مفهوم البنية في علم الاجتماع

محمد الهادي حاجي
2020 / 9 / 28

- مفهوم البنية الاجتماعية في علم الاجتماع:
يعتبر مفهوم "البنية" من المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع. ويتّفق أغلب علماء الاجتماع على أنه من أول المفاهيم الأساسية التي ينبغي على الباحث الخوض فيها، فنجد أن "رايت ميلز" في كتابه "الخيال السوسيولوجي" يقول بأن "النظرية الاجتماعية مطالبة بالإجابة أولا على ماهيّة طبيعة البنية الاجتماعية، علاوة على المكوّنات الأساسية لهذه البنية؟"
كما يرى "بوتومور" أن "المفهوم الأساسي أو الفكرة الموجهة في علم الاجتماع هي البنية الاجتماعية؛ فعن هذا المفهوم صَدَرَ اهتمام عالم الاجتماع بجوانب الحياة الاجتماعية المختلفة، التي لم تكن تدرس من قَبْلُ بطريقة غير منهجيّة" ( ) ويرى البعض من علماء الاجتماع أن موضوع علم الاجتماع كان يرتبط بالبنية الاجتماعية، من خلال دراسة البنى الاجتماعية والعناصر المكونة للمجتمعات ووظائفها، والعوامل التي تؤدي إلى حدوث التغير في البنية الاجتماعية ( )
تشتق كلمة بنية (structure) من الكلمة اليونانية (struere) التي تعني البناء أو الطريقة التي يقوم عليها بناء ما، ثم امتد المفهوم والمعنى ليشمل وضع الأجزاء في مبنى ما من وجهة النظر الفنية المعمارية، وبما يؤدي إليه من جمال تشكيلي. وتشير المعاجم الأجنبية إلى أن فن المعمار يستخدم هذه الكلمة منذ منتصف القرن السابع عشر ( )، وتعني بنية "الشيء في اللغة العربية"، كل ماهو أصل فيه وجوهري وثابت لا يتبدل بتبدل الأوضاع والكيفيات( ).
و يُعْتَبَرُ هذا المفهوم صعب التحديد والشمولية والوحدة، وليس أَدلَّ على ذلك من كثرة التعريفات، فهو على حدّعبارة "رولان بارث" "مستعمل بكثرة في جميع العلوم الاجتماعية بكيفية لا تميّز بعضها عن البعض الأخر إلا عند المجادلة حول مضمونه" ( ).
و يمكن في هذا الإطار الوقوف على بعض التعريفات العلمية المختلفة "للبنية"، لإيضاح معانيها ودلالاتها من خلال بعض الباحثين؛ فقد اعتبر "اميل بنفنست" البنية "ذلك النظام المنسَّق الذي تتّحد كل أجزائه بمقتضى رابطة تماسكوتوقف، تجعل من اللغة مجموعة منتظمة من الوحدات أو العلامات المنطوقة التي تتفاعل ويحدّد بعضها بعضا على سبيل التبادل"( )، وهو ما يعني أن البنية هي مجموعة من الظواهر المتضامنة التي يستند كلّ منها إلى الآخر، وهي ليست بذلك مجرد جمع بين عناصر كما يتصوّر البعض،بل كلٌّ مكوِّنٌ لظواهرَ متماسكة أو متضامنة، بحيث يكون كل عنصر فيها متعلقا بالآخر ولا يستطيع أن يكون ذا دلالة ومعنى إلا في إطار الكلّ الشامل.
سنحاول في هذا الجانب الاهتمام بمفهوم البنية في المجال السوسيولوجي والانتروبولوجي. فقد حدّده كارل ماركس في كتابه "رأس المال"، في صياغات البنية الفوقية والتحتية من خلال مجموع الأبعاد والعلاقات الموجودة في المستوى الاقتصادي، والعلاقة بين المنتج المباشر ووسائل الإنتاج والتبادل والتوزيع وأطلق ماركس هذا المفهوم، وهو أحد أهم المفاهيم في نظريته.
و قد صاغه "إميل دوركايم" في دراسته للتركيبات المورفولوجية.
و يقول راد كليف براون حول مفهوم البنية "حينما نستخدم تعبير البنية فإننا نشير إلى نوع من الترتيب المنتظم للأجزاء أو المكوّنات فاللّحن الموسيقي له بنيته، وأيضا أيّ عبارة لها بنية، والبناء له بنيته، ومكوّنات ووحدات البنية الاجتماعية هي أشخاصٌ وأيّ شخص هو كائن بشري ينظر إليه لا بوصفه كائنا، وإنما كمحتلٍّ لوضع في بنية اجتماعية" ( )، فالبنية -حسب براون- "تتشكّل من جملة العلاقات الاجتماعية، وهي ليست تركيبا عشوائيا، وإنما تتحدّد بالعملية الاجتماعية، وتتحدّد بقدر معيّن من الثّبات النسبي، حيث أنّه من المتوقّع أن يكون هناك تغيير في هذا المستوى، ولكن في الغالب بصورة تدريجية. كما يرى أن البنية الاجتماعية تدخل في إطار الاختلاف القائم بين الطبقات والأفراد بحسب وظائفهم وأدوارهم ومراكزهم الاجتماعية، كالاختلاف بين الجنسين والأجير وصاحب المؤسسة. ويعطي براون الأهميّة لهذا التّمايز في تحديد العلاقات الاجتماعية وطبيعة البنية الاجتماعية، ويعتبر أن الأشخاص هم وحدات البناء الاجتماعي ومكوّناته الأولية، إلّا أنّ الأنساق الاجتماعية عنده هي الأجهزة التي تتفاعل فيما بينها داخل هذه البنية، والتي تقوم كلّ منها بوظائفها الاجتماعية، من أجل استمرار البنية، حيث يقوم كل نسق بدوره المنوط به و الذي يؤدّي إلى حفظ هذه البنية رغم اختلاف البنى والنظم المكوّنة لها ( )، وقد ربط براون العلاقاتِ الاجتماعية العامة التي تتكرّر فيها الأنماط الاجتماعية باستمرار بثبات البنية واستمرارها، من خلال الاستمرار الديناميكي الذي يتغير بدرجات متفاوتة، ويؤكد أن الحالات الفردية التي تتجسّد فيها تلك العلاقات الاجتماعية، ليست هي موضوع الدراسة العلمية للبنية الاجتماعية، وإنما هو السلوك المتكرر لعدد من الأفراد والذي يمثل نمطا اجتماعيا معينا، ويتكون البناء الاجتماعي من هذه الأنماط في كليتها ( ).
أما "بريتشارد" فقد اهتم في دراسته عن قبائل "النوير" بدراسة البنية السياسية واستخلص تعريفا للبنية الاجتماعية قِوَامه أنّها "تلك العلاقات التي تربط بين الجماعات، والتي تتميّز بدرجة عالية من الثّبات والتركيب بمعنى أنّ الجماعات تدوم وتستمر في الوجود بغضّ النظر عَمَّا تحتويه من أفراد ويدخل فيها أفراد عندما يولدون، ويخرجآخرون منها عندما يموتون أي أنّ الأفراد يتغيرّون، أمّا البنية فتبقى مستمرّة وتدوم" ( )، فالبنية الاجتماعية عند "بريتشارد" هي عبارة عن جماعات متميّزة في الوجود لوقت كاف بحيث تستطيع الاحتفاظ بكيانات، كجماعات رغم التغيرات التي تحدث للأفرادالذين يكوّنون تلك الجماعات" ( ) ولما كانت البنية تخضع لطابع النّسق في داخل عناصرها فإذا ما تعرض واحد من هذه العناصر للتغير أو التحوّل تغيّرت معه باقي العناصر الأخيرة و"بكلمة موجزة تتميّز البنية بثلاث ميزات: الكليّة، والتحويلات والضبط الذاتي" ( ).
- الكليّة: والمقصود بها "أن البنية لا تتألف من عناصر خارجية تراكمية مستقلة عن "الكل" بل هي عنصر من أخرى تخضع للقوانين المميّزة للنّسق، من حيث هو نسق. ولا ترتدّ قوانين تركيب هذا النسق إلى ارتباطات "تراكمية"، بل هي تضفي على "الكل" من حيث هو كذلك خواصَّ "المجموعة" باعتبارها سمات متمايزة عن خصائص العناصر" ( ) والمهم في النسق ليس العنصر بل العلاقات التي تجمع بين العناصر.
- التحويلات: البنية لا يمكن أن تظل في حالة سكون مطلق بل هي تقبل دائما التغيرات ممّا يتفق مع الحاجات المحدّدة من قبل "علاقات النسق و"تعارضاته"، ويقول بياجيه في هذا الإطار إنّ الحلم الأكبر للكثير من "البنيويين" هو تثبيت "البنيات" فوق دعائم لا زمانية شبيهة بدعائم الأنظمة المنطقية، الرياضية، ولكنْ من المؤكد أنّ ثمة علاقة متينة بين مفهوم "البنية" ومفهوم "التغير" أو بين فاعلية البنيات و"تكوّنها" أو "نشوئها" ( )
- الضّبط الذاتي: المقصود بها أن البنية تكتفي بذاتها، أي أنها تستطيع أن تضبط نفسها وهو ما يؤدي إلى الحفاظ عليها وإلى نوع من الانغلاق ( )أي أنّهالا تستمد وظيفتها من العلاقة بالواقع الخارجي، بل من انتظامها الداخلي الذي يعمل على شدّ العناصر بعضها إلى بعض بشكل يبدو فيه النسق ككلّ ثابتا منغلقا على نفسه، رغم خضوعه لمنطق التحويلات. فهي مترابطة العناصر ومتناسقة فيما بينها نظرا لأنه يجمعها قانون الكلّ القائم بدوره على نهج مرسوم وفقا لعمليّات منتظمة. ومن خلال هذه الإشارة النظرية نفهم التعريفات المقدّمة خاصة من طرف البنيويين الوظيفيين مثل "تالكوت بارسنز" في دراساته حول النظرية الوظيفية في علم الاجتماع، فقد قدم تعريفاللبنية الاجتماعية بأنها "عبارة عن مجموعة من العلاقات بين أجزاء أي نسق حي، والتي يمكن أن تظهر على أساس امبريقي في شكل ثابت على امتداد فترة من الزمن" ( ). ومعلوم أنّ البِنيةَ ترتكز على عناصر أو متغيّرات التّفاعل بين الأفراد فهي مصدر التصورات والمعايير المنظمة للسلوك في رأي "بارسنز" وهي مركز عملية التنميط التي تحدّد السلوك الاجتماعي. ويعرّفها أحمد البدوي بأنها جملة من العلاقات الاجتماعية الدائمة المستقرة في المجتمع، وهي أنساق متبادلة التأثير والتفاعل، لكلّ منها دوره في الجماعات والأفراد. وتتحدّد بقواعد وبإجراءات اجتماعية معقّدة ( ). وذَكَرَ في موضعٍ آخر في التعريف بالبنية أَنَّها "النّمط المقرّر لأيّ نظام داخلي لجماعة ما، ويتضمن مجموعة من العلاقات الموجودة بين أعضاء الجماعة، بعضهم لبعض، وبينهم وبين الجماعة نفسها" ( ). وفي هذا السياق يمكن القول إن البنية الاجتماعية هي صورة العلاقات الاجتماعية المحسوسة بين الأفراد والجماعات داخل مجتمع معين، كما أن البنية الاجتماعية هي بمثابة النسيج الاجتماعي الذي يشكّل مجموع العناصر المتفاعلة فيما بينها، وهي بهذا التحديد عبارة عن نمط متحرّك من جملة العلاقات الاجتماعية المتبادلة. ومن هذا المنطلق فإن التّفاعل الاجتماعي هو مركز العملية الاجتماعية. وتعتبر الثقافة عنصرا مهما في الحياة الاجتماعية،من خلال المعايير التي تؤدّي الدور المهم في تنظيم السلوك الفردي والجماعي وتعكس صورة التفاعل ومستوياته.
وقد ميّز علماء الاجتماع -رغم اختلافهم حول تصنيف البنى الاجتماعية- بين المجتمعات المتجانسة التي تقوم أو ترتكز العلاقات فيها على أساس القرابة الدّمويّة، لتُعْتَبَر البنية قرابيّة في هذا الصنف، والمجتمعات المتحضّرة، حيث تضعف هذه الجماعات القرابية، وتكون المؤسّسات الاجتماعية والخدماتية هي التي تقوم بالوظائف الاجتماعية، حيث تقوم بشروط جماعية للأفراد مستنِدةً في ضبطها الاجتماعي على المؤسّسات مِمّا يميّزها عن المجتمعات المتجانِسَة، ( ).
ويمكن القول في هذا الإطار إن البنية –ومن وراء ذلك البنيويّة كَتَوجُّهٍ- تعطي الأولوية في الدراسة لتزامنية (آنيّة) لأحداثمع استبعاد التناقضات الجدليّة التي تقف وراء التطوّر الداخلي للمجتمع، مثل الصراع الطبقي. فهي ترتكز في تحليلاتها على الموضوعات الثابتة لا على الموضوعات المتغيّرة والمتنوّعة في الزّمان ( ).