رسالة إلى صديقي المجهول

مختار سعد شحاته
2020 / 9 / 27

إلى صديقي المجهول؛
صدقني يا صديقي لم أكن أقصد، كان رغمًا عنا جميعًا أن نفتح أعيننا على النور الساطع من نافذة التغيير التي ظنناها فُتحت، صدقني لم أكن أقصد.
يا صديقي؛
أعرف أن النور جاذب، وأن الطاقة التي فتحناها ما احتملناها، كانت طاقة نور صافٍ وشفافٍ لأول مرة في وجودنا، والنور الصافي لم نكن ألفناه، كُنا تواقين للخلاص، أرواحنا المعذبة بسجون الأجساد البشرية التي كادت تستسلم للموات، صرخت للنور!! كنا نريد النور يا صاح، كنا نريد النور.
صدقني يا صديقي لم أكن أتخيل أن الطاقة تأخذنا، نلقي بأنفسنا فيها بتلك الدرجة، ما انتظرنا حتى لوداع بعضنا البعض، كان عمرنا لحظتها لحظة، لم يكن في بالنا أن لنا عمرًا أصلاً، ولا من مِنَّا الكبير ولا الصغير، لا أب أو ابن أو جدة أو خال أو عم، لم يكن شيئًا أصلا، فقط كان النور، وكان على أحدنا أن يقفز، وقفزتُ.
يا صديقي صدقني، لم يكن قذف نفسي إلى النور طواعية، فأنا أعرف عن أهل ما بعد القفز في النور، نعم أعرف، رأيت العلامات في وجوههم قبلاً حين ظهروا مرات ومرات لي تعرفها عني، في الميادين، في الأعلام، وباعة المياه المعدنية في الشوارع الدانبية، وشرارة اللألعب النارية في السماء، وفي أزقة بلدتنا القديمة، في كفّ الجدات التي قبَّلناها، وحجر الأمهات الذي احتوانا حين عُدنا بالهزيمة نبكي، وهؤلاء وغيرهم أنت تعرفهم لكن أبدًا لم تختبرهم، لذلك تمنيت لو أنك أنت الذي قفزت، لتكون للأبد نور صاف وشفاف...
صدقني يا صديقي تمنيت، ولأن القبح أبشع من الجمال، ولأن السوء أمرٌّ من الحسن، ولأن الحبس أنكى من الانطلاق، لأجل ذلك، تمنيت لك أن تقفز. فحتى المسافات التي قطعناها في عمرنا ستميل يوما لأنها تعبت من جري قدمي فوقها، هَلْكَ ترابِها، يَبْسَ زرعِها، غاض فيها الماء، المسافات تعبت وآن لها أن تستريح.
صدقني يا صديقي، أعرف عنك خلف النور كيف تكون وحدك، وكيف تمر الأيام تحت عطائك ليلاً مع سؤالك عن لماذا لا يراني؟ لماذا تجيء الخيانات من ذاك الصديق؟! كل الخيانات لها جروح تداوى، إلا خيانة الصديق يا صديقي، كلها مقبولة ومتصالح عليها شئنا أم أبينا، إلا أن يخون الصديق!
يا صديقي صدقني، أعرف تمامًا كيف تكون الوحدة، فأنا تعرفت إلى نبتة كانت أن نبتت وسط صخرة صلدة وقاسية، لكنها نبتت، رغم وجودها الناشز وسط صوَّان الصخرة، لكنها نبتت، صدقني أعرف، وأعرف كيف حين تغمض عينك تراهم، الغائبين؛ الذين كانوا وما عادوا، هؤلاء الذين نعاني حتى أن نستقبل شرّهم أو يبعثرون حلمنا معهم، أعرف، ولا ألوم، إذ شاءت طاقة النور التي فتحناها سويًا أن تختار عنَّا جميعًا.
يا صديقي، لا أعرف من منَّا أكثر حظًا، أكثر حرية، أكثر انفلاتًا، أكثر رغبة، أكثر شوقًا، يأكله الحنين أكثر، لا أعرف صدقني، ولا أعرف إن كان لنا أن يجمعنا قدر آخر في زمن آخر على نفس شاكلة قلوبنا التي كانت كحويصلا الطير خماصًا عن الكراهية خضراء الأثر.
صدقني يا صديقي، ظننتُ أنني هنا وسط النور ناجٍ من الحزن، محاطًا بحماية لا تفل، لا حزن هنا يبقى، محض انفعال ويزول على الفور، لا حزن ولا أثر إلا أثر ذكرياتنا معًا، حين أطلقنا لعنان أحلامنا براحًا من الجنون والانفعال والحب، حين صارت قلوبنا لا كقلوب الناس تمشي عل استحياء، إنما طارت كقطار سريع لا يخرج أبدًا عن القضبان، صدقني.
الأن على البعد أكتشف جنايتنا المشتركة، أكتشف كيف كُنا أنانيين حد الهلاك، لم ننتبه إلا لما نحب ونرضى، وكأن العالم خلا من كل مخلوق إلا أنت وأنا يا صديقي. صدقني الآن فقط؛ لمس قلبي كل حزنك، جبلك الأشيب الذي صرت تحمله بعد أن قفزتُ أنا في النور وتركتك خلفي، هانت تضحيتي التي ظننتها أكبر من كل شيء، وهان خيالي الذي عاش مقتنعًا بأن العالم غدًا يلهيك وتنجو من الحزن، لم أكن أعرف أن الحزن جين وراثي يتوارثه الأصدقاء، وأننا كُنا قد ورثنا بعضنا بعضًا لسنوات وسنوات.
يا صديقي، هل يكفي لك ألف ألف اعتذار عن كل ذلك؟ هل يشفع لي عذاب اكتشافي هذا؟ يا صديقي صدقني؛ جدُّ آسف لك. أقولها وعيني في قلب النور، وقلبي معلق بالنور، وروحي تحيا بالنور، أقولها ولا أعني إلا أنا بكل هذا الأسف.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان