قادسية صدام مع سبق الإصرار

ملهم الملائكة
2020 / 9 / 22

علينا أن نسمي الأشياء بأسمائها، هذه عدالة التاريخ واستحقاق صدقية الوقائع، ولأنّ حرب السنوات الثمان منذ يومها الأول أطلق عليها رسمياً وحتى شعبياً تسمية "قادسية صدام" فأنا متمسك بهذا الاسم. اليوم هو الذكرى الأربعين لهذه الحرب الكارثية، وهذه وقفة مع اسم تلك الحرب ووقفة مع باقي التسميات وما يدور حولها من جدل.

اسمها "قادسية صدام" ويجب أن يبقى هذا الاسم لصيقاً بها، لأنها لم تكن حرباً عراقية إيرانية، ولم تكن حرباً سنية شيعية، ولم تكن حرباً عربية فارسية، ولم تكن حربا إسلامية مجوسية كما حاول العروبيون الإيحاء به، ولم تكن حرباً تستعيد التواريخ، ولم تكن حرباً محمدية على الصفويين كما يسعى أن يوحي البعض. إنّها باختصار حربٌ شنها صدام حسين على إيران ولديه عشرات الأسباب المبررة لتلك الحرب.
*ولأنه لم يستشر الشعب في شن تلك الحرب بل اكتفى باستشارة جيرانه العرب بشأنها، فإن استحقاق تلك الحرب يبقى ملتصق به وحده. كل تلك الدماء التي سالت سببها صدام حسين لأنها شن" قادسية صدام" ضد جيرانه الإيرانيين.
*كل الخراب الذي حل بسياسة المنطقة، والذي يبدو غير قابل للحل، سببه قادسية صدام.
*كل التشوه الذي أصاب نفوس العراقيين، ولا أمل في شفائه، سببه قادسية صدام.
*كل ما ذكرته أعلاه لا يعني قط أن إيران الإسلامية منزّهة عن سبب قيام الحرب، بل لابد من التذكير هنا أنّ إيران هي التي بدأت بالعدوان على العراق عبر قصف المناطق الحدودية واحتلال بعضها في الرابع من أيلول 1980، وعبر محاولات اغتيال رموز حكومة البعث، والقيام تفجيرات واعمل تخريبية، وهذه حقائق لا تشوهها ادعاءات الأحزاب الموالية لإيران الإسلامية.
*ما هو البديل أمام صدام حسين ما دامت إيران هي التي بدأت بالعدوان؟ جواب هذا السؤال يكمن في فن السياسة، فهو قد عيّن نفسه قائداً للعراق، ولم يكن من الحكمة أن يتخذ قرار الحرب بتلك الروح البدوية الجاهلة، معتقداً أنّها نزهة. الخلل في قراره السياسي، وهذا خطأ لا يغتفر.
*ومجمل هذا الوضع يتفاقم في ضوء أن الأحزاب الشيعية العراقية برمتها ذهبت للوقوف إلى جانب إيران في تلك الحرب، فيما ذهب الشيوعيون مثلاً إلى حلين اثنين، أما الفرار من العراق للتخلص من وزر تلك الحرب الملعونة، أو التصدي للحرب بالسلاح، من خلال انضمامهم لفصائل الأنصار في كردستان العراق. *واختار الكرد سياسات براغماتية خدمت قضيتهم، فقد انتزعوا من صدام، رواتب وأسلحة تحت عنوان" أفواج الدفاع الوطني" وبهذا نجا عشرات ألوف منهم من الحرب الملعونة، كما كسب الأغوات والشيوخ ملايين الدولارات والأسلحة مقابل وعود غير ملزمة بذلوها لصدام حسين. الكرد خاضوا اللعبة وربحوها، لكنّ مآسي حلبجة والأنفال ضربت كل براغماتياتهم.
بدأنا الحديث بالكلام عن تسمية "قادسية صدام"، وفي ضوء كل ما ذكر أعلاه، فإن التسمية يجب ان تبقى "قادسية صدام".
أما الجدل الذي يدور حول التسميات الأخرى فيستحق أكثر من وقفة تأمل:
*تحرص الأحزاب الشيعية على تجنب تسمية "قادسية صدام"، باعتبارها تضفي على فترة حكم صدام حسين وعلى الحرب الطويلة صفة العظمة، فيما تحاول هذه الأحزاب أن تروج لمفاهيم الصراع الشيعي السني من خلال تسميات ملغومة، فالمجلس الأعلى يسمي الحرب "الدفاع المقدس" متبنياً حرفياً تسمية إيران لتلك الحرب، وهذا ليس غريباً فالمجلس جزء من الحرس الثوري، وملتزم بأدبيات هذا التنظيم كما هي. فيما تطلق باقي الأحزاب الشيعية تسميات، تتراوح بين حرب الكفر على الايمان، وحرب البعث ضد الإسلام، والحرب ضد الشيعة، وكلها تسميات لا تنصف الحقيقة، فهي حرب صدام وحده.
*حين يذهب الشيوعيون واليساريون إلى خيار رفع السلاح بوجه الأنظمة الحاكمة، فتسمية المقاتلين كانت دائماً هي "حرب الأنصار" وهذا خيار أيديولوجي موروث من التجربة الشيوعية في دفاع الشيوعيين عن الاتحاد السوفيتي وتصديهم للهجوم النازي، والذي تكلل بالنصر الكبير واسقاط النازية في معقلها برلين. من هنا يجب أن يبقى وصف حروب الشيوعيين المسلحة ضد الأنظمة تحت عنوان "حرب الأنصار".
*حرصت الأنظمة الجمهورية المتعاقبة في العراق على تسمية "حركات الشمال" لتقزيم النضال الكردي، ومنح الصراع صفة نزاع مصالح بين أحزاب سياسية كردية وبين سلطة الدولة، موحية أنه نزاع يتخذ طابعاً مسلحاً ويبقى محصوراً في "شمال الوطن"! هكذا حرصت الأنظمة العروبية بوجه خاص على وصف المعارك في كردستان. ومن الانصاف أن تحافظ كتب التاريخ على ذلك الوصف، لكن النصر له استحقاق يستقوي على التاريخ، فالكرد بات لهم إقليمهم منذ أكثر من 3 عقود، ومن المعيب التحدث عن شمال العراق بطريقة العروبيين، الوضوح مطلوب هنا أيضا. فللتاريخ تبقى تسمية "حركات الشمال" المشبوهة قائمة، وللحقيقة يسود اسم "إقليم كردستان العراق" لوصف تلك المنطقة وما يجري فيها.
*التغيير الزلزالي الذي جرى في العراق عام 2003، يدور حول تسميته ووصفه جدل كبير غير محسوم، البعثيون ومن معهم من العروبيين والاسلامويين ووسائل الاعلام العربية الكبرى والأوروبية الناطقة بالعربية يسمونه غزو العراق، اليسار بشكل عام يسميه احتلال العراق، فيما يسميه الأمريكيون، ومن سار معهم بحرب "تحرير العراق". ومن غير الواضح، تحت أي تسمية يجب أن نضع استحقاق الحقيقة والتاريخ حتى الآن.
*لابد من الوصول الى تسمية محايدة دقيقة، على نمط "الحرب العالمية الثانية"، ولماذا لا يطلق عليها "حرب الخليج الثالثة"، وقد حسمت الموقف لصالح أعداء صدام العراقيين والخليجيين والعرب والاقليميين واسقطت نظامه. تسمية "حرب الخليج الثالثة" منصفة ومحايدة في تقديري.
التسميات التي تبدو لكثيرين مسألة عابرة وتفصيلاً غير مهم، هي لغة التاريخ التي ستخلد حين تذوب كل أشباه التواريخ.