الوطنية المتعذره والطور التكنولوجي؟/ملحق5

عبدالامير الركابي
2020 / 9 / 22

الوطنية المتعذرة والطور التكنولوجي؟/ملحق5
كرس الطور المصنعي من الراسمالية وماواكبه من أفكار وتعريفات متوالية، الراسمالية التجارية المركنتيلية أولا، ثم الانتقال من الاقطاع الى الراسمالية الصناعية، في حين عولت بعض النظريات على سياقات اكتشاف الصراع الطبقي، لتذهب الى تبني فرضية حتمية الانتقال من الراسمالية الى الاشتراكية، الامر الذي لم يعد اليوم يحظى بناء على مجريات نصف القرن الأخير، باية دلالة واقعية، في حين يتجه العالم اتجاهات أخرى، مابعد راسمالية مصنعية، هي طور وفترة الراسمالية التكنولوجية والإنتاجية المعرفية، لتصير الراسمالية ظاهرة تاريخية بثلاث حقب : راسمالية تجارية. ثم الية مصنعية. ثم تكنولوجية. والأخيرة تنطوي على أسباب ومقومات تنتهي معها الظاهرة الراسمالية، والمنتجية المجتمعية من التاريخ وتاريخ التطور المجتمعي البشري.
تبدا الفترة الثالثة من التطور المذكور الانقلابي، ماخوذة بوطاة مايسبقها وبسطوة بنى ومفاهيم الحقبة المصنعية، فيسود وقتها الميل الى ادماج التكنولوجيا واخضاعها لمفاعيل الطور المصنعي، وتعمد الراسمالية لادخالها عالم المنتجية الراسمالية، والى استثمارها لاجل تعزيز وتوطيد الطاقة الإنتاجية وحل إشكالات تتعدى الراسمالية الى المنتجية نفسها واستعصاءاتها المتراكمه، الناجمه عن تزايد قصورها الموضوعي البنيوي، مايجعل العالم يشهد طورا من مساعي إطالة عمر الراسمالية المصنعية ومفاهيمها المتراجعة ونظرياتها، مادام الطور التكنولوجي لم تتوفر بعد أسباب استقلاله كطور تاريخي متعد للراسمالية نظريا(1)، قبل تحوله عمليا وعلى صعيد الممارسة الحياتيه.
وتتميز حقبة الانتقال المشار اليها بدخول العالم طورا من الاختلال الضمني، ومن وطاة التناقض غير المماط اللثام عنه، مصدره عدم الاتساق المتزايد والمتسارع، بين وسائل المنتجيه الجديدة المتنامية، وبين البنية التي ماتزال غالبه، وهي ماخوذة بالسعي المحموم لإطالة امد غلبتها، في الوقت الذي يتعاظم مفعول التفارق بين البنية التي افرزت وسيلة الإنتاج المستجدة، وبين وسيلة الإنتاج النافية لما انتجها، المتنامية الحضور والفعل، وكما كانت الشرق متوسطية قد عرفت وظلت تعرف التناقض بين بنيتها الأساس والاله فلم تتمكن من الانتقال اليها، بينما اختصت الانشطارية الغربية بتلك المهمة بدل بغداد والامبراطورية العباسية القرمطية الانتظارية، فلقد عادت البنية الطبقية الاوربية الغربية لتعاني من جهتها اليوم، من عدم اتساق وتوافق وسيلة الإنتاج الجديده مع طبيعتها البنيوية. في حين عادت الشرق متوسطية وبؤرة الازدواج الرافدينيه، الى التهيؤ للحضور والى تصدر عملية الانقلاب المجتمعية الإنتاجية على مستوى المعمورة بسبب توافق وسيله الإنتاج التكنولوجي مع كينونتها البنيوية، وماقد ظلت تفتقر اليه وتحتاجه حاجة ماسة كي تنتقل من " التحولية البنيوية" الأساس الى "التحولية المادية".
ولايجب وبناء عليه ان نظل راضخين لمنظور الغرب المصنعي، خصوصا بعد ان زالت اسبابة ومبررات حضوره الحي، بحيث ننسى التفاعلية المجتمعية التحولية، فنتجاهل على سبيل المثال كون الدورة الثانية العقيدية الإمبراطورية الشرق متوسطية بعد القرن السابع، هي التي مهدت بتهيئتها الأسباب على مستوى المعمورة، للانقلاب البرجوازي المصنعي الأوربي، ولو بدا مثل هذا النوع من النظر الى التاريخ التصيّري النفاعلي، متعارضا مع ثوابت راسخه ومفاهيم لن يكون من السهل تفنيدها وزحزحتها.
منذ منتصف القرن الماضي من تاريخ العراق / مابين النهرين، دخل هذا الموضع الحيوي الأساس زمنا اخر من تاريخه الحديث المستمر من القرن السادس عشر، ومع سقوط ومحق الدولة المفبركة الغربية الأولى 1921/1958 صار إيقاع وحركة تاريخه مفتوحة على الأفق مابعد الصناعي، وقتها كان الاختلال في التوازن بين الحيزين المجتمعيين الأسفل والاعلى المستمر من 1817 بطوري النيابة عن الغرب مع استعمال وسائله، ثم حضوره المباشر، قد اوجب نوعا من المواجهة الداخليه ( نظام البعث الريعي هو اول نظام ينتمي الى الطار الأعلى الأحادي قائم على التوازنات الداخليه العراقية، منذ سقوط بغداد 1258 اعقب فترة من عشر سنوات "وطنية" غير مستقرة، وغير محسومه بين الحيزين الأسفل والاعلى، انتقالية الطابع، استمرت من عام 1958 الى 1968 بعد سبعة قرون بالتمام والكمال محسوبة بالسنة، هي زمن الحكم البراني وتعاقباته) اتسم بالطابع غير المباشر،باعتباره الممكن المتاح، الذي تمخض عن تداعيات وحصيلة الصراعية الناشبة ابان الثورة التحولية الثانيه في 14 تموز 1958 ومااعقب الدولة الأولى 1921/1958 ومآلاتها وفشلها المريع في تحقيق اغراضها كما هي ممثلة في السعي لسحق الاطار الأسفل، وحرف لابل ايقاف مسارات التشكل التاريخي الازدواجي.
ومع ان الاطار الأسفل ظل حتى حينه، والى اللحظة، من دون تجديد من داخله في الوسائل التي يعتمدها وهو يواجه وطاة التغير " الحديث"المستجد في الموازين، الا انه لم يكن مع ذلك قد فقد حتى منتصف القرن، وتاريخ 14 تموز 1958 ارجحيته كطرف في الصراع المجتمعي المحتدم، مع ماطرا عليه من متغيرات، وهو ماقد استمر واضحا حتى بعد الاحتلال وإقامة الإنكليز لما عرف ب"الدولة من اهل البلاد تكون واجهه للنفوذ البريطاني في العراق" عام 1921 بعد الثورة التحولية الأولى عام 1920، وقد أسهمتعاظم درجة ومستوى حدة المواجهة المتجدده في حينه مع الاطار الأسفل، باعتماد مبدا تغيير شكل الملكية التاريخي المشاعي وفبركة "طبقة الاقطاع"، في شحذ اقصى مامكن من الطاقات وأساليب المواجهة المضاد المتاحة، بمافيها تلك التي يوفرها الغرب نفسه وبنيته، وبمقدمها حالة الازدواج التي طرات عليه مع الثورة البلشفية الروسية عام 1917،وتحول الغرب الى قطبين ونظامين متصارعين، اتاحا لمجتمع الازدواج فرصة وإمكانية تفعيل ازدواجه التاريخي البنيوي الذاتي، ومقابل دولة 1921 التي أقامها الاحتلال في بغداد، نشات بحسب اشتراطاتها الخاصة ومن دون اعلان، دولة المنتفك / الحداثية/ وعاصمتها الناصرية، كدولة مقابلة مضادة، من الحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي الاشتراكيمع ( فهد/ يوسف سلمان يوسف، وفؤاد الركابي)، بصيغتهما وقوامهما ودلالات وجودهما الاستبدالي، المضاد للاطار الأعلى، العائد الى الحيز الأسفل على مستوى الفعل، بغض النظر عن كونه حالة استعارة للضرورة، فتجددت اليوم وبظل الغرب وانقلابه التاريخي الحداثي، ووطاته التدميربة وتهديده بنية الازدواج، صيغة مستحدثة مناسبة من صيغ الاستبدال التاريخي المميز لممارسة المجتمع الأسفل تاريخيا وقت الضرورة، فحدثت للمرة الأولى، ومقابل دخول عامل الغرب الحديث، ووسائله المبتكرة النوعيه المستخدمة لامالة كفة التوازن ضمن الصراعية الازدواجية، حالة قفز براغماتيه عمليه خارج الاشتراطات التقليدية، تاسست في المستوى الأسفل كمركز شمل لاحقا عموم العراق الكيان.
نقطتان هامتان لابد من التوقف عندهما تلبيه لغرض اجمال اللوحة العراقيه الحديثة، هما ارجحية المستوى الأسفل، وموقع الريع النفطي كوسيله حاسمه، بمعنى ضرورة الانتباه الى فشل الوسائل المستحدثه الغربية، وتوقفها دون أداء المهمة التي سعت للتركيز عليها( أي فشل الغرب ومشروعه وعجزه مقابل وبمواجهة الازدواج الكياني البنيوي الصاعد في دورته الثالثة الراهنه)، من دون إنجازها، فثورة التحولية الثانية في 14 تموز 1958 حسمت الامر لصالح المجتمع الأسفل حتى خارج فعل دولته المستعارة "الحزبيه الايديلوجيه" المستعارة، بل ومع تجاوزها، بعد تحول هذه الى قوة كبح ورغبة في التاطير ضمن مايعرف ب "اشتراطات الثورة البرجوازية التحررية"، مع أولى علامات رفضها مظاهر "الفوضى" غير "المنضبطه" كما اسماها الحزب الشيوعي(2) الذي كان ينحدر من وقتها مبتعدا عن الأصل الذي اوجب تاسبسه بالشكل الاستثنائي الفعالية الذي رافق بناءه في العشرينات والثلاثينات(3).
لم تكن مناسبة ثورة 14 تموز1958 مجرد لحظة انتصار للكيانية الازدواجية التاريخيه الرافدينيه والياتها على تهديد ومشروع الغرب، من اعلى فحسب، بل وكل ماينتمي اليه، بما في ذلك مانشا بالاصل كقوة مضادة لدولته المركبة من اعلى، أي لقوى "جبهة الاتحاد الوطني" التحررية الحاضرة في مقدمات وخلفية الثورة.
ـ يتبع ـ
ملحق 6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من ادلة التفارق بين ممكنات وعي الراسمالية المصنعية وبقاياها وتخلفه عما يتعداها الى مابعده كما هو الان ذهاب الراسمال المازوم الى (الاقتصاد الافتراضي) متخبطا كما حدث في وول ستريت ومانجم عنه من كوارث عام 2008 .
(2) في 13 اب 1959 في تصريح صادر عن اللجنة المركزية المجتمعية على عجل في التاريخ المذكور وتعقيبا على احداث كركوك، جرى التأكيد بان "المجازر والتعذيب ناجمه عن نقص في تربية الجماهير وعن عدم فهم كاف للوضع السياسي في البلاد"، يراجع ه. كارير دانكوس ـ س.ر. شرام/ الاتحاد السوفياتي والصين إزاء الثورات في المجتمعات ماقبل الصناعية/ دار الحقيقه ـ بيروت ص 69، ويشمل هذا الاتجاه اجمالي ميل الحزب الشيوعي ووجهته، والحديث جار هنا عن التعامل مع ثورة 14 تموزالتي "سجلت انعطافا حاسما، ولم تزل شروطها غير مفهومه جيدا، بتدخل جماهيري لاشك حاسم" بحسب راي المؤلفين ص 68.
(3) لاداعي بالطبع لان نتظرق الى الافتراضات الوهميه المختلقة خارج مكانها وزمنها عن "الطبقات" و "الصراع الطبقي" التي نقلها الشيوعيون حرفيا بعد ان تعلموها في الخارج وكانوا بحاجه لها كي يصبحوا حزبا، هو بالأحرى وبالاساس قوة اقتضت وجودها اضتراطات صراعية ازدواجية مؤقته.