لنستكشف المقاومة ٣

محمد ليلو كريم
2020 / 9 / 24

مقاومة ، ومقاومة ؟

" لن يكون المرء عظيمًا إلا إذا انتصر على أمته / بودلير "

في اثناء الحرب تكون الجيوش النظامية في حالة مقاومة ، وهي في حالة السِلم مهيئة لخوض فعل المقاومة ، ولئلا نُتهم بالخلط في الإصطلاح فأنا أشير الى عملية الصد ، والمقاومة عملية صد ، ولكن الفرز في الإصطلاح بين الحالتين نوضحه كالتالي :
تواجه الجيوش النظامية جيوشًا نظامية ، أو تصطدم بقوات مسلحة تتبع جهة ما ، أما المقاومة التي نتحدث عنها فأنها في مواجهة مع عدو حاضر في الزمان والمكان وعلى صلة بالماضي البعيد والمستقبل المجهول ، فجُند المقاومة الشيعية يصطدمون فيزيائيًا بجُند الدولة الاسلامية على أرض الواقع ، ويصطدمون بجُند الدولة الإسلامية بأعتبارهم جُند العاصمة الأموية في عهد يزيد ، وجُند السفياني في عهد قادم غير معلوم التوقيت ، فالمقاومة - الصد تتحرك وتُخطط وتنحصر في الحاضر ، بينما المقاومة - الجهادية الشيعية تتحرك في الحاضر لتواجه جيشًا له صلة بالحاضر والماضي والمستقبل .
أن توفر السلاح بيد من ينشد الإصلاح فرصة ثمينة لبسط نظامٍ يُحقق العدل والنجاح ، ولكن المُقاوِم العقائدي يُدافع عن نظامٍ صالح معصوم قائم ، وهو اليوم قائم بقيمومة الإمام المهدي القائم " قائم إل محمد " وفي النصوص روايات تُشير الى ملامح قادة العصر المهدويون ، وللعامة أن يلتحقوا بالحجة القائم أو يتخلفوا عنه فيصيبهم وحسب كل موقف توفيق من الله أو غضب ونقمة ، وأما نعيم النظام القائم فلا يُرجى في هذه الدنيا ، وللآخرة خير وأبقى ( الناس فقراء في الدنيا لا يهم ، لكن عندما يكون الإنسان فقيرًا في الآخرة فهذه خسارة ليس بعدها خسارة / السيد احمد الصافي ممثل مرجعية السيد السيستاني ) ١ .
أن من أدهى مخاطر المقاومة العقائدية أنها تعتبر الواقع الحاضر مجازًا ، ووتعامل مع ما هو غائب في الماضي والمستقبل كحقيقة أو مُتَجَسَد حضوري ، وهذا بحد ذاته يتطلب قراءة منطقية متخصصة تفاعلية ، فقراءة المقاومة للدين أدت لتوجيه المتدينين ومقدرات الدولة الى ما أهدر الكثير مما أثر قي كثير من الشيعة فأتخذوا موقفًا سلبيًا من أصل الدين ، فمقدرات الدولة من أموال ودماء ، وتوقف مشاريع وعلاقات مع دول كثيرة ؛ ذهبت أضاحي للدفاع عن الماضي المنقضي والمستقبل المجهول ، ومن أضاحي المقاومة الحاضر ، بل أن الحاضر هو أكبر أضاحي المقاومة العقائدية ، وبسبب هذا النوع من الإعتقاد وما ترتب عليه من حركة مسلحة تعرض الشيعة في العراق لضغط لا يُحتمل أدى لردات فعل معارضة أنتقادية أو غاضبة أو عنفية ، فالناس صبرت على الفساد والنهب والإهمال والإنتهاكات من قِبل احزاب السلطة الشيعية ومن نفس المقاومين بعد أن تصورت أن انتخاب الاسلام السياسي والامتثال لتوجيهات الحوزة سيحقق الدولة المُتخيلة ، ولكن ؛ تأكد بطلان التصور فأندفع الناس بخيباتهم ينالون من العمائم والمقاومين ويبتعدون نفسيًا عن التدين ، وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند ، وسؤال الوعي الشيعي العراقي ينطلق بمرارة : لماذا لم نجد من يدافع عنا وحقوقنا من عمائم الفقه أو عمائم المقاومة . ومازال وعي الشيعة في واقعه الشعبي وهو يغطي أغلبية الطائفة لم يكتشف نمط تفكير المقاومة السريالي .
بناءً على ما تقدم من قراءة استكشافية هل نحن مُلزمون بتقديم خدمة للوعي الشيعي الشعبي العراقي ، وإن كنا مُلزمين فأول ما نقدمه للعامة من الناس تبيان أن في وجدان المقاومة تُعشعش رومانسية عقائدية ، إذن ؛ مقابل هذه الرومانسية المُعششة في وجدان المقاومة هل نضطر لتكوين رومانسية نقدية في سياق استكشاف المقاومة ؟ .
ولكن ؛ أن تحدثنا بلغة رومانتيكية فكيف سيفهمنا عامة الناس ؟ .
لا شك أن ثورات الغيير تبدأها عقول نخبوية وهي من ستُبسِّط للناس المقولات الفخمة " إن كثيرًا من المفكرين يظنون بسذاجة بريئة أنه يمكن جعل الجماعات المتأخرة متقدمة بتلقينها أفكارًا متقدمة / عبدالله القصيمي " .
الكثير من طقوس وخطابات المقاومة هي نفسها طقوس وخطابات المخيال الشيعي المُشبّع بالرومانسية ، ولكن ؛ ماذا نعني بقولنا : المخيال الشيعي المُشبّع بالرومانسية ؟ .
في الأثر التراثي الشيعي تشخص الثورة الحسينية كالعمود الفقري للتدين والإيمان ، فالشيعي لن يُعتبر شيعيًا أن لم يذرف الدمع ، بكاءً أم تباكيًا ، في رثاء الحسين الذي ذُبِحَ عطشانًا ، وقد طوّر أرباب المقاتل المرثية الحسينية وسخّروا لها كل ما يدعم ويُشدد الثورية الحالمة في ذهن الشيعة ، فالرومانسية الشيعية هي الثورية الحالمة التي أبتدعها وأبدع أدبياتها رجال المنابر الخطابية الرثائية والأدباء الحسينيون . والرومانسية في التعريف ( الرومانسية كما تُعرف باسم الرومانتيكية أو الإبداعية " بالإنجليزية : Romanticism " ) والحقيقة أن حذف الرومانسية من التراث الشيعي يعني قتل التشيع الذي نعرف ، وقد ذكرنا أن الشيعة يبكون الحسين ، ويتباكون عليه ، والتباكي هو إدعاء البكاء ، وأباح الشيعة التباكي ولو كذبًا لندب قتيل كربلاء ، مما يعني تعلق مصير قوة التشيع بطقوس البكاء والحزن ولو أضطر الشيعي لإدعاء البكاء والحزن كذبًا في اثناء المناسبة ، أي مناسبة عاشوراء ، ولهذا نجد أن " انخراط " الشيعي في المقاومة يعفيه عن كل مساءلة ويُنزهه ولا يُنظر في صدق سريرته وحقيقة تدينه وقد وردت اشارة صريحة في هذا الشأن من أبو مهدي المهندس في رد على تخوف يقول بمحاولات لنشر التدين في المجتمع فشكى المهندس من أنه يجد صعوبة في اقناع كثير من الحشد الشيعي بالتدين ( أهواي " كثير " ناس عندنا غير متدينين في الحشد ) وهذا وجه آخر لإباحة التباكي ( يقول أمين معلوف : لأن لهم دين يظنون أنهم مُعفوْن من أن تكون أخلاق ) .
تعززت الثورية الحالمة للشيعة بقوتين هما قيادة المرشد علي خامنئي وفتوى السيد السيستاني للجهاد الكفائي ، فكأن القوتين أعادتا رسم قواعد الاشتباك مع عدو جديد ، قديم ، مستقبلي ، والعدو يُمثله الجهاديون السلفيون ، والقوات الأمريكية ، وحركة تشرين الإحتجاجية ، وحزب البعث ، واقليم كردستان ، والنظام الديموقراطي ، وجهاز مكافحة الإرهاب ، والناقدين للفصائل والحشد ، وكذلك السفياني المُحتمل غزوه للعراق في قادم الأيام ، ودولة آل أمية في غابر الأيام ، أي أن المقاومة تُقاوم بانوراما تاريخية فيها المُتجسِد وفيها المُتخيَل ، ولنعلم أن من الفروض الواجبة على الشيعي العقائدي الكفر بكل دولة والإيمان والتضحية فقط لدولة الإمام المهدي ، التي لم تتحقق بعد .
إذن ؛ ما هي الرومانسية النقدية التي نواجه بها الرومانسية العقائدية - الثورية الحالمة ؟ .
أقصد بالرومانسية النقدية أن نُبدِع رومانسية موضوعية ، ومجالات إشتغال الرومانسية الموضوعية متعددة ، وهي ستُقابِل مجالات الرومانسية العقائدية ، فكل مجال سيواجه ما يقابله ، الفن قِبال الفن ، والعِمارة قِبال العمارة ، والروح الوطنية الجامعة قِبال العقيدة ، فقِبال الثورية الحالمة ، والتي نعرفها بإسم " المقاومة العقائدية " نتحدث برومانسية استشرافية والتي ندعوها " المقاومة الموضوعية " .
لكي أكون عمليًا في الطرح ينبغي أن اقول التالي : العقائديون حالمون ، ولأنهم حالمون فهم فاشلون في التنمية وتطوير المجتمع والازدهار الإجتماعي ، وهذا ما دفع جيفارا لرفض العمل المدني والصناعي وراح يبحث عن أي بؤرة ثورة دموية ومجموعة تحمل السلاح ليلتحق بها ، مع أن هناك فارق بين عقيدة جيفارا وعقيدة المقاومة الشيعية الولائية ، والمثال كان لتقريب الفكرة للفهم .
لنُلقي نظرة على أهم آباء الرومانتيكية ٢ الأوربية للتزود بشيءٍ من رؤوية فلسفية نضيفها لهذا السجال الشاق ، فقد نظر الفيلسوف الالماني هردر " جوهان جوتفريد هردر " الى المجتمعات من منطلق " النسبوية الثقافية " فقال أن لكل مجتمع هوية ثقافية خاصة ، وقد ردَّ هردر على تصور التنويريين الفرنسيين حول " انسانية عالمية " فالفرد البشري لن ينسلخ أبدًا عن مجتمعه المحلي وستفشل كل المحاولات لإخراجه من دائرته الإجتماعية " بحسب رأي هردر " ، وهذا الرأي يهمنا في جانب منه وسنطرح ما لا يهمنا ، فالفرد المحلي له طباعه الخاصة التربوية والتي تتحكم بتعاملاته مع العالم ، فإن أخذنا استنباطًا من هردر مفهوم الطباع المحلية ، ففعل المقاومة لا يختطف الفرد المحلي من طِباعه المحلية الى مملكة الكمال ، أما زج تركيبة الطِباع في ميدان قُدسي سيودي بالمُلقى به مصابًا بخلل في التصورات فيضطرب تداخلًا التصور الواقعي بتصور لا واقعي وعندما يعجز العقل عن تفسير وفرز المتناقضات يندحر الفهم السليم والتفكير القويم ، والمحصلة انتاج فرد لا يُفكِر ، والعقل أن أمتنع عن التفكير سيمتنع عن النقد ، وسيولد الفرد المؤمن فقط ، ولا شيء في عقله غير الإيمان ، والإيمان بحد ذاته منفصل عن العلم والتساؤل والنقد والفهم والواقع ، ولهذا لم يكتفي النبي ابراهيم بالإيمان لئلا يُصاب بخلل داخلي ( إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) . ١٣١
لنتعرف على مصطلح ( الموضوعية ) لتكتمل الصورة : تُقرِر الفيلسوفة آين راند أن الحقيقة منفصلة عن الوعي ، فنحن ككائنات عاقلة نعيش بين تفاصيل حقيقية يمكن أدراكها بالحواس ، ومع ذلك ففي أذهاننا تفاصيل لا تتسق مع الواقع نتشبث بها ، بل وقد نُقدسها ، فالفكرة الغيبية ، والنبوءة ، والدولة الكاملة الربانية ، وحضور القديسين الأموات وإدعاء مشاهدتهم ، ومقاومة الماضي والمستقبل ، هذه وغيرها ميول لا موضوعي تجاه الحياة ، فخلق احداث في الواقع بدوافع لا واقعية ضربٌ من الخلل الذهني ، وتأتي العاطفة لتُفاقِم من الخلل الذهني ( وقد وصفت راند الموضوعية بأنها " فلسفة للحياة على الأرض " وتتمثل في الواقعية ، حيث تهدف الى تحديد طبيعة الإنسان وطبيعة العالم الذي نعيش فيه ) ٣ .
ولا بأس أن نعرف بأن من نَقَدَ كتابًا تناوله بالدرس والتحليل . ٤
لا بد من تكوين رومانسية نقدية موضوعية ظاهرة للعين والسمع والذوق تكون مادة مواجهة في وجه الرومانسية العقائدية .
-------------------------
١ :
https://youtu.be/btU_a9Pfzqg
......
٢ " وفي الواقع لم تكن الرومانسية ثورة على الآداب الإغريقية واللاتينية والكلاسيكية فحسب ، وإنما كانت أيضاً ثورة على جميع القيود الفنية المتوارثة ، واعتبرت هذه القيود ، قيودًا ثقيلة حدّت من تطور الأدب وحيويته ، وتعبيراً عن طابع العصر ، وثقافة الأمة وتاريخها . لقد غلبت على الرومانسيين نزعة التمرد على هذه القيود التي التزمها الكلاسيكيون ، فدعوا إلى التخلص من كل ما يكبل الملكات، ويقيد الفن والأدب ، ويجعلهما محاكاة جامدة لما اتخذه اليونان واللاتين من أصول ، لتنطلق العبقرية البشرية على سجيتها دون ضابط لها سوى هدي السليقة وإحساس الطبع / ويكيبيديا " .
.......
٣ ويكيبيديا
.......
٤ النقد هو تعبير مكتوب أو منطوق من متخصّص يسمى ناقدًا، عن الجَيِّد والرديء في أفعال أو إبداعات أو قرارات يتخذها الإنسان أو مجموعة من البشر في مختلِف المجالات من وجهة نظر الناقد. كما يذكر مكامن القوة ومكامن الضعف فيها، وقد يقترح أحيانا الحلول / ويكيبيديا .

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي