الفيضان...الفصل 2

عبد الغني سهاد
2020 / 9 / 27

الفيضان ..الفصل 2…
(الرجال….يا ولدي... لا يذرفون الدموع كالنساء...!)....
●●●●●●●●
صيف تلك السنة 1965 كان اكثر من رائع من الناحية الاجتماعية فهو اول صيف قضت فيه اسرة (بو) الاجازة الصيفية في منتجع جبلي في ضواحي المدينة..منتجع اوريكا على سلاسل جبل درن...اي الاطلس الكبير..تبعد اوريكة عن المدينة بعشرات الكيلومترات. 65 كلم.تقريبا .قضت فيها اجازتها لمدة عشرون يوما كانت من اسعد ايام الطفولة..بالنسبة للصغار ومن ايام العمر بالنسبة للكبار اخص بالاسم /بو/ و/ف/..في نهاية شهر يوليوز وبداية شهر غشت..من سنة 1965..كان عمري حينئذ 9 سنوات..لازلت في قسم الابتدائي الثاني فصل المعلم بن صالح جارنا ..وعرابي في الدخول الى المدرسة…!..في هذه السنة قمت بمجهود كبير في الدورة الثانية لانجح واحصل على اعلى الدرجات..بين الاقران..والحافز كان بسيطا مجرد زيارة (بو) لي في القسم ومنح المعلم هدية صورة كبيرة علقها على جدار القسم يمين السبورة..فوق مكتبه..ما الذي كان مرسوما بها..شجرة انساب الدولة العلوية..تتوسطها صورة الملك الحسن الثاني..كنت منشغلا في اللعب مع الرفاق ..وفجأة حل الصمت ودخلا معا المعلم بن صالح و(بو)..اشار المعلم الى مقعدي ..وكان في وسط القسم..و في نهاية الموسم تقدمت في العمل..واجلسني المعلم في المقاعد الامامية…!..كان (بو) يرتدي بدلته الاوروبية كوستيم اسود غامق..وعلى راسه طاقية من الملف بها خطوط عمودية بيضاء وخضراء..وكان بشوشا.او انه يظهر بشاشته رغنا عنه. قمت واقفا من طاولتي اريد الالتحاق به..لكن المعلم اشار علي بالبقاء مكاني..لا اعلم ما كان يدور بينهما..لكني خمنت انه سال عني عن واخلاقي في المدرسة..وقد يكون توصل من المعلم اني لا زلت في المنزلة بين المنزلتين..متوسط الذكاء..كنت عندما التحقت بفصل بن صالح.. احدق في اللوحة الهدية لشجرة انساب ملوك العلوين والى نظرة السلطان اسماعيل الشرزة وهو يحمل سيفه المقوس وكنت ابدل كل ما في جهدي لكسب رضى المعلم بن صالح…كان الحافز لقيام (بو ) بهذه الزيارة المفاجئة عاديا يتمثل في زيارة تفقدية لقسمي للتعرف على عملي وتقديم الشكروالامتنان للمعلم عبر اهدائه للوحة المعلومة..واكرر انه ..يتوسطها وجه الملك الحسن 2..ووفي الجهة اليمنى وجه احد اجداده اسمه اسماعيل كما تخيله واضع اللوحة بعيون ضيقة لها نظرات شيطانية شرزة وبيده يقبض سيفا مقوسا..ويهيمن على اللوحة اللون الاسود. بهمة وضع المعلم اللوحة وراء مكتبه على يمين السبورة..وكنت اظن وكان ظني صائبا ان لا احد اطلع على هذه الزيارة من افراد الاسرة ..حتى (ف)..حيث كتمها (بو) في نفسه وغدت الزيارة سرا بيننا انا والمعلم وهو…
كان( بو) في هذه الايام يرتدي بدلة عصرية كوستيم اسوظ ويضع على راسه طاقية من الملف بخطوط عمودية بيضاء وخضراء..وكان يظهرعلى وجهه المسرة والانشراح...لم اكن قادرا على سماع ماكان يدور بينهما من حديث لذلك تخيلت الكلام بينهما على هذا الشكل..
_ الاحوال طيبة السي صالح..كيف هو سلوك البرهوش…..؟ ارجو ان لايفتعل لك المشاكل في القسم ؟
_لا...لا...ابدا ..انه هاديء ومسالم..زعما داخل سوقراسو على العموم..؟
_ ونتائج عمله كيف هي ؟
_عموما لا باس به...ويمكنه ان يحصل على الافضل..؟
_ زير..معاه السي صالح..واعطيه العصا الا دار علاش..الله يجازيك بكل خير...؟
لكن المعلم بن صالح
العصا ليست كل مايستحق الولد الشقي المهمل لدروسه وواجباته المنزلية..ويمكن ان يتذوق مرات عديدة الفلقة. لكنها لا تثيره رغم انها تذكره بمغامراته مع الفقيه العاشق..الكسول الذي نفخه بالفلقة في يوم غير بعيد..على هذا المنوال تخيلت الحوار التي دار بينهما...وتاكد من نسبية صحة الحوار المفترض حين اصطدمت نظراتي بالهدية اي اللوحة. السوداء.عيون السلطان الجاخظة نخوي الذي خلف اكثر من 50 ابنا شقيا .ووحده وخد البلد وحررها من التمزق بسياسة السيف والحديد والنار..ووو غيرهما من اساليب القمع والقهر..لم يكن المعلم بن صالح يفضل استعمال العنف معي كان شابا طيبا..له اساليبه الخاصة في التدريس ومنها اعادة كتابة النصوص لعدة مرات..على الاوراق البيضاء النظيفة وبخط مقروء..سواء كانت النصوصمن الشعر او محفوظات واناشيد او قران او قواعد اللغة .. يسمى هذا الاسلوب بالعقوبة…(..شحال عندك ديال العقوبة اليوم ؟)..كنا نسال بعضنا عند مغادرة حصته..
في المنتزه الجبلي قضيا قسطا من ذلك الصيف الحار في اجواء في غاية المسرة والمتعة والجمال..اكترى (بو) منزلا ريفيا تحفه الاشجار من كل الجهات خلفه تمر مياه الوادي مترقرقة..وباردة..يخترق النهر السفوح العالية مابين المنحدرات والمنعرجات مياه الحلوة تراقص الصخور والاتربة في ايقاع هاديء ومنساب..جنب المنزل تمر الطريق الضيقة الى ا اعلى لجبل وعلى الرصيف تعبر ساقية صغير صافية في العشية تاتينا مياهها بحبات التفاح الاخضر منتوج محلي تفاح اوريكة..تتساقط تلك الحبات من الشجيرات من تلقاء نفسها فتحملها الينا الساقية الينا رطبة وباردة..تصب مياه الساقية في دولاب كبير لطاحونة قريبة في القرية ..وفي نهاية اليوم.كان سائق الحافلة القادمة من المدينة يتوقف قليلا امام البيت ليناول (بو) صندوقا مملوءا بالخصر والفواكه..كما كان يتوقف شيخ القبيلة امغار على باب منزلنا ليتحدث قليلا مع (بو)..فهو من معارفه القديمة منذ من قديم بسبب التردد والعمل في تمديد شبكة الهاتف في القرية..مرة كان ان ولدت له بقرته عجلا...وتكرم بحليب نفاسها الى (بو)...نسميه.اللبا..وناوله طبقا من هذا الحليب المفعم بالبروتينات..وزع علينا (بو) قليل منه لكننا عذفناه…!..
○○○○○○○○○○
……………..
سبتمبر2020

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير