بايدن ليسَ اشتراكياً كما يزعُمُ ترامب وبعضُ وسائلِ الإعلامْ

لينا صلاح الدين
2020 / 9 / 28

إن قرارَ اعتمادِ التوجهِ الاشتراكي ليس سهلاً على دولة تأسستْ قاعدتُها الاقتصاديةُ على يدِ جي.بي.مورغان، روكفيلير، كارنيغي وغيرهم. فمثل هذا القرار قد يؤدي إلى تثْبيط الاستثماراتِ الخارجيةِ ونفورِ رؤوس الأموال المحليةِ إلى الخارج، بما أن الاشتراكيةَ تقومُ على عنصُرِ تحكم الدولة في عملية توزيع المنتجات والعائدات لضمان تحقيق أكبر قدر من المساواة، مع التحكم العام في الأنشطة الاقتصادية داخل الدولة. لذلك فإن الساحةَ السياسية الأمريكية إلى هذا اليوم تخْلو من ممثلٍ صلْدٍ منتسبٍ للفكر الاشتراكي، وما هو موجود يقتصر على ديمقراطيةٍ اجتماعيةٍ تتشاركُ مع الاشْتراكيةِ في بعضِ القيمِ ولكنها تختلف معها في بعض الأُسسِ الأخرى، مما يرسمُ فارقاً بينهما.
إن آخرَ ضربةٍ تلقتها الديمقراطيةُ الاشتراكيةُ في الولايات المتحدة هي انسحاب برني ساندرز، والذي انهزم أمام جو بايدن الذي بدورِهِ سيتنافسُ مع ترامب في الانتخاباتِ الرئاسيةِ القادمةِ في نوفمبر. يمكن أن نُرجع أسبابَ هذه الهزيمة إلى أن أغلبيةَ الشعب الأمريكي -خاصةً من الفئات العمرية الكُبرى- يميلون للإعتقاد بأن سياسات ساندرز تجنحُ نحو اليساريةِ بحدٍ زائدٍ مما يتعارض مع مصالِحِهم، بينما تبنتْ أفكارُهُ الفئاتُ العمريةُ الأصغرُ التي تجنح نحو الظَّن بأن هذا الفكرَ سيُحدثُ ثورة سياسية تقدمية في الولايات المتحدة لإقامة موازنة تستبدلُ الاختلال الرأسمالي الحالي، والذي لاحظنا تًبًلورَه مع أزمة فيروس كورونا التي عانت خلالها الشرائح المتوسطة وما دونها، في حين تضاعفت أرباح الشركات الخاصة مثل أمازون.
لكن ترامب في عدد من المرات قد أشارَ إلى أن هذا المُعترَك الانتخابي هو هيجاءٌ بين "الحرية" وبين الاشتراكية التي يمثلها بايدن. ولكن عند تفحُّصِ سجل بايدن وأقواله وقراراته السابقة نجد أن توجهه هو توجه ديمقراطيٌ وفقط. فإما أن ترامب على معرفة بذلك ولكنه يسعى إلى تحريضِالرأسماليينَ ضد بايدن، أو أنه ببساطةٍ لم يقمْ بتحليل سياساته بشكل أدق، بل اكتفى بفكرته الكلاسيكية التي تنص على أن كل من ينتمي للحزب الديمقراطي هو بالضرورة شخصٌ معتنقٌ لقيم اليسارية المتطرفة. إن تحليل أقوال ترامب فيما يتعلق برؤيتِهِ للحزب الديمقراطي ترفع النقاب عن اعتقاده القوي بأن هذا الحزب هو مرادف للضرائب الباهظة، الحدود المفتوحة، الجرائم مرتفعة النسبة، والفوضى.
إن واحدةً من قيمَ الديمقراطيةِ الاجتماعيةِ تتمثلُ في رفض سلب أو احتلالِ أي بلدٍ آخرْ، ولكن عند الرجوع إلى تاريخ بايدن السياسيِّ نجده قد كان من المرحبينَ بل والداعمينَ لاحتلالِ العراقْ. والجديرُ بالذكر هنا أن ترامب نفسه ناقدٌ بشدةٍ لغزو العراق، ودائما ما يقوم بتذكيرِ أتباعه ومخالفيه على حد سواء بتأييد بايدن لهذا الاحتلال. كذلك فإنَّ بايدن قد كان واحداً من الذين وضعوا قانونَ مكافحةِ الجريمةِ في عام 1994، والذي تسبب بالضرر لعددٍ كبيرٍ من المواطنينَ الأمريكان من الذين تم الزج بهم في السجون.
فيما يتعلقُ بسياستِهِ الضريبيةُ فإن الخطةَ التي وضعها بايدن تتضمنُ زيادةً في المعدَّل الهامشي، وتقليصاً للخصوماتِ لذوي الدخل الذي يتجاوز 400 ألف دولار سنويًا؛ كما شملت الخطة زيادةً في معدل ضرائب الشركات من 21 -وهو المعدل الذي اعتمدته حكومة ترامب- إلى 28 بالمائة، وبحد أدنى 15 بالمائة. ولكن عند تحليلنا لهذه الخطة فإننا لا نجد أنفسنا أمام فكر وسياسة اشتراكية بحتة، بل هي تعديل بسيط للخطة التي تعتمدها الحكومة الحالية والتي تتمثل في التخفيضات الضريبية التي وقعها ترامب بعد أن أقرها الكونغرس الجمهوري عام 2017.
من الجليِّ أن ترامب لا يجيدُ التفريقَ بينَ الاشتراكيةِ المُطلقةِ وبين الديمقراطيةِ الاجتماعيةْ. فالأولى هي تنظيمٌ مركزيٌ وآليةٌ تقوم من خلالها الدولة على التحكم الكامل في أدوات الإنتاج، كتلك المعتمدة في كوريا الشمالية والصين وروسيا من قِبَل الإتحاد السوفيتي قديماً. أما الثانية فهي تنظيمٌ لامركزيٌ تعتمدُهُ بعض الدول الأوروبية، وهو نظام يسلط الضوء على العدالة الاجتماعية وعلى الديمقراطية؛ بالأخص إقامة انتخابات شعبية. فهي أخف في حدتها من الشيوعيةِ لأنها لا تبتغي استئصالَ الرأسماليةِ في الدولة بل فقط تدعو إلى تنظيمِها بالقدرِ الذي يضمنُ تحقيقَ العدالةِ بقدر الإمكانِ بين فئات المجتمع.
إن مناداةَ بايدن بالاشتراكيِّ لا تستندُ على أي أساس من الصحة، فحتى الديمقراطية الاجتماعية لم يدعي بايدن يوماً الإنتسابَ إليها ولم تشر أفعالُهُ لذلك. إن الانتخاباتَ القادمةَ هي مُعترَكٌ بين مرشحٍ جمهوريٍ وآخرَ ديمقراطيْ، ولكن عقبَ انسحابِ. ساندرز فإنها ما عادت أبداً تتضمن فكراً اشتراكياً أو ديمقراطياً اجتماعياً. ولكن وصفَ ترامب لبايدن بالاشتراكيِّ قد يكون استراتيجيةً متعمدةً لاقصاءه من السباق الرئاسي مثلما حدث مع ساندرز، لعلمه بمدى تخوف المجتمع الأمريكي من خوض تجاربَ اشتراكيةٍ تقوم في نظرهِمْ بتفنيدِ مستقبلِ البلادِ كما حدثَ مع الاتحادِ السوفيتي.