رأس البابا وأُذُن فان جوخ

صفوت سابا
2020 / 9 / 28

مازالت أُذُن الفنان الهولندي "فينسينت فان جوخ" موضوع اهتمام المؤرخين. وبالرغم من أنهم قد درسوا كل ما كُتِب عن فان جوخ، وفحصوا ما ترك هو لنا من رسائل - 903 رسالة كتب منها 820 وتلقى 83 - إلا أنهم لم يجدوا سبباً واضحاً يبرر قَطْعه لُأذُنه اليسرى. وقد دفعهم هذا الاهتمام إلى ابتكار كل أنواع النظريات المختلفة لتفسير سبب قيامه بهذا التصرف العجيب. وأغلب الظن أن فان جوخ قد فعلها في واحدة من نوبات الهوس الثنائي القطب (Bipolar Affective Disorder) التي اِنْتَابته بعد أن تشاجر مع صديقه الفنان بول جوجان، ويُقَال أن فان جوخ قد أهدى شحمة أذنه لعشيقته "راشيل" للتعبير عن حبه لها.

والحقيقة أن أُذُن فان جوخ ليست استثناءً من جهة حيرة المؤرخين نحو أحداث التاريخ. فالتاريخ مَمْلوء بأحداث لم يُفَك غموضها بالرغم من تناول المؤرخون لها في كتابات لا حصر لها في محاولة يائسة لكتابة تاريخها.

والتاريخ يعتنى بـدراسة الماضي وأحداثه، ثم يحفظه لنا في سجلاته. هذه الدراسة تهتم بالنواحي الإنسانية ودور الشخصيات التي ظهرت في مكان معين وزمان معين بهدف التسجيل والتَّدوين والانتفاع به في رسم حاضر الإنسان ومستقبله. أما دراسة فلسفة التاريخ فهي تبحث في أسباب تقدم الإنسان وتطوره الحادث في مختلف الأجيال. وهذه ليست مجرد عمليةٍ تتَرَاكَم فيها مجموعة من المعلومات حول وقائع معينة تَمَّت على مسرح التاريخ في وقت ما، ولكنها تتعدى ذلك إلى إجابة الأسْئِلَة التي كانت وراء تلك الأحداث والشخصيات التي شاركت فيها.

وكتابة التاريخ تستلزم قدراً من فصل الذات عن موضوع الكتابة. ولكي يصل إلى هدفه ويدرك مأربه، يجتهد المؤرخ في تفسير هذه الأحداث، وتحقيقها وتوثيق ما هو مُعْلَن لديه، والربط بينه وبين ما يمكن أن يأتي هو بإعلانه مع بقية الأحداث، ثم يتمثل المؤرخ الصورة الكلية للأحداث حتى يتمكن من الوَصْل بين حلقاتها الزمنية المتتالية، وتصفيفها في منظومة واحدة رغم تعددها بحسب تفاعل أجزاءها، فُيسَلّمنا في النهاية صورة قريبة من ظروف الماضي وحيثياته وأحداثه والبيئة التي تمت فيها وقائعه على النحو الذي حدثت عليه، وليس على نحو آخر.

لهذا لا يصلح المعاصرون - كالجيوش الإلكترونية أو الأساقفة الذي لهم خصومة مع البابا، أو حتى الجماهير المحبة لباباهم والمأخوذة بمحبته - لصناعة كتابة تاريخ الحقبة التي تولى فيها البابا المعاصر لهم. فالمعاصرون بحسب اختلاف انتماءاتهم، هم بشكل أو بآخر أطراف غير محايدة، ولايصلحوا لتقييم المعاصرين بهدف الحكم عليهم أو كتابة تاريخهم – فهم يتراوحون بدرجات متفاوتة بين أحباء وأعداء. كما أن لهم أراء مسبقة تتضح في مواقفهم ما بين مؤيد ومعارض. وبحسب مشاهداتي للأحداث، أغلب الظن معظم الذين يظهرون عداوة واضحة لمن يكتبون عنهم كانوا في وقت من الأوقات من القريبين لهم.

وبالرغم من عدم صلاحية المعاصرين لكتابة تاريخ بابا الإسكندرية، فإن لهم أن يختلفوا معه فيما ينادى به أو يتبناه. ولهم أيضاً أن يُدَوَّنُوا "شهادات الأحياء"، و يؤرخوا بالتسجيل والتوثيق ما يتفقوا أو يختلفوا فيه مع قداسته، كما يستطيعوا أن يَسْرَدوا ما يزعموا أنهم رأوا أو سمعوا منه أو من غيره. ولأن هذه القصص والروايات لا تحمل في طياتها حقائقها المطلقة، فلا ينظر المؤرخون لها على أنها التاريخ بل هي أحكام وخواطر وروايات وقصص لا تخرج عن ولا تتعدى إطار "حدثنا فلان أبن فلان قال:"، وهذه في مجملها عامرة بالانفعالات والمبالغات والإقرارات غير الموضوعية.

وبالرغم من أن هذه القصص قد تكون مفيدة في عملية التأريخ، إلا أنها لا تقدم دليلاً يقضي بطلب رأس البابا، ولا تقوى على محاكمة تاريخه أو إدانته، لكنها تمثل المادة الخام التي سوف يغربلها مؤرخو العصور القادمة للوصول إلى حقيقة الأمور وبواطن الأحكام في فترة بابويته.

لهذا فعملية التأريخ تختلف شكلاً وموضوعاً عن تعليقات اللجان الإليكترونية المَوْتُورَة والْمُفْعَمة بالشتائم والتطاول والتهكم. فالتأريخ لا يهدف إلى الاعْتِسافِ على الآخر بقصد الاعْتِساف أو الأخذ بالثأر منه، أو تَعَمُّد تشويه صورة أحد أو حدث ما. وهو طريق لا يسير فيه صاحبه من منطلق العداوة الشخصية أو حتى الاحتفاء الْمُجَامل، ولكن من زاوية البحث العلمي الصِّرف ومن أجل الوصول إلى الحقيقة من خلال رصد وتحليل الأحداث بشكل نقدي يلتزم فيه المؤرخ بدراسة فكر الأسلاف لبيان قيمته وعلاقته بالتاريخ مع التركيز على الأبعاد الشخصية والظرفية للأحداث. كل هذا يجب أن يتم بطريقة مَوْضُوعَيَّة، منصفة، متسربلة بثوب من الدلائل والبراهين والتحقيق العلمي للمصادر الأولية للأحداث التي يتضاءل أمامها كل ما هو شخصي أو ذاتي.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هو موقف التاريخ من الأزمة التي شغلت الكنيسة لعشرات السنين حول الخلاف بين قداسة البابا شنودة الثالث والدكتور جورج بباوي؟ هذا ما سأكتب عنه في وقت قريب لعلِّي أقدم شهادة مَوْضُوعَيَّة لأحد المعاصرين.