هل معدلات التضخم المعلنة في مصر دقيقة؟

احمد البهائي
2020 / 9 / 23

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة عن تراجع معدل التضخم الشهرى خلال أغسطس الماضي بنحو 0.3 % ليبلغ 107.4 نقطة مقارنة 107.8 نقطة خلال شهر يوليو السابق عليه، مشيرا إلى تراجع معدل التضخم على الأساس سنوي ليبلغ 3.6% مقارنة بشهر أغسطس من عام 2019 والذى بلغ فيه 6.78% ، ليسجل أدنى مستوياته منذ أكتوبر تشرين الأول 2019 عندما بلغ 3.1 % وذلك حسب تصريحات الجهاز ، وقد أرجع الجهاز نزول التضخم إلى "انخفاض مجموعة الفاكهة 10.4 بالمئة واللحوم والدواجن 4.4 بالمئة والأسماك 2.7 بالمئة والخضراوات 2.6 بالمئة " .

تراجع معدل التضخم في مصر بهذه الصورة ، هذا يعني ان هناك إنخفاض مستمر وملموس في المستوى العام للاسعار، وإرتفاع مستمر ومتواصل في القيمة الحقيقية لوحدة النقد ، وأنه لم يعد هناك زيادة في كمية النقود المتداولـة عن كمية السلع والخدمات في الاقتصاد ، التي تؤدي بدورها إلى خلق فائض طلب ناتج عن الزيادة في حجم الطلـب الكلـي على السلع والخدمات عن الكمية المعروضة منها، مما يدفع بالأسعار نحو الارتفاع ، اي ان اختلال التوازن بين كمية النقود المتداولة وكمية السلع ، وتأثيرها المباشر في مستويات العامة للأسعار لم تعد تذكر بالحجم والمقدار السابق ، او بمعنى اشمل ان تراجع التضخم الى هذا المعدل لابد ان يكون بسبب واحد من الثلاث الاتية ، *بقاء كمية النقود عند مستواها مع حدوث ارتفاع في كمية السلع والخدمات المعروضة في الاقتصاد ، او*حدوث انخفاض في كمية النقود مع ثبات حجم الإنتاج ، او *حدوث زيادة في كمية النقود بنسبةٍ أقل من الزيادة في حجم الإنتاج ، ومع ذلك عندما تهبط للاسواق والمقصود هنا بالاسواق كل الاسواق السلعية والخدمية وليس اسواق بعينها ، تجد عكس ذلك تماما ، ولا يمكن ان ينطبق على الاسواق المصرية ، حيث يعاني المواطن الفقير ومتوسط الدخل من انخفاض مستمر ومتواصل في وحدة النقد ، وان ما يمتلكه من دخل لا يوفي متطلباته الاساسية من مأكل ومشرب وملابس وعلاج وغاز وكهرباء ومواصلات وبقية الاحتياجات الاخرى من خدمات ،حيث في الاونة الاخيرة اي شهر يونيو من العام الحالي ارتفعت أسعار الكهرباء وفقا لخطة رفع الدعم تدريجيا حتى يوليو2021، بنسبة زيادة بلغت 19.1% ، لنتساءل من جديد ، على اي اساس تعتمد عليه عملية قياس التضخم في الاقتصاد المصري التي تقوم بها الجهات المختصة ، وهل يراعى في القياس التغيرات التي تحدث في مستويات الأسعار، وهل تطبق المعايير المعروفة لتحديد مصدر التضخم، وهل ارقام القياس تلك ارقام دقيقة وشاملة، مما تدل على مقدرتها في عكس التغيرات التي تحـدث فـي القـوة الشرائية للنقود ،وهل تقدم الجهة المختصة تفاصيل عن أسباب انخفاض تلك الأسعار ؟ .

ولتأكيد ذلك ، فالاعتماد على الرقم القياسي لاسعار المستهلك في قياس التضخم ، من خلال رصد التغيرات التي تحـدث فـي مستويات الأسعار، وذلك من خلال إيضاح التدهور الذي يطرأ على القـوة الشرائية لوحده النقد ، من اهم الارقام والمؤشرات لقياس التضخم ،ولكن علينا ان نعترف بانه اسلوب قياس يتناسب مع اقتصادات البلدان المتقدمة ، ولا يتناسب مع اقتصادات البلدان النامية في قياس التضخم والتي منها مصر ، حيث للوصول الى الارقام الصحيحة يتطلب ان تكون البيانات المقدمة دقيقية ونسبة الخطأ فيها متناهية للغاية ، وامتلاك مجموعة فعالة من البرامج والادوات العلمية والتكنولوجية التي تساعد على تقيم الوضع وتغير الاسعار في الاسواق بدقة ، وان تكون شاملة للحضر والريف على حدا سواء في مصر، فمعظم البيانات التي يتضمنها الرقم القياسي للاسعار في مصر، تكون قاصرة على عدد محدود من محافظات الجمهورية ، كما ان اقتصار العينة التي تشملها الأرقام القياسية على أنماط المستهلكين اغلبهم في الحضر عن الريف مما يقلل من أهميتها في عكس التغيرات في مستوى معيشة الأفراد ، كما إن الجهاز يقيس أسعار نحو 1000 سلعة وخدمة فقط وهذا غير كاف للوصول الى رقم قياسي دقيق ، ففي الاقتصادات المتقدمة التي تعتمد على هذا القياس تخضع ما فوق 1700 سلعة وخدمة للتدقيق التضخمي ، كما أن اعتماد الأجهزة الإحصائية في مصر على الأسعار الرسمية لمبيعات التجزئة عند إعداد الأرقام القياسية لا تعكس حقيقة الأرقام الفعلية، نتيجة انتـشار ظاهرة التعامل في السوق السوداء، وتحديد الأسعار في السوق وفقا لقوى العرض والطلب .

ونتيجة لذلك يعتبر مؤشر الرقم القياس الضمني هو المناسب لقياس التضخم في مصر ، لما يمتاز به هذا المؤشر، في أنه يتـضمن أسـعار جميـع الـسلع والخدمات المتاحة في الاقتصاد ، سواء كانت سلع استهلاكية أو وسيطة أو إنتاجية، حيث يتم حساب هذا الـرقم عن طريق قسمة الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية لسنة ما على الناتج المحلي الإجمالي بالأسـعار الثابتـة لنفس السنة مضروبا في مائه، وبناء على ناتج القسمة يمكن معرفة مدى حجم الضغوط التضخمية في الاقتصاد ، فإذا كـان الناتج يساوي 100 فإن ذلك يعبر عن الاستقرار في مستويات الأسعار، أما إذا زاد الناتج عن 100 فإن ذلك يعبـر عن وجود ضغوط تضخمية في الاقتصاد، كما أن انخفاض الناتج عن 100 يعبر عن انخفـاض فـي مـستويات الأسعار ، وعند تطبيق ذلك على العامين الماليين 2017-2018 و2018 -2019 ، تجد الرقم القياسي الضمني على التوالي 118% و137% ، وذلك من خلال قسمة الناتج المحلي بالأسعار الجارية (4337.4 – 5322.3 ) على الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الثابته (3654.4 – 3857.5 ) حيث الارقام مقدرة بالميار جنيه لنفس العامين الماليين مضروب في مائة ، بالنظر الى الارقام ، يتبين ارتفاع الرقم القياسي الضمني خلال العامين الماليين ، فارتفع الرقم القياسي من 118% عام 2017 – 2018 الى 137% عام 2018 – 2019 ، يشير الى ارتفاع الاسعار خلال تلك الفترة ، مما يعكس الاتجاهات التضخمية في الاقتصاد المصري ، وليس هو الحال كما اظهرته البيانات الرسمية عن حالة التضخم خلال نفس العامين الماليين ، وقد كانت على التوالي 20.9% و13.9%،حسب تقارير الحهة المختصة بذلك ،الذي اكدت حدوث انخفاض التضخم في مصر، ولتطبيق ذلك مبدأيا على العام المالي 2019 -2020 ، تجد ان الرقم القياسي الضمني للربع الاول منه 159.7%،اي ان هناك ارتفاع في مستوى العام للاسعار ، ليؤكد اتساع حجم الفجوة التضخمية في الاقتصاد .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا