تاريخ الدين: الدين في القوقاز

مالك ابوعليا
2020 / 9 / 26

الكاتب: سيرجي الكساندروفيتش توكاريف

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم

لطالما تأثرت منطقة القوقاز بحضارات الشرق المُتقدمة، وكان لبعض شعوب القوقاز (أسلاف الأرمن والجورجيين والأذربيجانيين) دولهم وثقافاتهم المُتقدمة في العصور القديمة.
ومع ذلك، في بعض مناطق القوقاز، وخاصةً في المناطق الجبلية، ظلت سمات البُنى الاجتماعية-الاقتصادية القديمة موجودةً حتى قيام الحكومة السوفييتية، والتي تميزت ببقاء العلاقات الأبوية والاقطاعية. انعكس هذا الظرف في الحياة الدينية: على الرغم من ظهور المسيحية في القوقاز بين القرنين الرابع والسادس (بالترافق مع تطور العلاقات الاقطاعية)، والاسلام بين القرنين السابع والثامن، وأن جميع الشعوب القوقازية اعتُبِرت رسمياً اما مسيحيةً أو مُسلمة، فان الشعوب الأقل تطوراً في المناطق الجبلية، احتفظت، تحت الغطاء الخارجي لهذه الديانات الرسمية، ببقاء قوي للمعتقدات الدينية المُميزة، والتي كان بعضها يتشابك بالطبع، مع المُعتقدات المسيحية والاسلامية.
ليس من الصعب تقديم وصف عام لهذه المُعتقدات لانها مُتشابهة من نواحٍ عديدة. حافظت كل هذه الشعوب على العبادات العشائرية-العائلية، وطقوس الدفن ذات الصلة، والعبادات المشاعية الرعوية والزراعية.
تم الحفاظ على العبادات العشائرية-العائلية بشكل جيد في القوقاز بسبب الطبيعة الراكدة للمجتمع الأبوي والقَبَلي. اتخذت هذه العبادات، في مُعظم الحالات، شكل عبادة مكان اشعال النار المنزلي (الفرن)-الرمز المادي للروابط المُشتركة بين أعضاء العائلة. تطور هذا بشكلٍ خاص بين الأنغوش والأوسيتيين والجورجيين الذين يسكنون المناطق الجبلية.
على سبيل المثال، كان الأنغوشيون يعتبرون الفرن المنزلي وكل ما يتعلق به مكاناً مُقدساً (النار والرماد والحوض). اذا دخل اي شخص غريب على المنزل، حتى لو كان مُجرماً، ومسك الحوض، فسيتم اعتباره جُزءاً من العائلة، وسيتعين على رب الأسرة توفير كل الحماية المُمكنة له. كان هذا تعبيراً دينياً عن تقاليد الضيافة البطرياركية المُميزة لشعوب القوقاز. كان الأوسيتيون، الذين كانت لديهم مُعتقدات مُماثلة يعبدون اله الحدادة صفا Safa، حارس الفرن. لم يعبد السفانيون Svans، الفرن المنزلي، ولكن عبدوا الفرن الموجود في بُرج المراقبة الخاص الذي كانت تملكه كل عائلة والذي كان يُعتبر ملاذاً وملجأً لهم. لم يتم استخدام هذا الفرن على الاطلاق للاحتياجات اليومية، ولكن فقط لممارسة طقوس عائلية خاصة.
كان لدى الانغوشيون والأوسيتيون والجماعات الجورجية المُنفردة عباداتٍ عشائرية. عبدت كل عشيرة انغوشية (الأشخاص الذين يحملون نفس اللقب) حارسها الخاص، قد يكون سلفاً في بعض الأحيان، وقاموا ببناء أنصبة حجرية تكريماً له. عقدت العشيرة اجتماعاً للصلاة بجوار النُصب مرةً واحدةً في السنة. كان لاجتماعات العشائر روحاً حارسة. كان للأبخاز عادات مُتشابهة، كل عشيرة منها كان لها الهتها الحارسة.
اندمجت طقوس الدفن، التي كانت متطورةً جداً بين الشعوب القوقازية، مع العبادة العائلية-العشائرية، واتخذت في بعض الأماكن أشكالاً مُعقدة للغاية. جنباً الى جنب مع عادات الدفن المسيحية والاسلامية عند بعض الشعوب، وخاصةً في شمال القوقاز، لا تزال هناك آثار لعادات زرادشتية Mazdaist (انظر الفصل الثامن عشر) مُتعلقة بالمدافن: تتألف مقابر الأنجوش والاوسيت القديمة من أقبية حجرية تكون فيها الجثث معزولةً عن الأرض والهواء. أقام بعض الناس الألعاب والمسابقات كجزءٍ من طقوس الدفن. كان الناس حريصين بشكلٍ خاص على اجراء عمليات دورية لاعادة تزويد الموت بالطعام والشراب. كانوا يعتقدون أن الميت هو مشارك خفي في الخبز. اذا لم يُزود شخص ما أقارب له ميتين بالطعام والشراب لسببٍ ما، فانه يتم انتقاده بأنه قام بتجويعهم. ان أكثر كلمة قاسية وهجومية يُمكن أن تُقال لأوسيتي هي أنه يقوم بتجويع أقاربه الموتى، مما يعني انه لم يكن يفي بالتزامه بتوزيع الطعام عليهم.
كان الحِداد على الموتى صارماً جداً، وارتبط كذلك بالمعتقدات الخُرافية. تم وضع قيود وممارسات صارمة بشكلٍ خاص ذات طبيعة دينية بحتة على الأرملة. على سبيل المثال، كان من المُفترض على ارملة الرجل الأوسيتي أن تُرتب سرير زوجها الميت كل يوم لمدة عام، وتنتظره بجانب السرير حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل، وتُجهز له الماء للاستحمام في الصباح. كانت الطقوس والمعتقدات الدينية بين شعوب القوقاز التي كانت مُرتبطةً بالزراعة والرعي مبنيةً على تنظيم المُجتمع. ظل المُجتمع الزراعي الريفي مُستقراً عند مُعظم شعوب القوقاز. كانت وظيفتها، الى جانب تنظيم استخدام الأراضي وحل مشاكل المُجتمع، ضمان حصادٍ جيد، وتكثير أعداد الماشية، وما الى ذلك، وتمت مُمارسة الصلاة والطقوس السحرية لهذا الغرض. كان الناس، من أجل الحصول على حصادٍ جيد، أو منع فقدان الماشية، يقيمون اما طقوساً سحرية او يصلّون للآلهة الحارسة (أو كلاهما معاً). عبدت جميع شعوب القوقاز آلهةً مُختلفة-حُرّاس المحاصيل، حُرّاس هذا النوع أو ذاك من الماشية، وما الى ذلك. تأثرت صورة هذه الآلهة بشدة، بين بعض الشعوب، بسبب المسيحية أو الاسلام، والتي صارت أحياناً مُشابهةً لبعض القديسين، ولكن ظلت الآلهة، عند الشعوب الأخرى، كما كانت دائماً.
ارتبطت مُعظم الآلهة، التي ظلت أسماؤها في مُعتقدات شعوب القوقاز، اما بالزراعة أو بالرعي، بشكل مُباشر أو غير مُباشر. كان هُناك بعض الآلهة التي كانت حارسةً للصيد. كانت صورة هذه الآلهة عادةً مُعقدة. غالباً ما نسب الناس اليها وظائف ومُختلفة بشكلٍ غامض.
كانت أشهر الآلهة هي تلك الآلهة التي عبدها جميع الشعوب، على الرغم من أن عبادتها كانت غالباً ما تأخذ شكل عبادة مُجتمعية. ولكن الى جانب هذه الآلهة المُشتركة بين جميع الناس، كانت هناك آلهة حارسة خاصة عُبِدت في كل مُجتمعٍ مُعين، ومن الصعب تمييزها عن الآلهة حارسة العشائر، لان المُجتمعات الريفية بين شعوب القوقاز كانت لا تزال مُتأثرةً بالتقاليد العشائرية.
عادةً ما كانت عبادة الاله الحارس في المُجتمع المحلي مُرتبطةً بالمعابد Sanctuaries(أ)، المحلية حيث يتم أداء الطقوس، وعادةً ما كان للأوسيتيون مبنىً قديم، وأحياناً كنيسة مسيحية سابقة، وأحياناً مُجرد مجموعة من الأشجار المُقدسة. كان لكل عشيرة كاهن مُجتمعي اما يتم انتخابه أو أنه يرث مهنة مُمارسة هذه الطقوس. كان للانغوش معابد مُجتمعية كانت عبارةً عن هياكل خاصة، وكان لديهم أيضاً مزارات شجرية مُقدسة Sacred Groves(ب). كان لكل مُجتمع مزار خاص به. كانت المزارات المُقدسة الموجودة بين الأشجار كبيرة العُمر- (لا يجب قطع هذه الأشجار)- تُعبد بشكلٍ خاص. كان لكل مزار قطعة أرض خاصة به وممتلكات وماشية، ويتم استخدامها لتلبية احتياجات العبادة: طقوس واحتفالات مُختلفة. كان الكهنة المُنتخبون مسؤولين عن المُمتلكات وقاموا بقيادة مُمارسة الطقوس. لقد تمتعوا بنفوذٍ هائل، وكانوا حتى يتنفذون ويُسئلون في أمور لا علاقة لها بالدين.
لا يزال لدى ساكني الجيال القوقازيين أثار عباداتٍ مِهنية وحِرَفية، وخاصةً العبادة المُرتبطة بأعمال الحدادة (مثل شعوب سيبيريا وافريقيا وما الى ذلك). عبد الشركس اله الحدادين. كان يُفترض أن الحدّاد والمحددة والحديد يمتلكون صفاتٍ خارقة للطبيعة، وفي المقام الأول القدرة على علاج المرضى أو الجرحى بطريقةٍ سحرية. كانت المحددة هي المكان الذي تحدث فيه طقوس المداواة.
تؤمن كل شعوب القوقاز بالأهمية السحرية للحديد كدفاع ضد قوى الشر. على سبيل المثال، يتم اقتياد المتزوجين حديثاً تحت سيوف مُتقاطعة.
الى جانب العبادات العائلية-العشائرية والرعوية والزراعية التي قمنا بوصفها، كان لدى شعوب القوقاز ايضاً بقايا من أشكال دينية قديمة، بما في ذلك الشامانية. كان لدى الخيفزوريين Khevzurs (من جورجيا)، بالاضافة الى كهنة المُجتمع المُعتادين (الداستوري) Dasturi، عرافين (كاداجي) Kadagi. كانو اما أشخاصاً يُعانون من خللٍ في الجهاز العصبي ويميلون الى نوباتٍ هستيرية، أو أفرادٍ يُمكن أن يقلدوا هذه الحالة بشكلٍ فريد. يُمكن أن يكون العرافون رجالاً أو نساءاً. خلال عُطلة الكنيسة، وخاصةً صباح العام الجديد، يبدأ أحد الخفزور بالارتجاف، ويفقد ذاكرته ويُصاب بالهذيان ويصرخ ومن ثم يجعل الناس يعرفون أن (خاتي) Khati العظيم قد اختاره ليكون خادماً له. يُقدم العرافون النصيحة، خاصةً عندما يكون أحدهم في مصيبة، ويشرحون كيف يغضب خاتي العظيم.
اختلطت كل هذه المُعتقدات عند شعوب القوقاز، وكذلك السحر والعشوذة والعبادات القضيبية التي تعكس جوانب مُختلفة من النظام المشاعي-القَبَلي، وما تبقى منها، اختلطت بدرجات متفاوتة مع المسيحية والاسلام، وهي ديانات نموذجية لمُجتمعات طبقية أكثر تقدماً. كانت المسيحية في وقتٍ من الأوقات سائدةً بين شعوب القوقاز. فيما بعد، اعتنق بعضهم الاسلام، الذي كان أقرب الى ظروفهم البطرياركية. ظلت المسيحية سائدةً بين الأرمن والجورجيين وبعض الأوسيتيين والأبخاز. أصبح الاسلام مُتجذراً بقوة بين الأذربيجانيين وشعوب داغستان والأنغوش والشيشان والشركس وبعض الأوسيتيين والأبخاز، وبعض الجورجيين (الآجاريين Ajarians والانجيلويين Ingiloys). بين جميع شعوب المناطق الجبلية في القوقاز، كانت هذه الديانات، كما ذكرنا سابقاً، سائدةً في كثيرٍ من الأحيان بصورةٍ شكليةٍ فقط. ومع ذلك، ظلت المُعتقدات الأصلية لتلك الشعوب التي لديها أشكال قوية ومتطورة من العلاقات الطبقية-الأرمن والجورجيين والأذربيجانيين- مُجرد بقايا ضعيفة (كما كان الحال، على سبيل المثال، مع شعوب أوروبا الغربية)، لقد تغيرت تلك المُعتقدات وأصابها التحول عن طريق المسيحية أو الاسلام، أو اندمجت معهما.

أ- المعابد، في هذا المعنى، ليس بالضرورة أن تكون مبنىً، مثل المعابد الاسلامية والمسيحية. قد تكون مكاناً يحتوي على ضريح، أو خشبة مُتعلقة بالأسلاف، الخ، تُمارس فيه الطقوس.
ب- انها تكون في العادة مجموعة من الأشجار القريبة من بعضها البعض، التي قد تكون مُرتبة طبيعياً بشكلٍ مُعين، او قد تكون أحياناً أُخرى مصطفة بشكل عشوائي، وقد يُضيف الناس المعنيين أغراضاً أُخرى الى هذا المكان، مثل كُرسي أو ما شابه.

ترجمة للفصل الثامن من كتاب:
History of Religion, Sergei Tokarev, Translated From Russian To English by Paula Garb, Progress Publishers, Published 1986, Translated 1989.
Chapter Eight: Religion in the Caucasus

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي