثم جاءت بقية مواد الدستور لتؤكد التوجّه الفيدرالي في الحكم من حيث اللغات الرسمية المعمول بها في البلاد (م 4) التي نصّت اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان في العراق، ويضمن حق العراقيين بتعليم أبنائهم باللغة الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية... وتصدر الجريدة الرسمية باللغتين، وتكون لغة التكلم والمخاطبة والتعبير بأي منهما ، وكون الدستور الجديد نافذاً في كل أنحاء العراق ولا يجوز سن دستور إقليمي يتناقض معه (م 13)، وتحديد مؤسسات الحكم الاتحادي: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية (م 47، م48، م 49، م 65 (الخاصة بمجلس الاتحاد الذي يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات، والذي لم يتشكل حتى الآن)، (م89 الخاصة بتنظيم السلطة القضائية وما بعدها إلى م 101)، والهيئات والمجالس الاتحادية (م105، م 106، م107)، وكيفية توزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم (م 110، م 111، م 112، م 113، م114، م115)، والآليات الدستورية لتكوين الأقاليم الجديدة في الدولة الاتحادية الناشئة (م 116، م 117، م 118، م119، م120، م121) .
وانتبه المشرّع الدستوري إلى الخلط الشائع بين الفكرة الفيدرالية وفكرة التقسيم فقرر في المادة 109 على بيان الفرق بينهما حيث نصت على أن "تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي" ، ولعل الهدف من هذا النص هو وضع عراقيل أمام رغبات البعض في الانفصال، لكن ذلك لم يمنع الجدل والنقاش حول مشاريع التقسيم، سواءً عند إقرار صيغة قانون الأقاليم أو ما بعدها، ولاسيّما خلال الترويج لمشروع بايدن العام 2007 الذي صادق عليه مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية 75 صوتاً مقابل 25، لكنه لم يكن ملزماً، وقام هو بجولة على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وعرضها عليهم وذلك قبل أن يصبح نائباً للرئيس أوباما في مطلع العام 2009.
ويتلخّص مشروع بايدن بتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق أطلق عليها "فيدراليات"، وعندما أصبح نائباً للرئيس أوباما انشغل بالموضوع العراقي إلى حدود كبيرة. يكفي أن نشير إلى أنه حلّ "ضيفاً " مفاجئاً على بغداد ثلاث مرّات خلال فترة قصيرة، سبقت وأعقبت الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 آذار (مارس) 2010، وكان آخر زيارة له إلى بغداد للإشراف على اللمسات الأخيرة لانسحاب القوات الأمريكية من العراق وبُعيد إطلاق دعوة الأقاليم أو الفيدراليات إثر مطالبة مجلس صلاح الدين للتحوّل إلى إقليم.
الفيدرالية والتقسيم
ساد الاعتقاد لعقود من الزمان أن الدولة العراقية تقوم باحتكار المسؤوليات لتضعها بيد السلطة التنفيذية، حيث يتم التغوّل على السلطات الأخرى، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى الدكتاتورية، ولعلّ الحكومات العراقية السابقة منذ ثورة 14 تموز(يوليو) العام 1958 ولغاية وقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003 تمثّل نموذجاً لها، لاسيّما في فترة حكم حزب البعث، التي قاربت 35 عاماً، وخصوصاً في فترتها الثانية حين أصبح صدام حسين "الزعيم" بلا منازع منذ العام 1979، ولذلك تولّد شعور عام ضد الدولة المركزية، لأن نموذجها السائد هو النموذج الدكتاتوري الاستبدادي.
وواجه مثل هذا الاعتقاد الخاطئ، اعتقاد آخر لا يقلّ خطأً مفاده أن اللّامركزية ولاسيّما النموذج الفيدرالي سيؤدي إلى التقسيم والانفصال، خصوصاً وأن ثقافة الدولة المركزية الشمولية ظلّت سائدة ومهيمنة، ومثل هذا الاعتقاد كان يُثار بوجه الكرد ومعهم قوى يسارية حيث كانوا يطالبون بالحكم الذاتي وفيما بعد بالفيدرالية . وكانت مثل تلك المطالبات أقرب إلى المحرّمات التي تصل إلى حدّ الخيانة، قبل اتفاقية (بيان 11 آذار/مارس) العام 1970 بين الحركة الكردية بزعامة الملّا مصطفى البارزاني والحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر، لكن الأمور تغيّرت تدريجياً وأخذت الكثير من الأوساط تقتنع بحقوق الكرد وتقرّ لهم بصيغة الحكم الذاتي، ولاحقاً وربما على مضض في إطار المعارضة العراقية بحق تقرير المصير وبنوع من الفيدرالية، أطلق عليها "نظام الولايات" رديفاً لها، وهو ما تمت محاكاته من التاريخ الإسلامي لإرضاء أوساط إسلامية بفكرة الفيدرالية.
لكن الاعتقاد الأول مثلما هو الاعتقاد الثاني بشأن مركزية أو لا مركزية الدولة، طرأ عليه الكثير من التغييرات، بل والانقلابات، مثلما حصل في الخريطة السياسية للقوى والأحزاب العراقية، لاسيّما بعد العام 2003، وقد حصل ذلك في ظرف اتّسم بالخوف وعدم الثقة وهو ما تم نقله إلى أجواء إعداد الدستور الدائم، الذي استند في غالبية مواده، لاسيّما ذات الطبيعة العقدية والإشكالية على قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وهكذا سُلقت الكثير من القضايا على عجل، وكانت مسألة إنجاز مسوّدة الدستور قد تمت بتشكيل لجنة موسعة. وعلى الرغم من التحفظات التي أبدتها بعض الكتل على موضوع الفيدراليات وعلى مواد أخرى في الدستور، التي تم الاتفاق على تعديلها، إلاّ أنها صوّتت في نهاية المطاف لصالحه عند عرضه للاستفتاء العام.
وكان من المفترض أن يتم تعديل الدستور الدائم كما وردت الإشارة إليه، لكنه لم يتم التقدّم بخطوات ملموسة على هذا الطريق وتُرك الحبل على الغارب كما يُقال، وظلّت العدد من مواد الدستور جوفاء أو غير نافذة كما أن التعديلات غير منجزة، وكلا الأمرين يحتاجان إلى إرادة سياسية وقناعة (موحّدة) بأهمية التعديل، وتوافق على إلغاء العقبات التي تحول دونها بحيث يمكن التعديل من جانب "الأغلبية"، سواءً كانت نسبية أم مطلقة.
كما تحتاج عملية التعديل إلى توافق أولي وعمل مضني بسبب التباعد بين القوى السياسية وضعف الثقة، ناهيك عن وصول العملية السياسية إلى طريق مسدود وتنامي عوامل الشك والحذر والخوف، وزاد الأمر تعقيداً بعد الانسحاب الأمريكي من العراق من جهة وتعاظم النفوذ الإيراني الداعم لقوى السياسية الشيعية من جهة أخرى، على الرغم من الحضور الأمريكي اللافت بعد احتلال داعش للموصل وفي إطار التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وتوجد نحو 20 قاعدة عسكرية أمريكية في العراق أهمها "قاعدة عين الأسد" غرب العراق التي زارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عشية أعياد الميلاد كانون الأول (ديسمبر) 2018، كما أن سحب القوات الأمريكية من سوريا وتحويل مهمتها إلى العراق، ألقى بظلال جديدة من الشك حول مدّة بقائها في العراق، علماً أن رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي يقول إن مهمتهم ليست قتالية، بل فنية وتدريبية، في حين أن ما بحوزتهم من أسلحة ومعدّات تفوق ذلك بكثير. ولا ننسى وجود قاعدة عسكرية تركية قرب إربيل وترفض تركيا سحب قواتها بذريعة مكافحة حزب العمال الكردستاني PKK .
وقد أعاد التحرك الأمريكي في العراق إلى حلبة النقاش في البرلمان وخارجه موضوع سحب القوات الأجنبية من العراق، وهو ما سيقرّره البرلمان وسط جدل واستقطاب حادين بين رافض بزعم استعادة السيادة ومحذّر بحجة عودة داعش وتحرك الخلايا النائمة و"الذئاب المنفردة"، وقد بلغ عدد الجنود الأمريكان 6 آلاف عسكري .
لعلّ تبدّلات كبيرة وخطيرة قد حصلت في المشهد السياسي العراقي، فالقوى التي رفضت الدستور ولم تصوّت عليه أو صوتت ضمن "صفقة سياسية لم تكتمل" بسبب تضمّنه موضوع الفيدرالية، أصبحت هي اليوم أكثر حماسة له، لاسيّما وأن بعضها هو الذي تبنّى مطلب الفيدرالية التي لم يجد لها من بدٍّ أو بضعة تبريرات أو لم يعارضها على أقل تقدير.
ومن المفارقة أن مطلب الفيدرالية الذي كان "مدنّساً" في السابق في محافظات صلاح الدين والأنبار والموصل وإلى حدود معينة في ديالى، أصبح "مقبولاً"، ولاسيّما بعد تأويلات وتفسيرات وتبريرات مختلفة له على الرغم من وجود معارضة شديدة، ضده في هذه المحافظات وفي أوساط شعبية واسعة، باستثناء إقليم كردستان الذي كان رأيه من البداية تشجيع قيام أقاليم، وكان هذا موقفه خلال كتابة نص الدستور ومناقشة صياغته وما بعده.
المفارقة الأخرى أن أكثر من ثلثي الناخبين في محافظتي صلاح الدين والأنبار صوّتوا ضد الدستور (لأنه نصّ على الفيدرالية)، وكان من المفترض أن يسقط الدستور لو صوّتت محافظة الموصل بأكثر من ثلثي الناخبين ضده، وكاد الأمر أن يحصل بفارق بسيط، وربما بتداخلات أدّت إلى تغيير المسار حيث كان يمكن لثلاث محافظات أن تبطل مفعول الدستور فيما إذا عارضه ثلثي الناخبين في تلك المحافظات ( بغض النظر عن الطعون بنزاهة الانتخابات وعمليات التزوير التي رافقتها).
الوجه الآخر لهذه المفارقة هو أن الذين كانوا يتحمّسون للدستور وللفيدرالية، وخصوصاً المجلس الإسلامي الأعلى (الذي انبثق منه تيار الحكمة برئاسة عمّار الحكيم وفيلق بدر بقيادة هادي العامري) وحزب الدعوة بأجنحته المتعدّدة، بدوا وكأنهم استبدلوا مواقعهم مع جبهة التوافق والحزب الإسلامي وأطراف مهمة من القائمة العراقية لاحقاً، بحيث انتقل هؤلاء من مواقع المؤيدين إلى مواقع المعارضين لتطبيق النظام الفيدرالي أو قانون الأقاليم خارج نطاق إقليم كردستان، بحجة أن الظرف غير مواتٍ، وأن إقليم صلاح الدين سيتحول إلى ملاذ للبعثيين المخلوعين والمحرّم عليهم العمل السياسي بموجب قانون الاجتثاث. وهكذا تم استبدال المواقع فقد انتقل المعارضون أو المتحفظون على مشروع الفيدراليات الذي أطلقوا عليه " دوقيات" و"كانتونات" و"مناطقيات" متهمين دعاتها بخدمة المشروع الإمبريالي - الصهيوني، إلى مسوّغين ومبرّرين للفكرة ذاتها بل حاولوا أن يجدوا الحجج والذرائع المذهبية وغير المذهبية لتبرير مطالبتهم بالفيدرالية، والعكس صحيح أيضاً.
إن تغييراً جوهرياً حصل في الخريطة السياسية العراقية، بحيث أصبح بعض دعاة اللّامركزية أشد مركزية من مروّجيها، أما من كان يتمسك بالنظام المركزي، فقد بدا أكثر رغبة في حكم لا مركزي فيدرالي، وهو القرار الذي اتّخذه مجلس محافظة صلاح الدين الرافض للفيدرالية سابقاً، والمرفوض لاحقاً من جانب رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي والائتلاف الشيعي المؤيد سابقاً للفيدرالية، والرافض لها حالياً والمتمسّك بخيار حكومة مركزية قوية.
ومثل هذا الموقف سبق لرئيس البرلمان العراقي السابق أسامة النجيفي أن اتخذه بخصوص دعوته إلى الخيار الفيدرالي للسنّة الذين يشعرون بالتهميش والإقصاء، فيما إذا استمر الوضع كما هو، في حين أن الذي روّج للخيار الفيدرالي سابقاً والذي سمّي بالأقاليم هو المجلس الإسلامي الأعلى ورئيسه السيد عبد العزيز الحكيم، الأمر الذي يعني أن كثباناً رملية كبيرة يمكن أن تتحرّك لتغيّر الخارطة السياسية العراقية، لاسيّما بعد مطالبة مجلس محافظة الأنبار وكذلك مجلس محافظة ديالى بالتحوّل إلى إقليم، حيث اندلع الجدل حاداً وساخناً حول موضوع الخيار الفيدرالي الذي يؤيده غالبية أعضاء مجالس المحافظات الثلاث ويعارضه آخرون، ولكن ردود فعله ملتبسة في مجلس النواب، وبشكل أكبر في الشارع العراقي، وهو الأمر الذي واجه المطالبة بقيام إقليم البصرة.
لقد كانت مبرّرات المحافظات المذكورة برفض الفيدرالية، إضافة إلى أوساط سياسية من خارج وداخل العملية السياسية، أن الفيدرالية تؤدي إلى تقسيم البلاد تمهيداً إلى انفصالها.
وكانت محطّة الاستفتاء الكردي تأكيداً على أن واشنطن في ظل المرحلة الحالية، لا تريد تجزئة العراق، وإنما تريده كاملاً، خصوصاً إذا تمكّنت من إبعاده عن دائرة النفوذ الإيراني، وقد تكون الإدارة الأمريكية ومؤسساتها الأكاديمية والاستخبارية قرأت اللوحة السياسية وتوصلت إلى استنتاج مفاده أن قبولها بالتقسيم سيعني اقتراب الجزء العربي من العراق من إيران، لاسيّما من جنوب بغداد وإلى البصرة (أي الفرات الأوسط وجنوب العراق) ، وهذا في غير صالحها.
المثير في الأمر هو اتهام نوري المالكي رئيس الوزراء، حينها مجلس محافظة صلاح الدين أو المطالبين بالفيدرالية لشعورهم بالتهميش والتمييز وثقل أعباء الحكومة الاتحادية، بالانفصالية، معتبراً طلبهم هذا غير مشروع توقيتاً وهدفاً، لاسيّما وهو يأتي عشية الانسحاب الأمريكي من العراق ولحماية البعثيين، في حين أن النص الدستوري يفترض أن يعرض رئيس الوزراء طلب مجلس المحافظة على البرلمان العراقي، وفيما بعد يتم إجراء استفتاء، لاسيّما وأن المادة 119 من الدستور منحت الحق لكل محافظة أن تصبح إقليمياً بطلب من ثلثي الأعضاء في كل مجالس المحافظات أو بطلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تريد تكوين إقليم . هكذا تبدو الفيدرالية العراقية كثباناً رملية متحرّكة لا تعرف حدودها!
وإذا كان وراء كل مشكلة قانونية إشكالية سياسية، فإن المسألة لا تتعلّق بالدستور حسب، بل بالعملية السياسية ككل، وقد تداخل الأمر بينهما لدرجة الاشتباك بحيث أصبح من الصعب حلّه، لا فيما يتعلّق بالصياغات والقواعد القانونية العامة، وإنما من خلال المواقف والإستقطابات السياسية، وهو ما ثار بين القائمة العراقية برئاسة د. أياد علاوي وبين دولة القانون برئاسة نوري المالكي، وقد أصبحت مثل هذه الاصطفافات أكثر حدّة وربما تناحراً بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام 2011، وقد كانت تلك المعركة بمثابة "معركة كسر عظم" كما يقال، خصوصاً وقد اقترنت بتداخل خارجي إقليمي، لاسيّما من جانب إيران، وهو ما تبديه بعض القوى السياسية.
وإذا كان قد أصبح للعراق دستور دائم، وإنْ اختلفت وتعارضت وجهات النظر بشأنه، لكنه على الرغم من جميع مساوئه وهي كثيرة وكل مثالبه وهي ليست قليلة وكامل ألغامه وقنابله الموقوتة وغير الموقوتة وهي متشعبة، بل ومعقدة، إلاّ أنه احتوى على بعض الإيجابيات التي تتعلّق بالحقوق والحرّيات وقواعد الديمقراطية والمواطنة وفصل السلطات واستقلالية القضاء واختيار الحكّام في إطار التداولية والتعددية، وإنْ كان بعض هذه الحقوق أعطيت بيد وجمّدت باليد الأخرى، لاسيّما باشتباك إشكالية الدين والدولة، فجاء الدستور خليطاً من الأفكار والمفاهيم المتعارضة دون وحدة موضوع أو اتفاق مضمون.