اسرائيل /فلسطين وتآكل الاليات المجتمعيه*؟/1

عبدالامير الركابي
2020 / 9 / 26

إسرائيل/ فلسطين وتآكل الآليات المجتمعية*؟/1
عبدالاميرالركابي
الموضوعه المعتمدة هنا بحاجة أولا الى توضيح مسبق، فانا اقفز من محاولة تجريبيه خاصة تتعلق بارض الرافدين/ العراق، امضيت سنوات عمري الأخيرة في محاولة اثباتها وماازال، وهو مااعتقد انني مازلت الى الان في بداياته، لم احقق بعد حتى الخطوة الأولى الأساسية باتجاه جعله مدار نقاش وانتباه، فضلا عن الترسخ، وعند هذه المناسب يتوجب التنويه الى انني قد عانيت كثيرا من وطاة الخروج على موضوعي الأساس،بالاخص وانا اجد نفسي ماخوذا الى تطبيق تصوراتي غير المكتملة تماما، على حالة ملحة وحيوية بدرجة استثناء، بعد الذي عرف من عمليات تطبيع بين الكيان الإسرائيلي، وبعض المحميات الطرفية النفطية، التي لاشيء غير النفط يصلها بالمجموعة الشرق متوسطية والعربية تاريخيا، وفعالية، ووجودا، بما يجعل منها بمثابة عينه للدراسة، ومعطى غير ثابت، يحتاج الى قراءة لاجل تحديد مكانه وهويته، من منطلق التساؤل : هل الريع النفطي قادر على اصطناع مجتمعية لها مقومات المجتمعات المعروفة في التاريخ، بغض النظر عن كونها مؤسسة "خارج الرحم التاريخي"، وهل ثمة ظاهرة من هذا النوع اشمل تقتضي التنوية؟.
وهنا تبرز امامنا حالة دولة او كيانيه كبرى، وامبراطورية غير مماط اللثام عن نوعها المجتمعي بعد، على أهميتها وخطورة دورها،هي الولايات المتحدة الامريكية، اكثر المواضع تمثيلا لهذا العالم، أي ل"الولادة خارج رحم التاريخ"، مع الفارق الهائل بين الحالتين، مابين ولادة تنطبق عليها وعلى مسارها خلال بضعة قرون، الاليات المجتمعية الأساسية الاستعادية الاستعارية الاوربية، وأخرى بلا فرصة اختبار زمنيه، وبلا حجم، وتنقصها الناحية العددية، وهي مركبه حول ابيار نفط، ورعاية برانيه، ومع هذا كله تذهب مؤخرا الى محاولة أداء أدوار، وخوض حروب كما الحال الحاصل في اليمن، او كما يحصل الان من محاولة امتلاك الحق في التعبير باسم العرب "الابراهيميون"، في اخطر قضية من قضاياهم الأساسية، للحلول بموقع الطرف كامل الاعتبارضمن ماطلق الرئيس الأمريكي علية ثلاثية "الابراهيمة"، تعبيرا عن اسفه واحط سرقة في التاريخ، هذا من دون ان يتجسد في الاذهان شيء من المقارنة بين : مهد الحضارة البشرية والابراهيمة، واكتشاف الكتابة، او الاهرامات، والجنائن المعلقة، وعصر الف ليله وليله، والعباسيين والقرامطة، وبين "برج زايد" المبني باياد لاتمت للأرض التي أقيم عليها بصلة.
لم استطع أخيرا ان لا انتزع نفسي من مركز اهتمامي الرئيسي، ولعل السبب الإضافي الذي جعلني اتخذ هذا القرار عائد لشعوري بالتقصير إزاء القضية الفلسطينيه، وقد كنت وعدت مؤخرا بان اتناولها من زاوية مستجداتها الكبرى النوعية الطارئة التي كنت بدات اراها، وهو مااعلنته قبل قرابة سنه ولم اف به لاسباب لااستطيع تعيينها بدقة، ماجعل للحدث الأخير وطاة شعورية وضميرية مضاعفة، هونت علي حتى مجازفة اختبار واحدة من موضوعاتي الرئيسية التي اعتقد بها واراها ناظمة منذ فترة، لمجمل شؤون الحياة والعالم بوجه عام.
فانا اعتقد ان العالم تغير تماما، وهو سائر الى الانقلاب بعد ان وصل الى مااسميه ب " توقف الاليات المجتمعية الغربية"، وهي موضوعه تقوم على مبدا كون المجتمعات محكومة لاليات، منشؤها التراكم واحتمالات النضج التاريخي، وان تلك الاليا ت ليست مطلقة ولا ثابته، كما انها ليست دائمة، وغالبا ما تكون دورية ومتنقلة، او هي من نوع مايسري عليه قانون الصعود والانخفاض، وتبدل البؤرالاعلى فعالية،ماانطبق على حالة الغرب الحديث وصعوده في القرون المتاخرة، وثورته الالية المصنعية الراسمالية، ومختلف منجزاته الكبرى،على صعيد النموذج والأفكار، ومختلف العلوم المواكبة، والتي يحرص الغرب على إعطائها صفة الديمومة واللانهائية، غير الخاضعه للتباطؤ، فضلا عن التوقف، الامر المخالف للطبيعة، ولطبيعة المجتمعات وبنيتها كظاهرة معرضة لكل اعراض الحياة وتحولاتها من ولادة ونمو وموت. الامر الذي يجعل من فكرة التابيد هذه بالذات، بمثابة مايجوز ان نطلق عليه، ومن وسط منجز الغرب الهائل، "الخرافة المصاحبة لظاهرة الغرب الحديث"، حيث الاصرار على محاولة نفي قاعدة كون لا اليات دائمه صاعدة، ولا تقدم مستمر صعدا الى مالا نهاية له.
هنا سوف أحاول التطرق الى، وإعادة النظر ببعض الاحداث الكبرى، وماقيل حولها وعنها مما يبدو متفق عليه ربما، من نوع اخر المتغيرات الانعطافية التي رافقت ونتجت عن انهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، بما في ذلك منها مزحة "نهاية التاريخ" بقدر ماتكشف عن نوع ومستوى القصور العقلي إزاء الظاهرة المجتمعية والتاريخيه بوجه الاجمال، عدا عن الايمانيه الغالبه على العقل، على قدر ما يمكن ان تتخذ من مناحي متلائمه مع شكل المجتمعية ونظامها الآني، أي القصور امام "مالايمكن افتكاره" لانه يتجاوز الحالة المعاشة، مايدلنا بهذه المناسبة على حدود العقل واقترانها بالشروط، وينفي الا طلاقية العقلية.
لم يات من يلفت نظرنا الى التباطؤ في عمل الاليات الغربيه، ومنها كدليل انهيار ركنها الاخر السوفياتي احد المكرسات الأساسية لديناميتها في القرن العشرين، والامر ذاته ينطبق على الانتقال المترافق مع ذلك الحدث، المروج له على أوسع مدى ونطاق على انه "العولمه"، من دون التوقف طويلا امام ملمح اللجوء الى "الاقتصاد الافتراضي" ودلالته، وماحدث في وول ستريت، ومن ثم اذا كان من الجائز التفكير بان الراسمالية مابعد المصنعيه، من شانها ان تنطوي على ملامح مرحلة تاريخيه أخرى، تنتهي معها الظاهرة الراسمالية كطور في التاريخ البشري، اقتضته اشتراطات قد لاتكون متيسرة للعقل، ولا للمدرك المتاح.
بهذه المناسبة نصير نحن غير قادرين على النظر في الكيانيه الفرعية، المؤسسة على فرضية لقاء لقاء زائفة بين الابراهيمه النبوية الشرق متوسطية، وممكنات التحوير المتضمنه في بنية الصعودية الحداثية الغربيه بوجهها الكولونيالي، بما يجعل من الصهيونية شكل ابراهيمه راسمالية منفية من قبل الخلفية الاستعمارية التي تاسست بالارتكاز اليها، مع احتساب مايمكن ان يترتب او يقع على الظاهرة المذكورة من نتائج متوقعه وحتميه اليوم، بعد ان بلغت الراسمالية العالمية لحظة الانتقال من الحالة المصنعية الكولونيالية، الى مابعدها من اشكال التمظهرالانتقالي، وبصورة خاصة واولا، بمايتعلق بمبداي"بناء الأمم" و"تفتيتها" كلازمتين تطابق كل منهما المرحلة التي تناظر صيرورتها من بنية الراسمال، الامر الذي يخرج عن إرادة الراسمالية بحالتيها، كمثال الذهاب لبناء الدولة عام 1921 من قبل الاحتلال الإنكليزي في العراق، اتفاقا مع ضرورة ولزوم لايمكن ممارسة الممكن من النفوذ الاستعماري من دونه( وهو بالمناسبة اول شكل من اشكال ماعرف في الستينات باسم "الاستعمار الجديد" اطلق عليه الإنكليز في حينه "الحكم من وراء ستار" تكون مادته من اهل البلاد)، بمقابل سحق وتدمير الدولة العراقية كليا بعد 82 عاما على اقامتها من قبل الغرب نفسه كما فعل الغزو الأمريكي عام 2003.
ويتطلب الامر هنا التفريق بين عمل الاليات التاريخيه الموضوعي، وحكمها الخارج عن ارادة الفاعلين، وبين مايمكن ان يؤول الى الإرادة والرغبة، او التخطيط الواعي والمقصود، هذا ونحن نشهد على مستوى الوقائع، ان ماجرى تدميره هو "الدولة العراقية" المركبة من قبل الغرب ابتداء، وليس تدمير إسرائيل على سبيل المثال، مع كل مايمكن ان يقال وبثقه تامه عن استجابة حدث غزو ارض الرافدين في العمق لمتطلبات منها وفي مقدمها، حماية وتوفير أسباب الاستمرار للكيان الصهيوني.
اذن نحن ومرة أخرى، امام استثناء مركب من عدة مغايرات للاسس التي يوحي بها على المنقلبين، الشرقي الابراهيمي، والغربي الراسمالي "الليبرالي"، اكثر من ذلك، ماتزال الحمائية الامريكيه بالذات مستمرة ولاتتوقف حرصا على الكيانيه التي تذكرها بالنداء الأول للبورتانيين وهم على سواحل القارة الجديده: "سنبني مدينة على جبل"، المكون الأساس لمايجوز اعتباره قاعدة كيانيه اسمها "القارة المفقسة خارج رحم التاريخ"،والتي هي استلهام يقف خلفه المرتكز الابراهيمي، وشعاره الأساس مع انقلاب النبي إبراهيم من المنفى الداخلي في حران الاشورية، حيث العدائية المطلقة لبابل، مع الأحادية الارضيوية المطلقة النافية تكوينا لمنظور التوحيد اللاارضوي، الى منطقة الشام ومصر، حيث مجتمع الشام الذي لابنتج كيانية موحدة بطبيعته،من ناحية، ومصر الأحادية من دون قلق الدولة الفرعونية / داخلي من أي نوع على موقعها احادي الدولة كينونة، أي الدامج للمجتمعية في الدولة، ليصبح المدى المذكور ساحة تحقق شعار"مملكة الله السماوية غيرالقابلة للتحقق ارضويا" الابراهيمية، او صيغة"الوعد خارج ارضه" مع كل تاريخ استحالة تحققه خارج ارضه.
اهم واخطر مايتوقف العقل دونه اليوم مع ملامح الانقلابيه الكبرى مابعد الراسمالية الغربية، فقدان تعيين اشكال وموطن تجليات الانتقالية الانقلابية وحلقتها الرئيسية، كما قامت ضمن اشتراطات نشوئها كمرحلة مزج بين "راسمالية منقولة من اوربا بدون أساس موضوعي بنيوي" في الارض الامريكية، وما ظلت تنتجه بالطبيعة تاريخيا من نمط مجتمع "لادولة"، عاش في كنفها أهلها الاصليون، ونداء هجروي ابراهيمي محور، جوهره "الوعد خارج ارضه"، ابتدءا من نداء "سنبني مدينه على رابيه"،الى حين الوصول الى "الاعتزاز بمواطنة الولايات المتحدة لايمكن وصفه، لان البلد امة مميزه، ولان الرسالة التي رآها الله جديرة بها، انما تجعلها فريدة في التاريخ"(1) الامر الذي صار يوقع العقل في القصور والعجز، بازاءحال هي الواقعية والمعاشة اليوم على مستوى العالم، لصالح حال منقضية انتهت فعليا كقوة دينامية عليا، بمجرد تشكل الولايات المتحدة المجتمعي، المكتوب لها البقاء منظورا اليها، ومعرفة من خلال متبقيات غيرها، وبناء لسطوة مفاهيم ونموذج اسبق غالب، مايزال راسخا، مع انه لم يعد له وجود فعلي.
يطرح وجود أمريكا كظاهر، اكبر تحد واجهه العقل، والعقل الأمريكي بالمقدمة، وبالأخص على صعيد "علم اجتماع الكيانية المجتمعية المفقسة خارج رحم التاريخ"، سواء من حيث الشروط التي أحاطت بنشأتها وبنموها، او الاليات الخاصة بتشكلها، وتاخرها عن ادراك التعبير عما يعود لذاتيتها، او اجمالي سلوكها كظاهرة غير عادية، سائرة نحو مآلات توافق حتما حقيقتها المطوية، غير المماط عنها القناع حتى اللحظة. بالأخص على اعتبارها ظاهرة تتصل بالانتقاليه الكبرى، من المجتمعية، الى مابعد مجتمعية.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• وجدت نفسي مع الاعتذار، ماخوذا نحو قطع سلسلة مقالاتي "الوطنية المتعذرة"، ومباشر الكتابه عن الموضوع أعلاه، بوعد العودة الى المقالات المتروكة مؤقتا.
(1) /اميركا التوتاليتاريه : أمريكا والعالم الى اين/ ميشيل بوغنون ـ موردان/ تقديم بيار سالينحر، دار الساقي/ بيروت /، تعريب خليل احمد خليل ـ ص71